أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

مذكرات سياسية

إعادة بناء التحالفات ومواجهة التهديدات المحدقة في الخليج

لوري بلوتكين بوغارت و سايمون هندرسون

متاح أيضاً في English

الفترة الانتقالية 2017: مذكرات سياسية لإدارة ترامب

شباط/فبراير 2017


ملخص تنفيذي

لدى إدارة ترامب فرصة لإعادة ضبط العلاقات الاستراتيجية بين الولايات المتحدة ودول الخليج، وتقويتها، وتعظيمها إلى أقصى الحدود. وحتى الآن، أعرب قادة الخليج عن تفاؤلهم من الإدارة الأمريكية الجديدة، على الرغم من شعار الرئيس ترامب «أمريكا أولاً».

ويكمن الهدف من المقال الأول من هذه المذكرة السياسية المتعلقة بالانتقال إلى الإدارة الجديدة، في إعداد دليل لإرشاد الطريق المحبّذ للعلاقات المعقدة بين الولايات المتحدة ودول الخليج. وعلى هذا النحو، يوفر المقال لمحة عامة عن المبادئ الأساسية للعلاقة، ويشدد على أهمية صلة التوافق للعلاقات الثنائية ويقدم أولويات السياسات الرئيسية. ويحصر المقال الثاني التركيز على روابط واشنطن والرياض، التي هي العلاقات الأكثر أهمية بين الولايات المتحدة ودول الخليج المحافظة.

القسم الأول

كيف يمكن رسم سبيل للمضي قدماً مع دول الخليج

لوري بلوتكين بوغارت

شعرَتْ دول الخليج بخيبة أمل عميقة إزاء السياسات التي انتهجتها الولايات المتحدة تجاه المنطقة في عهد الرئيس أوباما، ولا سيما إزاء إيران وسوريا، وهي تتوق الآن إلى إقامة علاقة جديدة. وبالنسبة إلى الولايات المتحدة، قد يكون التعاون والتنسيق الأمني الموسعين قوة مضاعفة خلال الحملات الرامية إلى تحقيق الأهداف الرئيسية للسياسة الخارجية بما فيها التصدي لسياسات إيران المزعزعة للاستقرار، وهزيمة تنظيم «الدولة الإسلامية» («داعش»).

وبالفعل، تتصدر مواجهة إيران وسحق تنظيم «الدولة الإسلامية» قائمة أولويات دول الخليج، مما يجعلها تُظهر قبولاً أكبر نحو تعميق العلاقات الرامية إلى تحقيق هذه الأهداف.

لكن على الرغم من المصالح المتداخلة القوية والتعاون المؤسسي في عدد من القطاعات، تُعتبر العلاقات الأمريكية-الخليجية حساسة. فقد تبرز تحديات خاصة مرتبطة بتركيز الولايات المتحدة مؤخراً على "الإرهاب الإسلامي المتطرف"، لا سيما فيما يخص السعودية التي تَعتبِر نفسها حامية الدين الإسلامي والمسلمين في جميع أنحاء العالم.

المبادئ الأساسية

تمّ تشبيه العلاقة الأمريكية-الخليجية بزواج مضطرب بل تقليدي. فالمصالح المشتركة القوية بين الولايات المتحدة ودول الخليج تفرض التزامات كبيرة على الصعيد الأمني والاقتصادي وغير ذلك من كلا الجانبين.

1. علاقة أمريكا بدول الخليج ليست من جانب واحد، كما يصفها البعض؛ فعلى الرغم من التحديات الماثلة، يستمد الطرفان مزايا كبيرة. وتشمل هذه المنافع المتبادلة وجود منشآت عسكرية أمريكية ضخمة وطاقم عمل كبير على أرض الخليج لخدمة المصالح الأمنية للولايات المتحدة والدول المضيفة على حدّ سواء.

2. دول الخليج بعيدة جداً من أن تكون وحدة متراصة؛ فلكل دولة ترتيب مختلف للأولويات الأمنية تتم ترجمته بمستويات مختلفة من الاهتمام بقضايا معيّنة والالتزام بالتعاون مع الولايات المتحدة في خصوصها. تتمثّل أفضل طريقة لتوسيع التعاون مع الشركاء الخليجيين نحو تحقيق بعض أهداف السياسة الخارجية للولايات المتحدة في أخذ الميول الطبيعية لكل شريك في الحسبان.

3. عندما يتعلق الأمر بمسألة "الإرهاب ودول الخليج" التي تشكّل موضع نقاش حاد، يشير الواقع الملموس إلى أن معظم شركاء الولايات المتحدة هم جزء من المشكلة وجزء من الحلّ على حدّ سواء. تُعتبر كافة دول الخليج شركاء أقوياء لمكافحة الإرهاب على مستوى العمليات، وينخرط الكثير منها في أعمال واسعة النطاق لتمويل مكافحة الإرهاب وأنواع أخرى من حملات مكافحة الإرهاب. غير أن معظمها تؤجج أيضاً مشكلة الإرهاب من خلال السياسات المحلية والإقليمية المختلفة التي تنتهجها لضمان مصالحها. أما عُمان، وفي نواح كثيرة، دولة الإمارات، فهما حالتان خاصتان إذ بذلت الدولتان جهوداً كبيرة لتعزيز التسامح بين الأديان. وسيخدم إشراك الحكومات الخليجية في المجالات المشتركة فضلاً عن نقاط الخلاف المتعلقة بمكافحة الإرهاب، المصالح الأمنية للولايات المتحدة على أفضل وجه.

4. صمدت الأسر الحاكمة في الخليج في العديد من الفترات الصعبة خلال نصف القرن الماضي، إلا أن المناخ الحالي يمثّل تحدياً بشكل خاص وسيشكّل اختباراً لقوة ومرونة الأنظمة الملكية والعلاقات بين الولايات المتحدة ودول الخليج. من شأن المزيج المؤلف من التهديدات التي تطرحها إيران وحلفاؤها ومن الجماعات المسلحة السنّية، وانحدار أسعار النفط، والميزانيات الحكومية، وتنامي أعداد الشباب الذين يتمتعون بقدرة غير مسبوقة على النفاذ إلى أدوات التواصل القوية، أن يشكل ضغوطاً على دول الخليج من جميع الجهات.

تعزيز الروابط

فيما يتعلق بتطوير العلاقات الثنائية، هناك أهمية خاصة لبناء علاقات شخصية مع زعماء الخليج لأسباب ترتبط بالثقافة والتقاليد المحلية. وفيما يخص شركاء أمريكا الخليجيين، يمكن فهم العلاقات الوثيقة كونها تعزّز نفوذ الولايات المتحدة على سياسة الخليج. ومن شأن التعهدات التالية أن تساعدعلى تحقيق أقصى قدر من التعاون الاستراتيجي.

أ. منح العلاقات الشخصية الأولوية على مستوى القيادة. تكتسي العلاقات أهمية خاصة مع المحورين السياسيين الرئيسيين في المنطقة، أي الرياض وأبوظبي.

ب. الحفاظ على اتصال مستمر خلال الأوقات الجيدة والأوقات الصعبة. يشكّل قرار الإدارة الأمريكية السابقة بعدم إشراك شركاء عرب منذ بدء العملية السياسية التي تمخضت عن إبرام اتفاق نووي مع إيران جرحاً مفتوحاً في الخليج.

ج. استخدام تكتيكات قوامها "الثواب بدلاً من العقاب". فيما يخص شركاء أمريكا الخليجيين، يجب السعي إلى تشجيع السياسات الإقليمية المؤاتية لمصالح الولايات المتحدة بشكل سري عن طريق المفاوضات بدلاً من التخويف والتهديدات. فشركاء الولايات المتحدة ينتهجون سياسات إقليمية محددة لضمان درجة معينة من الأمن أو مصالح أساسية أخرى، وبالتالي يُعتبر الطلب إليهم بالتخلي عن سياسة قائمة على المصالح أمراً مهماً.

د. إغداق الثناء عندما يكون الثناء مستحقاً. للاعتراف العلني أثر كبير في الخليج حيث يتّم إيلاء أهمية للسمعة. وسيساعد الثناء العلني على تعزيز العلاقات ويعود بالفائدة على المصالح الأمريكية.

ه. الاعتراف بالاختلافات من دون السماح لها بأن ترسم معالم العلاقة - ما لم تمثّل حقاً العنصر الأهم في علاقة الولايات المتحدة بأي بلد معين. يمكن أن تؤثّر الولايات المتحدة على دول الخليج في مجموعة من القضايا لكنها لا تستطيع تحويل هذه الدول.

أولويات السياسة

أدّت الحرب الأهلية والنزاعات بين الدول وتنامي التطرف من جميع الجهات إلى تفاقم التهديدات القائمة على المصالح الأمنية الأمريكية منذ فترة طويلة والمنبثقة من الشرق الأوسط. ولا بدّ من أن تشمل أولويات اليوم في الخليج مواجهة التهديدات الأكثر خطورةً - أي إيران وتنظيم «الدولة الإسلامية» - بالتعاون مع شركاء الولايات المتحدة، وسط توفير دعم كبير لجهود دول الخليج للانتقال نحو اعتماد مبادئ الحوكمة الرشيدة، التي ستساعد أيضاً على تعزيز المصالح الأمنية الأمريكية.

1. التصدي لسياسات إيران المزعزعة للاستقرار

تَعتبر الرياض أن دعم طهران للمسلحين الشيعة في المنطقة وتهديداتها بالسيطرة على طرق التجارة البحرية مصدر التحدي الأكبر الذي تواجهه وسترحب بأي جهود تعاونية للتصدي لهذه التوجهات. ويجب أن يستهدف التعاون الجهود التي تدعمها إيران لزعزعة استقرار دول الخليج نفسها، لا سيما البحرين والسعودية، اللتين تُعتبران مسرحاً تقليدياً لحملات إثارة الاضطرابات التي تشنها إيران، وأن يضم مساعدة موسعة من القطاع الخاص في مجال الدفاع الإلكتروني. كما يجب التركيز على دعم السعودية في إطار دفاعها عن حدودها الجنوبية من هجمات الحوثيين والضغط من أجل إيجاد حلول سياسية للحربين الكارثيتين في اليمن وسوريا. ويبدو أن الإدارة الأمريكية تسير على المسار الصحيح من خلال اعتبارها بأن خطر تطوير إيران للأسلحة النووية يشكل جزءاً من المشكلة الإيرانية وليس كلها.

2. مكافحة الإرهاب

تَعتبر دول الخليج أن تنظيم «الدولة الإسلامية» يشكل خطراً وجودياً. لكن التعاون العسكري لهذه الدول في الحملة ضد تنظيم «داعش» كان محدوداً بسبب قلقها من إقدام الرئيس السوري بشار الأسد وحلفائه على ملء الفراغ الذي يتركه انسحاب تنظيم «الدولة الإسلامية» من الأراضي، ومن تخصيص الموارد العسكرية لهذه الدول لدرء التهديدات الأقرب إليها، مثل اليمن. إن العمليات الموسعة بالتعاون مع شركاء الولايات المتحدة الخليجيين للتصدي لجهود إيران المزعزعة للاستقرار في المنطقة، بما فيها دعم النظام للأسد والحوثيين، قد تؤثّر على حسابات السعوديين فيما يتعلق بسوريا.

وتتطلب مجالات مثل مكافحة الفكر الإرهابي وإنهاء تدفق الدعم المالي للجماعات الإرهابية من الخليج إجراء مناقشات مستمرة مع شركاء الولايات المتحدة. بيد، لدى معظم الحكومات الخليجية تحالفات مع جماعات محافظة للغاية داخل بلدانها، وأحياناً خارجها، الأمر الذي يعقّد [إطلاق] مثل هذه الحملات الواسعة لمكافحة الإرهاب. وتتميز أبوظبي بكونها شريكاً فعالاً بشكل خاص في مجال التعاون في قضايا مكافحة الإرهاب بسبب تركيزها القوي نسبياً على التسامح الديني وعلاقاتها المحدودة بصورة أكبر مع المحافظين المتشددين. وبالتالي، ينبغي تعميق التعاون مع الإمارات العربية المتحدة لمكافحة الإرهاب، ذلك التعاون الذي هو قوي أساساً وتوسيعه.

3. دعم التحرك نحو المساءلة والشمولية وسيادة القانون

ستحقّق الحملات لتدمير تنظيم «الدولة الإسلامية» ووقف الاعتداء الإيراني نتائج أفضل إذا ما تمّت معالجة الديناميكيات الكامنة التي تضع مثل هؤلاء المعتدين في موقف قوي. ويشمل ذلك التسامح مع الفكر المتطرف والطائفية المدمرة. ومن دون معالجة هذه المشاكل، يتزايد خطر بروز المشاكل القديمة بمظاهر جديدة.

 

القسم الثاني

عبء التاريخ في العلاقة بين الولايات المتحدة والسعودية

سايمون هندرسون

من المرجح أن تكون سياسة إدارة ترامب تجاه المملكة العربية السعودية عنصراً أساسياً في السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأوسع نطاقاً خلال السنوات الأربع المقبلة. فالمملكة تعتبر نفسها زعيمة مسلمي العالم والعالم العربي، إلى جانب كونها زعيمة عالم الطاقة. 

وما يمثّل على الأرجح مبعث قلق أكبر بالنسبة للرياض هو نزعة ترامب الشعبية ورغبته الواضحة في إدراك وجهات نظر الناخبين التي غالباً ما تكون غير منمّقة. ومن الإنصاف القول إن نظرة العديد من الأمريكيين العاديين تجاه السعودية قبيحة: فغالباً ما يُعتبر السعوديون قاطعي رؤوس كارهين للنساء لا يختلفون كثيراً عن مناصري تنظيم «الدولة الإسلامية» الذين يهددون المملكة بقدر ما يشكّلون خطراً على الكثير من [دول] الشرق الأوسط وحتى أوروبا. وبالنسبة للأمريكيين الراشدين، لا تزال ذكرى 11 أيلول/سبتمبر ماثلة في أذهانهم وكذلك واقع أن خمسة عشر من أصل خاطفي الطائرات التسعة عشر كانوا سعوديين؛ أما بالنسبة للجيل الأكبر سناً، فتستمر الذكريات أيضاً من حظر تصدير النفط [الذي فرضته الدول العربية] بزعامة السعودية على الولايات المتحدة عام 1973 بسبب دعم واشنطن لإسرائيل. وعلى مر السنين، أنفقت السعودية ملايين [الدولارات] على جماعات الضغط وحملات العلاقات العامة من أجل تحسين صورتها، دون تحقيق نجاح يُذكر. فلم تتمكن من منع الكونغرس الأمريكي العام الماضي من تمرير قانون "العدالة ضد رعاة الإرهاب" (JASTA) الذي يخوّل الأمريكيين مقاضاة الحكومة السعودية لدعمها المزعوم للإرهاب.       

وفي 29 كانون الثاني/يناير، تحدث الرئيس ترامب هاتفياً مع الملك سلمان. وقد أتى عرض بيانات البيت الأبيض على ذكر المواضيع التالية: الشراكة الإستراتيجية، ومكافحة الإرهاب الإسلامي المتطرف، والتحديات التي تواجه السلام والأمن الإقليمي، والاتفاق النووي مع إيران، وأنشطة الجمهورية الإسلامية المزعزعة للاستقرار في المنطقة. وفي تقدير واضح لنجل الملك سلمان، الشاب النشط وخلف العاهل السعودي المحتمل المقصود، الأمير محمد بن سلمان - الذي يكاد يكون من المؤكد أنه كان يستمع إلى المكالمة إن لم يكن يشارك فيه فعلياً - عبّر ترامب عن دعمه للخطة الاقتصادية للمملكة - "رؤية السعودية 2030" - التي يقف وراءها الأمير محمد بن سلمان.

النفط

كَوْن السعودية أكبر دولة مصدّرة للنفط في العالم، فهي تزوّد العديد من البلدان بإمدادات نفط أساسية. إلّا أن الأسعار المتدنية تعني إيرادات منخفضة للحكومة السعودية وبالتالي خفض في الميزانية. وخلال العامين الماضيين، بذلت السعودية جهوداً لإبعاد منتجي النفط الصخري الأمريكيين عن القطاع عبر إغراق السوق بالنفط، إلا أن تلك المساعي باءت بالفشل. ومن أجل إنقاذ اتفاق "أوبك" بشأن خفض الإنتاج بهدف دعم الأسعار، أُجبرت المملكة على خفض إنتاجها بصورة أكبر مما كانت ترغب، مما أسفر عن تراجع مؤلم إضافي في الإيرادات. على الولايات المتحدة أن تقترح بأن يصبح اقتصاد السعودية أكثر فعاليةً عبر خفض الإعانات بشكل أكبر وتقليص الإنفاق المفرط. (وعلى الصعيد الوطني، تشتري السعودية كميات هائلة من المعدات العسكرية العالية المستوى، بما في ذلك من الولايات المتحدة، إلّا أنها تفتقر إلى القدرة لاستيعابها وتشغيلها. وعلى المستوى الشخصي، يمكن أن تشكّل نفقات العائلة المالكة عناوين عريضة محرجة: فقد ذكرت بعض التقارير في العام الماضي أن محمد بن سلمان قد أنفق 550 مليون دولار لشراء يخت فاخر).     

الإرهاب الإسلامي المتطرف

قبل عام، قلّصت السلطات السعودية بشكل كبير صلاحيات الشرطة الدينية بعد اكتشافها أن معظم السعوديين الذين انضموا إلى تنظيم «الدولة الإسلامية» كانوا من أفرادها. وربما يشكّك ترامب أيضاً بالتأكيدات السعودية التي تدّعي عدم وجود أي روابط رسمية مع خاطفي طائرات 11 أيلول/سبتمبر. وقد يكمن أحد السبل لإحراز تقدّم على هذا الصعيد في إقرار سعودي بتحمّل بعض اللوم على ما حصل. ويمثّل تقديم مساعدات مالية لعائلات ضحايا 11 أيلول/سبتمبر أحد الخيارات. ونظراً إلى أن الأميرين البارزين اللذين كانا يدفعان المال لـ تنظيم «القاعدة» لئلا يهاجم المملكة - وهما الأخوان الشقيقان لسلمان الأكبر سناً، سلطان ونايف - قد توفيا الآن، فإن التوصل إلى اتفاق لتقديم مثل هذه المساعدات سيكون الآن أكثر سهولة.   

إيران

تسعى إيران إلى تغيير الوضع الراهن في الشرق الأوسط، من خلال إضعافها السعودية وحلفائها بينما تحاول في الوقت نفسه دفع قوات البحرية الأمريكية والقوات الحليفة لها خارج منطقة الخليج. ويرزح الاتفاق النووي الإيراني تحت الضغوط أيضاً، وذلك بسبب اختبار صاروخ إيراني ذو جوانب نووية محتملة في الآونة الأخيرة. وكانت نظرة الخوف السعودية من إيران، التي يفاقمها وجود أقلية كبيرة من المسلمين السعوديين الشيعة المتعاطفين مع طهران، قد سبق وأن دفعت الرياض إلى التطلّع إلى باكستان كمظلة نووية. وانطلاقاً من هذه النظرة، زار الأمير محمد بن سلمان إسلام آباد مرتين في عام 2016. 

اليمن

تشكّل الحرب الأهلية في اليمن مجموعة فرعية من مشكلة إيران الأكبر. وينبغي أن يكون هدف السياسة الأمريكية إحداث تقسيم في التحالف القائم بين رجال القبائل الحوثيين المتمردين وقوات الرئيس السابق علي عبد الله صالح، وتدمير القوات الأخيرة واستعمال الأموال السعودية من أجل قطع الصلة بين الحوثيين وإيران. وعلناً، يتحمّل محمد بن سلمان مسؤولية هذه الحرب بعد أن أعلن نفسه في بادئ الأمر مهندسها عقب تعيينه وزيراً للدفاع في عام 2015. ومع مرور الوقت وتفاقم حالة الجمود العسكري، نأى بنفسه عن الصراع. وفي المجالس الخاصة، يُقال إن محمد بن سلمان يبحث عن سبيل للخروج من هذه الحرب، الأمر الذي يتيح فرصة للدبلوماسية الأمريكية.

سوريا

تمثّل سوريا فرعاً إضافياً من مشكلة إيران. فقد سعت الرياض جاهدةً لإجبار الإطاحة بالرئيس السوري الأسد من السلطة، آملةً بذلك جعل إيران تتكبّد انتكاسة إستراتيجية في المنطقة. يُذكر أن الرياض تقود تحالفاً عربياً ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» ولكنها كانت أيضاً تموّل المقاتلين الجهاديين المناهضين للأسد وتزوّدهم بالعتاد.

الحلفاء الخليجيون

هناك قواعد أمريكية أو منشآت عسكرية أخرى في خَمْس من الدول الأعضاء في «مجلس التعاون الخليجي» هي الكويت والبحرين وقطر والإمارات العربية المتحدة وعُمان. غير أنه لا توجد أي قاعدة على أراضي السعودية، التي هي أكبر دولة عضو في «المجلس» من حيث المساحة وعدد السكان. ومع ذلك، غالباً ما توصف المملكة بأنها زعيمة دول «مجلس التعاون الخليجي»، وبين الحين والآخر ارتكبت الإدارات الأمريكية السابقة خطأ معاملتها على هذا النحو، مما أثار غضب الدول الأخرى الأعضاء في «المجلس».

الكتلة السنّية

على الرغم من أن هناك علاقات شبه سرية تجمع على الأرجح بين الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل، وهي أفضل من تلك التي يُحتمل أنها تجمع السعودية مع الدولة اليهودية، إلا أن المواقف تتغير بشكل سريع في المملكة، كما يظهر من العدد المتزايد من الاتصالات والتبادلات الرفيعة المستوى. وفي حين أن الشك المتبادل حول إيران هو لا محالة العامل المحرك الرئيسي وراء هذه الخطوات، من شأن إدارة ترامب أن تشجع على نحو أكبر تطوير العلاقات بين حلفاء الولايات المتحدة وأن تقرّ أن غياب اتفاق سلام كامل بين إسرائيل وفلسطين، رغم كونه لا يزال عائقاً، لم يعد يشكّل عقبة لا يمكن تخطيها أمام هذه العلاقات.

على الولايات المتحدة تجنّب الظهور وكأنها منحازة فيما يخص سياسة العائلة المالكة. فولي العهد السعودي الواضح هو الأمير محمد بن نايف، الذي اعتُبر لسنوات عديدة الأمير السعودي المفضل لدى واشنطن بسبب تعاونه في ملف مكافحة الإرهاب. ويبدو للمراقبين بأنه يتمّ تهميشه إلى حدّ كبير، لكن من السابق لأوانه إلغاء دوره في العائلة المالكة، لا سيما نظراً لوجود اعتقاد بأنه يحظى بدعم أكبر في أوساط آل سعود مقارنة بالأمير محمد بن سلمان. ومن الممكن بسهولة أن تشهد المملكة مرحلة انتقالية خلال السنوات الأربع المقبلة، إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار أن العاهل السعودي البالغ من العمر واحد وثمانين عاماً يعاني الكثير من الأمراض. ويتمثّل البديلان الأكثر ترجيحاً في انسحاب الأمير محمد بن نايف من السباق بسبب مشاكله الصحية الخاصة أو تغيير الملك سلمان خياره لولي العهد، فيدعم محمد بن سلمان ويدفع بمحمد بن نايف جانباً.  

وقد يصبح أمير سعودي آخر مهماً بالنسبة للعلاقات الثنائية ألا وهو خالد بن سلمان، الأخ الشقيق الأصغر لمحمد بن سلمان، طيار مقاتل سابق على متن طائرة أف-15 والذي بدأ مؤخراً دراسات عليا لمدة عامين في "جامعة جورج تاون" في الولايات المتحدة. يُذكر أن الأمير خالد كان أحد أفراد بعثة محمد بن سلمان الرسمية حين زار ولي ولي العهد واشنطن في حزيران/يونيو 2016، ومنذ ذلك الحين أقام شبكات [من مراكز الاتصال] في المدينة. ويُنظر إليه على أنه نسخة حديثة من بندر بن سلطان، الذي تدرّب أيضاً كطيار مقاتل قبل أن يضطلع بدور نافذ في العلاقة بين الولايات المتحدة والسعودية لأكثر من عقدين من الزمن كسفير في واشنطن.   

إن الرابط بين واشنطن والرياض هو الأهم بالنسبة للعلاقات الأمريكية مع دول الخليج المحافظة، لكنه يواجه مجموعة من التحديات المعقّدة. لذلك تتطلب هذه العلاقة عناية دقيقة. 

 

لوري بلوتكين بوغارت هي زميلة "باربارا كاي فاميلي" في معهد واشنطن. سايمون هندرسون هو زميل "بيكر" ومدير برنامج الخليج وسياسة الطاقة في المعهد.