أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

صفحات رأي ومقالات

الرئيس الأمريكي والمعضلة السورية

دينيس روس

متاح أيضاً في English

"نيويورك ديلي نيوز"

15 آذار/مارس 2017


لن تسلم أي إدارة أمريكية من المصاعب التي تنطوي عليها صياغة سياسة متماسكة تجاه سوريا. وتتمثل إحدى أبرز الأولويات بهزيمة ما يسمى بـ تنظيم «الدولة الإسلامية» («داعش») دون ترك فراغ أو تعزيز الخلافات الطائفية العميقة بعد تحرير الرقة. وتتمثل الأولوية الأخرى بالتعامل مع المعارضة التي تبديها تركيا تجاه تسليح الولايات المتحدة لـ «وحدات حماية الشعب» الكردية واستخدامها في الحرب ضد تنظيم «داعش» - والتأكد من أن تركيا لا تواجه الأكراد بدلاً من بـ تنظيم «الدولة الإسلامية». وبطبيعة الحال، لا يذكر ذلك شيئاً عن الجهود التي تبذل لوضع حدٍّ للحرب التي كبّدها نظام الرئيس الأسد للشعب السوري إلى حدٍّ كبير.

وفي هذا الإطار، كانت روسيا قد عملت بمساعدة تركيا على إرساء اتفاق هش لوقف إطلاق النار في سوريا؛ ولم تكن لهذا الاتفاق حظوظٌ كبيرة بالثبات والتحول إلى عملية سياسية حقيقية. فقد أقدم الأسد على قتل عدد كبير من السوريين ولذلك لن يوافق أيٌّ من الأطراف الهامة في المعارضة على بقاء الأسد على المدى الطويل. ومع ذلك، لا تزال روسيا متمسكة بنظام الأسد وتميل إلى الاعتقاد بأن بإمكانها ضرب قوات المتمردين السورية وإجبارها على الخضوع.

إلا أن هذا الوضع ربما سيتغير. ويجب أن يتغيّر.

وبالفعل، بينما تنظر إدارة الرئيس ترامب فيما إذا كانت ستتعاون عسكرياً مع روسيا في سوريا، يجب عليها أن تصرّ على وقف جميع الضربات على الجماعات من غير تنظيم «الدولة الإسلامية»، الغير جهادية، بما فيها تلك التي دعمتها الولايات المتحدة. ويقيناً، هناك اختبار أكثر أهمية يمكن من خلاله الحُكم حول ما إذا كان يجدر بالولايات المتحدة التعاون مع الروس، وببساطة، يجب على روسيا وقف تعزيز سلطة الإيرانيين والميليشيات الشيعية التي تعمل عنهم بالوكالة. فتوسيع نطاق النفوذ الإيراني ووجوده يحوّلان كفة ميزان القوى في المنطقة ضد الشركاء العرب للولايات المتحدة. كما أنهما يعمّقان الانقسام الطائفي في سوريا؛ وقد جعل ذلك من الصعب كسب تأييد السنة داخل سوريا وخارجها.

ومن المفارقة أن نمو الطائفية هو الذي ساهم في الأصل في نشوء تنظيم «الدولة الإسلامية» في كل من العراق وسوريا، وبعد هزيمة هذا التنظيم في الرقة سيتمثّل الخطر الأكبر بتفضيل إيران للسياسات (والسياسة) الطائفية مما سيسفر مرة أخرى عن تهميش السُّنة واستبعادهم، الأمر الذي سيجعل من شبه المؤكد بروز نسخة جديدة من تنظيم «الدولة الإسلامية». ولا يمكن أن يكون ذلك ما يريده الرئيس الأمريكي. وبالتالي، فإن مفتاح أي تعاون مع الروس في سوريا يجب أن يكون قائماً كحد أدنى على ابتعاد روسيا عن الإيرانيين وعن أدواتهم من الميليشيات الشيعية. وإذا ما حدث ذلك، يكون بوتين قد برهن أنه يدرك ما تفعله إيران في المنطقة وأنه مستعد للانضمام إلى الولايات المتحدة في سعيها للتصدي لطهران.

بيد، يجب أن لا نراهن على حدوث ذلك. فتصرفات الروس الفعلية تؤكد التلميحات التي نسمعها منهم عن كونهم غير مرتبطين بالضرورة بالأسد أو بالإيرانيين. ولنضع جانباً الدلائل المتزايدة على التعاملات الاقتصادية والعسكرية الروسية مع إيران، ولننظر إلى الكيفية التي يعمل فيها الروس في سوريا: تستخدم روسيا قوتها الجوية بصورة عشوائية لدعم الميليشيات الشيعية الموجهة من قبل إيران على الأرض. ونظراً للنقص الذي تعانيه قوات الأسد وافتقارها إلى الفعالية، تشكل هذه الميليشيات قوات الهجوم الأمامية التي تحاول الاستحواذ على المناطق وإحكام السيطرة عليها وتأمين نظام الأسد تحت غطاء من الضربات الجوية الروسية. وإذا ما استمر التمرد على مستوى منخفض وأصبح أكثر بروزاً كما هو مرجح، فلن يتقلص الرهان الروسي في إيران والميليشيات الشيعية بل سيزداد حدّة. ولذلك قد لا يكون احتمال حدوث تعاون مع الروس في سوريا قائماً حتى لو كان الرئيس وكبار مستشاريه مستعدين حقاً لاختبار إمكانياته.

وإذا فشل الروس في الاختبارات، وإذا ما قررت الإدارة الأمريكية تركيز النسبة الكبرى من اهتمامها على تنظيم «الدولة الإسلامية» وليس على نظام الأسد، يجب على سياستها أن تأخذ في الاعتبار عاملاً آخر. فتواجد كل من إيران و«حزب الله» في سوريا سيستمر لفترة طويلة، فهما لم يدفعا الأرواح ثمن انخراطهما في القتال من أجل ينسحبا [في وقت لاحق]، وفي هذه المرحلة يعتبر الأسد بمثابة شركة فرعية مملوكة بالكامل. كما أن المصلحة الاستراتيجية الأوسع لإيران و«حزب الله» لا تقتصر على إبقاء ممر نحو لبنان عبر سوريا فحسب، بل بفتح جبهة جديدة عبر سوريا ضد إسرائيل أيضاً. إن عدائية إيران تجاه إسرائيل ليست تكيتيكية بل استراتيجية، وسوف تسعى طهران على مر الزمن لممارسة مزيد من الضغط على إسرائيل من قاعدتها المتنامية في سوريا.

ومن المؤكد أن الإسرائيليين سيقاومون هذا المسعى، ولكن يجدر بإدارة ترامب أن تفعل المثل. فالاضطلاع بدور الشريك الاستراتيجي لإسرائيل يعني جزئياً الوقوف إلى جانبها عندما تواجه أي تهديدات جديدة. وفي هذه الحالة، يجب على الإدارة الأمريكية أن تحذّر الروس بصراحة من أي مساعٍ تقوم بها إيران أو تأتي من «حزب الله» للتمركز في الجنوب السوري المتاخم لإسرائيل والأردن. يجب أن يكون واضحاً بأن الولايات المتحدة سوف تدعم الخطوات التي تتخذها إسرائيل لمنع أي حركة مماثلة نحو الجنوب - وإذا ما حدث تصعيدٌ فإن الولايات المتحدة ستدعم إسرائيل مادياً وستكون مستعدة لتقديم أي مساعدة قد تحتاجها إسرائيل. ينبغي أن يعلم الإيرانيون أنهم يلعبون بالنار، وهذه رسالة يجدر بالولايات المتحدة توجيهها أيضاً وأن لا يقتصر تبليغها من قبل إسرائيل فقط.

 

دينيس روس هو مستشار وزميل "وليام ديفيدسون" المميز في معهد واشنطن.