أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المرصد السياسي 2833

وقف إطلاق النار والمصالح الأمريكية على الحدود الأردنية السورية

ديفيد شينكر و حنين غدار

متاح أيضاً في English

17 تموز/يوليو 2017


إذا استمر اتفاق وقف إطلاق النار في جنوب غرب سوريا المُبرم بين الولايات المتحدة وروسيا والأردن والذي أُعلن في 7 تموز/يوليو، فسوف يشكّل تطوراً جديداً هاماً في الحرب السورية. فهذه المنطقة التي تضمّ أراضٍ خاضعة لسيطرة المتمردين المعتدلين ونظام الأسد تمتدّ من القنيطرة في الجولان حتّى السويداء، مروراً بدرعا. وفي السنوات الأخيرة، ومن أجل ضمان استمرار الهدوء في الأراضي الخاضعة لسيطرة المتمردين، قادت عمّان بمساعدة واشنطن عملياتٍ جوية وبرية دورية ضد مسلحين تابعين لتنظيمي «القاعدة» و «الدولة الإسلامية». ومع ذلك، يزداد قلق الأردن من أن تتّجه الميليشيات الشيعية الموالية لنظام الأسد والمدعومة من إيران جنوباً. وتريد إسرائيل والأردن منع إيران من إنشاء موطئ قدمٍ لها على الحدود. ونظرياً، من شأن الاتفاق أن يحول دون مثل هذا الانتشار، إلا أنّ الأحداث السابقة تشير إلى أنّ الميليشيات المدعومة من إيران لم تكن ملزمة بالصفقات الروسية. وكما حصل في شرق سوريا، فإذا عمدت إيران ووكلاءها على نشر قواتهم في هذه المنطقة، فإن مثل هذا التطور قد يثير رداً من الولايات المتحدة أو إسرائيل.

الاتفاق

تمّ الإعلان عن هذا الاتفاق الأخير لوقف إطلاق النار الخاص بسوريا، الذي يشارك فيه الأردن أيضاً، عقب اجتماعٍ ثنائي في منتدى "مجموعة العشرين" بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين. أمّا بالنسبة للمناطق الواقعة تحت سيطرة المتمردين، فتمتد من الشرق في الجولان على مدى سبعين كيلومتراً وتحيط بمدينة درعا التي يبلغ عدد سكانها حوالي 400 ألف نسمة. وفي الوقت نفسه، يعيش ما يقرب من مليون شخصٍ في الأراضي التابعة للنظام، وتشمل درعا والسويداء ومدينة البعث. وفي حين لم يظهر الكثير من التفاصيل حتى الآن، يتمثّل الاتفاق الإجمالي بممارسة كل من روسيا والأردن والولايات المتحدة الضغوط على حلفائهم المحليين - ويشمل ذلك الضغط الروسي على نظام الأسد - للالتزام بوقف إطلاق النار الذي ستتم مراقبته من خلال مركز مشترك. وفي 14 تموز/يوليو، أفادت وكالة رويترز بأنّ روسيا تطوّعت لنشر مراقبين لوقف إطلاق النار في المنطقة.

ولا يشمل الاتفاق أي تفاصيل حول مصير هذه الأراضي على المدى البعيد. ومن جانبها، ترغب عمان في إعادة فتح الحدود - تحت سيطرة النظام - في النهاية لكي يتمكن الأردن من استئناف الصادرات إلى أحد أهمّ شركائه التجاريين، وينشّط بذلك اقتصاد المملكة الضعيف. وفي الوقت نفسه، لن يستقبل الأردن المزيد من اللاجئين، في الوقت الذي لديه بالفعل 1.4 مليون لاجئ، على الرغم من أنّه من المحتمل أن يتدفّق المزيد منهم إذا تحرّكت الميليشيات المدعومة من إيران جنوباً. وقد تزيد هذه الميليشيات أيضاً من خطر انتقال أعمال التخريب عبر الحدود إلى الأردن. وفي سياقٍ متّصل، أوضحت إسرائيل أنّ نشر القوات الإيرانية على الحدود هو خطٌ أحمر. ففي التاسع من تموز/يوليو، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في كلمةٍ له في مجلس الوزراء: "يجب ألا يسمح وقف إطلاق النار هذا بخلق وجودٍ عسكري لإيران ووكلائها في سوريا عموماً وفي جنوب سوريا على وجه الخصوص". وتتمتع إيران بوجودٍ عسكري ملحوظ في سوريا، لكن ليس في الجنوب.

سوابق مثيرة للقلق

في مناسبات عديدة هذا العام، انتهكت الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران اتفاقات وقف إطلاق النار التي أعدّها حلفاءها الروس الظاهريون. ففي كانون الثاني/يناير 2017، على سبيل المثال،  تجاهل كل من نظام الأسد وهذه الميليشيات اتفاقاً روسياً تركياً واستمرّوا في شن هجمات في عدة مناطق في سوريا، ومنها وادي بردى والغوطة والشرقية في ضواحي دمشق. ثم، في أيار/مايو، انتهكت الميليشيات الشيعية ما يُسمّى باتفاق تخفيف التوتر المُبرم بين روسيا وتركيا وإيران، بشنّها هجمات في ضواحي حمص وحماة. وفي الشهر نفسه، أدت الضربات الجوية الأمريكية إلى مقتل عدة عناصر من ميليشيا «الحشد الشعبي» العراقية المدعومة من إيران، بعد أن كان هؤلاء يتقدمون نحو القوات السورية المناهضة لتنظيم «الدولة الإسلامية» والمدعومة من الولايات المتحدة في التنف، وهي منطقةٌ "محظورة" أنشأتها موسكو وواشنطن. وخلال هذه الضربات، أفادت بعض التقارير أنّ الطائرات الحربية الأمريكية استهدفت أيضاً الميليشيا اللبنانية «حزب الله»، مما أسفر عن مقتل عدد من عناصره.

المشاكل القادمة في درعا

يعيق اتفاق وقف إطلاق النار تقدم الميليشيات الشيعية التي يقودها «حزب الله» حول درعا وجنوب غرب سوريا، لكنه لا يشمل آليات لإخراج هذه القوات. وإذا ما انتُهك اتفاق وقف إطلاق النار، فمن المرجح أن يواصل «حزب الله» تقدمه نحو الحدود السورية-الأردنية من دون الحاجة إلى حشد قوى إضافية. ووفقاً لمصادر موالية لـ «حزب الله»، كانت "كتيبة رضوان"، وهي وحدة القوات الخاصة من النخبة التابعة لـ «حزب الله»، والتي سبق وشاركت في عددٍ من المعارك الكبرى في سوريا - وأهمها في حلب - تستعد لنشر عناصرها في درعا في وقتٍ سابق من هذا الشهر. وإذا ما استأنف «حزب الله» هجومه في درعا، فمن المرجح أن تقود "كتيبة رضوان" هذه العملية.

وعلى أية حال، فإن تعليق حملة درعا يشكّل نعمةً لإيران. فقد حاولت قوات «حزب الله» ونظام الأسد الاستحواذ على المدينة عدة مرات ولكنها واجهت مقاومةً شديدة، مع وقوع إصابات جسيمة في صفوف «حزب الله»، مما ولّد شكاوى بين عناصر التنظيم في لبنان. ويوفّر وقف إطلاق النار الوقت للميليشيا لإعادة لمّ شملها قبل ما يعد بأن يكون معركةً دامية. وعندما يستشعر «حزب الله» وجود ميّزة في خرق اتفاقية وقف إطلاق النار، فالتجارب السابقة تؤكّد أنّه سينتهكها ويهاجم المتمردين في الجنوب.

أولويات إيران و «حزب الله»

بما أنّ الاتفاق محدودٌ جغرافياً، فإن إيران و «حزب الله» لن يكونا ملزمين بتقييد العمليات العسكرية في مناطق أخرى في سوريا، حتى لو كانا يلتزمان بالهدنة. وبالفعل، قد يسعى «حزب الله» وغيره من الميليشيات الشيعية إلى استغلال هذه الفترة، خاصة نظراً إلى تركيز واشنطن الضيق على ما يبدو على الهجوم في الرقة وتثبيت تحرير الموصل. وتتمثل أولى أولويات إيران في سوريا في الحفاظ على نظام الأسد وحماية دمشق وضواحيها، واسترجاع دير الزور من تنظيم «الدولة الإسلامية»، وفي نهاية المطاف إنشاء الجسر البري التي تتبجح به بين سوريا والعراق وصولاً إلى لبنان. وإذا سكتت الولايات المتحدة عن نشر الميليشيات الشيعية في دير الزور، والعمليات في الغوطة الشرقية، وتطهير جيوب المتمردين المتبقية حول دمشق، واحتواء المتمردين الجنوبيين في درعا، فقد تتخلى إيران فعلاً عن محاولة الاستيلاء على درعا في الوقت الحالي.

ومن خلال التركيز على المنطقة الحدودية وتجاهل ضواحي دمشق، يسمح هذا الاتفاق بشكلٍ غير مباشر لـ «حزب الله» باستكمال عملياته بحرية في دمشق وتدمر، حيث تتقدم الميليشيات الشيعية وجيش الأسد ببطء ولكن بشكلٍ مؤكد نحو دير الزور، من دون أي عائق حتى الآن. وتهتم إيران بدير الزور أكثر بكثير من الرقة. فعلى المستوى الاستراتيجي، تشكل منطقة دير الزور موقعاً جوهرياً للجسر البري، إذ تحتوي على حقول الغاز والنفط ومناجم الفوسفات التي يمكن أن تساعد على تعزيز اقتصاد نظام الأسد الذي يواجه تحدياتٍ كبيرة.

الخيارات الأمريكية

من خلال قيام إدارة ترامب بضرب «وحدة للحشد الشعبي» في التنف في أيار/مايو، أظهرت استعدادها لاستهداف الأصول الإيرانية في سوريا. بيد ركّزت حادثة «الحشد» على حماية القوات البرية المدعومة من الولايات المتحدة والمكلّفة بتحرير الرقة من أيدي تنظيم «الدولة الإسلامية». وليس من الواضح ما إذا كانت الإدارة الأمريكية مستعدة لاستهداف هذه القوات التي تدخل مناطق لا يطرح فيها تنظيم «داعش» أي مشكلة. ولإثبات ذلك، في أعقاب الضربة التي وُجهت لـ «الحشد الشعبي»، أوضح متحدثٌ باسم "قوة المهام المشتركة - »عملية الحل المتأصل«"، وهي عملية التحالف بقيادة الولايات المتحدة، الطبيعة الدفاعية لسياسة واشنطن في سوريا، وقال: "لا يسعى التحالف إلى محاربة النظام السوري أو القوات الموالية للنظام، لكن يبقى مستعداً للدفاع عن نفسه إذا رفضت القوات الموالية للنظام إخلاء منطقة تخفيف النزاع". وأضاف المتحدث أنّه قبل الضربة الجوية، كانت القوات الأمريكية قد "أرسلت عدة إنذارات" إلى الميليشيا المدعومة من إيران.

وفي حين تزعم موسكو أنّها ملتزمة بمنع نظام الأسد من انتهاك وقف إطلاق النار في الجنوب، إلّا أنه لا ينبغي بالضرورة الوثوق بروسيا بالوفاء بهذا الوعد أو بمعاقبة إيران وحلفائها على أي مخالفات. وبالفعل، اعتمدت روسيا حتى الآن مقاربة عدم التدخل تجاه انتهاكات وقف إطلاق النار من قبل إيران ونظام الأسد. بالإضافة إلى ذلك، سمحت روسيا لنظام الأسد بنقل أسلحة استراتيجية إلى «حزب الله» في حين سمحت لإسرائيل أيضاً بمهاجمة هذه الأسلحة على الأراضي السورية. ولا توجد أدلة كافية تشير إلى أنّ موسكو سوف تغيّر استراتيجيتها وتمنع حلفاءها بشكلٍ فعلي من خرق وقف إطلاق النار. وحتى لو فرضت روسيا وقف إطلاق النار في الجنوب، فإنها يمكن أن تشجع إيران وحلفاءها على مواصلة الهجمات في مناطق أخرى من سوريا.

ونظراً للمخاوف الأمريكية بشأن الاستقرار الأردني، ينبغي على إدارة ترامب أن تضع خطاً أحمر على نشر إيران لقواتها في الجنوب. ولتحقيق ذلك، يتعين على واشنطن إعلام كل من موسكو ودمشق وطهران بأن أي عملية جوية أو برية يشنها النظام أو إيران في منطقة وقف إطلاق النار سوف تُعتبر تهديداً للقوات الأمريكية وستواجَه بالرد الجوي المناسب. وقد يُقدر لواشنطن وطهران أن تتواجها في الشرق إذا ما واصلت إيران جهودها لبناء الجسر البري من خلال تأمين الحدود السورية مع العراق في الأراضي الخاضعة لسيطرة الولايات المتحدة شرق نهر الفرات. إنّ الحدّ من انتشار القوات المدعومة من إيران في الجنوب من خلال توجيه ضرباتٍ جوية محدودة قد يجعل إيران أكثر حذراً في الشرق، الأمر الذي يساعد على تجنب التصعيد في تلك المنطقة. وبالفعل، إذا لم تتّخذ واشنطن مثل هذه الخطوة، فهناك إحتمال كبير بأن تقوم إسرائيل بهذه المهمة.

 

ديفيد شينكر هو زميل "أوفزين" ومدير برنامج السياسة العربية في معهد واشنطن. حنين غدار، صحفية وباحثة لبنانية مخضرمة، وزميلة زائرة في زمالة "فريدمان" في معهد واشنطن.