أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المرصد السياسي 2572

استطلاعات الرأي تظهر أن معظم المسلمين يرفضون كلاً من التطرف والإصلاح الإسلامي

ديفيد بولوك

متاح أيضاً في English

25 شباط/فبراير 2016


"في كانون الثاني/ يناير عام 2016، وبرعاية معهد واشنطن عُقدت ورشة عمل حول التحديات التي تواجه سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، التي تطرحها الاتجاهات الجديدة في الأيديولوجية السياسية. وهذا المرصد السياسي هو جزء من سلسلة من المساهمات الخطية المقدمة من قبل المشاركين".

 

تورد العناوين الرئيسية روايات خاطئة مفادها أن الأيديولوجيات الجهادية المتطرفة قد اجتذبت بطريقة أو بأخرى أعداداً كبيرة من المسلمين. وفي الواقع، إن العكس صحيح. ولا يرتكز هذا التصريح الجريء على روايات أو تقارير تعتمد على الإثارة بل على بيانات مادية واقعية مستخلصة من استطلاعات فعلية للرأي العام.

أولاً، في المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة، إن الأيديولوجية ليست هي الفكرة الأولى في أذهان معظم الأشخاص، وفقاً لمجموعة متنوعة من الاستطلاعات أُجريت مؤخراً بأسلوب علمي. وحتى هي بعيدة كل البعد عن ذلك. وفي الواقع، عندما طُرحت على هؤلاء الأشخاص أسئلة مفتوحة ليست لها إجابات محددة أو أسئلة متعددة الخيارات حول أولوياتهم الشخصية، أعطت أغلبية كبيرة منهم الأولوية للقضايا العملية، مثل فرص العمل أو العائلة أو التعليم أو الصحة أو الدخل. وعندما سئلوا عن أولوياتهم الوطنية، صنف معظمهم الأمن أو التنمية الاقتصادية أو محاربة الفساد في أعلى القائمة، بدلاً من أي توجه أيديولوجي معيّن.

وللاستشهاد بمثال على ذلك: في عام 2015 أجري استطلاع للرأي بين الفلسطينيين، الذين غالباً ما يُعتبرون من أكثر الجماهير تسييساً - وتأييداً لحركة «حماس» أو «حزب الله» - في المنطقة، وكانت النتيجة أن خيار "كَوْن الشخص مسلماً صالحاً" قد صُنّف في مرتبة متدنّية بعيداً عن الخيارات العملية المذكورة أعلاه. ولم يكن هناك سوى شخص واحد من كل سبعة أشخاص من سكان الضفة الغربية أو قطاع غزة، في المتوسط، الذي اعتبر الخيار الإسلامي أولويته الشخصية القصوى.

بالإضافة إلى ذلك، وخلافاً للافكار الخاطئة الشائعة، فإن الإجراءات المضادة الصارمة ضد الأيديولوجيات والمنظمات الجهادية ربما تكون مقبولة لدى الغالبية العظمى من السكان المسلمين المحليين، كوْن هذه الغالبية تعارض بشدة تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» («داعش»)/«الدولة الإسلامية» أو أتباعه الأفارقة أو أي حركات جهادية متطرفة أخرى.

تأييد محدود للجهاديين

وفقاً لاستطلاعات أجريت في مجتمعات عربية وأفريقية متنوعة وغيرها ذات أغلبية مسلمة، لا يحظى تنظيم «الدولة الإسلامية» وأتباعه، وتنظيم «القاعدة»، والتنظيمات الجهادية الأخرى فعلياً سوى بتأييد شعبي ضئيل. ففي حوالي ست دول عربية تم استطلاعها من قبل المؤلف حول هذا الموضوع، لم تتخطى نسبة هذا التأييد الأرقام الأحادية الهزيلة التالية: من 2 إلى 5 في المائة فقط في مصر والأردن ولبنان والمملكة العربية السعودية والكويت والإمارات العربية المتحدة وفلسطين (انظر "رغم شبح هجمات باريس، خسر تنظيم «الدولة الإسلامية» حرب الأفكار"). وكذلك، شهد «حزب الله» تراجعاً ملحوظاً ومتسارعاً في شعبيته بلغت ما بين 10 و 15 في المائة، ما عدا بين أبناء طائفته الشيعة في لبنان. حتى أن حركة «حماس» قد خسرت الكثير من الدعم في بعض الدول، لا سيما في مصر ولكن أيضاً في منطقة الخليج.

وبناءً على ذلك، تنظر الغالبية الساحقة من الجماهير العربية الرئيسية - حوالي 95 في المائة - نظرة سلبية إلى تنظيم «الدولة الإسلامية». وهذه ليست تقديرات، بل بيانات مؤكدة واقعية مستخلصة من استطلاعات رأي علمية قام المؤلف بتنظيمها ورعايتها في أيلول/سبتمبر 2014 وحزيران/يونيو 2015 وأيلول/سبتمبر 2015. وقد أجراها مستطلعو آراء رائدون مستقلون، وغير سياسيين على الإطلاق، مختصين في مجال استطلاعات الرأي الإقليمية التجارية، والذين لا يمكن الكشف عن هويتهم خوفاً من الانتقام منهم. وقد استخدم كل استطلاع رأي مقابلات شخصية مع عيّنة عشوائيّة جغرافيةعلى الصعيد الوطني شملت 1000 مواطن من البالغين.

وفي الأردن، حيث لقي تنظيم «الدولة الإسلامية» نسبة تأييد "مرتفعة" نسبياً بلغت 8 في المائة في أيلول/ سبتمبر 2014، انخفضت هذه النسبة في استطلاع أيلول/سبتمبر 2015 لتصل إلى 4 في المائة فقط. وبالتالي، فإن الأدلة في هذه المرحلة مقنعة تماماً وتُظهر أن تنظيم «الدولة الإسلامية» لا يتمتع سوى بقاعدة ضئيلة من الدعم في جزء كبير من العالم العربي. ويقيناً أنه يمكن لمجموعة، حتى ولو صغيرة، أن تلحق أضراراً جسيمة. لكن تنظيم «الدولة الإسلامية» ليس بالحركة الشعبية الكبيرة. فخلال العام الماضي، وكما تظهر هذه الاستطلاعات، كانت شعبية التنظيم المتدنية أصلاً بين الجماهير العربية الرئيسية تتقلص ولا ترتفع. من هنا، إن احتمال أن يستولي تنظيم «الدولة الإسلامية» أو تنظيمات أخرى مماثلة على أي دولة أخرى، في وجه معارضة شعبية وحكومية ساحقة، هو فكرة مثيرة للسخرية.

بالإضافة إلى ذلك، طُلب من كل جمهور في [أربعة بلدان هي مصر، والسعودية، والأردن، والكويت] أن يختار الأولوية الأولى والثانية في أولويات السياسة الخارجية في حكومته، من بين قائمة من ستة خيارات مختلفة. وكانت النتيجة اختيار "الصراع ضد تنظيم « داعش»" في المرتبة الأولى في الأولويات، إذ تصدر هذا الخيار، بهوامش متفاوتة، جميع الخيارات الخمسة الأخرى المتاحة، بما في ذلك: الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، والصراع في سوريا، والصراع بين إيران والدول العربية، والصراع بين الطوائف أو الحركات الإسلامية، والصراع في اليمن.

بعض التعاطف مع الأصولية

بالرغم من تماسك هذه الأرقام، إلا أنها لا تعني أن هذه الجماهير الرئيسية، التي غالبيتها من العرب السنّة، ترفض جميع المنظمات الأصولية. فجماعة «الإخوان المسلمين» على سبيل المثال لا تزال تتلقى تقييمات إيجابية تتراوح ما بين ربع إلى ثلث الجمهور في كل بلد من البلدان الأربعة التي شملها الاستطلاع في الآونة الأخيرة، حتى في الدول التي حظرتها. وتعزز هذه الآراء المثيرة للجدل المصداقية العامة لهذه النتائج، حتى بينما تؤكد على التأييد الضعيف للغاية الذي يحظى به تنظيم «الدولة الإسلامية» في صفوف الرأي العام العربي.

كما أن الرفض شبه العالمي للتنظيم لا يعني أن هذه الجماهير العربية تود أن تشهد "إصلاحاً" دينياً في الإسلام. ورداً على السؤال حول ما إذا كان "تفسير الإسلام بطريقة أكثر اعتدالاً أو تسامحاً أو حداثة" فكرة جيدة أم لا، أجاب فقط خُمس المستطلعين في مصر والمملكة العربية السعودية والأردن والكويت بصورة إيجابية. ومع ذلك فإن تنظيم «الدولة الإسلامية» متطرف جداً ورجعي لدرجة أنه يدرأ حتى الأغلبية المسلمة المحافظة في كل بلد شمله الاستطلاع.

بيانات قليلة متوافرة في مناطق أخرى

للأسف، إن هذا النوع من البيانات غير متاح بسهولة في منطقة المغرب العربي أو الساحل الأفريقي. ومن المهم إجراء بحوث في هذه القضايا في المغرب وليبيا وتونس والجزائر وبعض الدول المجاورة لها. كما أن البيانات من السكان المسلمين في أوروبا أو جنوب آسيا أو شرق آسيا متجزئة وعلى نحو حافل بالثغرات إلى حد كبير، وسيتيح توفرها بالطبع مقارنات مثيرة للاهتمام.

على سبيل المثال، أظهر استطلاع للرأي أجري مؤخراً في تركيا أن نسبة التأييد لـ تنظيم «الدولة الإسلامية» تبلغ 8 في المائة. وتقدّم بعض استطلاعات الرأي المبلغ عنها والتي أُجريت بين المسلمين الفرنسيين أو البريطانيين أرقاماً أعلى بكثير تقارب الـ 25 في المائة، إلا أن مصداقيتها موضع شك إلى حد بعيد، ولو لمجرد أنه يستحيل تقريباً الحصول على بيانات إحصاء وأطر معاينة دقيقة بالنسبة إلى السكان المسلمين في أوروبا الغربية. وقد كشف استطلاع للرأي أجراه "مركز بيو للأبحاث" في باكستان في ربيع عام 2015 أن الأغلبية هناك، وبالتحديد 62 في المائة منهم، لم يبدوا رأيهم، لا إيجابياً ولا سلبياً، بـ تنظيم «الدولة الإسلامية». وربما يعكس ذلك مزيجاً من الجهل الحقيقي، وتردداً واسع النطاق في ما يتعلق بالإجابة على الأسئلة الحساسة - كما هو الحال في معظم الأحيان في استطلاعات الرأي الباكستانية.

وبالانتقال إلى جنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا، تُظهر بيانات الاستطلاع الجدير بالثقة الذي أجراه "مركز بيو" العام الماضي أن نسبة التأييد لـ تنظيم «الدولة الإسلامية» أو فروع تنظيم «القاعدة» هي أكبر نوعاً ما، حيث تقارب الـ 20 في المائة، بين المسلمين في نيجيريا والسنغال وبوركينا فاسو. وفي نيجيريا على وجه التحديد، خلُص "مركز بيو" إلى أن ما لا يقل عن 20 في المائة من المسلمين أعربوا عن تعاطفهم مع جماعة "بوكو حرام". غير أن هذه البيانات تعود إلى ما يقرب من عام من الزمن وربما تراجعت هذه النسبة منذ ذلك الحين. أما إذا لم يكن الأمر كذلك، فسيكون هذا الوضع الشاذ مقلقاً للغاية.

وكما سبق أن أشرنا، يمكن استنتاج تحذير عملي هام من جميع هذه الإحصاءات، وهو أنه حتى النسب المئوية الضئيلة لمؤيدي تنظيم «الدولة الإسلامية» أو التنظيمات المتطرفة العنيفة الأخرى بين أولئك السكان، كافية للتسبب بضرر كبير. وبالطبع، يصح ذلك بشكل خاص في المناطق التي تكون فيها الحكومات ضعيفة أو متداعية. ونلمس نتائج ذلك من خلال عدة ظواهر سلبية، من بينها آلاف المقاتلين الأجانب الذين توافدوا من عدة بلدان إسلامية أو ثقافات فرعية مسلمة - سواء من أوروبا، أو الشرق الأوسط، أو جنوب آسيا، أو شمال أفريقيا على وجه الخصوص - إلى أراضي المعركة الواقعة جميعها في أماكن خارجة عن السيطرة، بهدف الانضمام إلى تنظيم «الدولة الإسلامية». ويبرز المغرب وتونس وليبيا كمصادر رئيسية للإرهابيين الجهاديين الأجانب في سوريا والعراق، وغيرهما.

المنهجية هي ذات أهمية

وأخيراً، لا بد من التنبه للمنهجية المتبعة. فهناك الكثير من استطلاعات الرأي المزعومة حول هذا الموضوع التي تفتقر للأسس العلمية وتكون بالتالي مضلِلة بشكل فاضح لعدة أسباب. فالبعض يستخدم عينات يختارها ذاتياً، عادةً عن طريق الإنترنت، ولذلك تكون غير تمثيلية بجوهرها. والبعض الآخر، على غرار بعض استطلاعات زغبي، يستخدم أسئلة "ملغومة" وتسلسلاً منحازاً في طرح الأسئلة وتبليغاً انتقائياً عن النتائج و"اتجاهات" خاطئة مع الوقت مرتكزة على أسئلة مختلفة الصياغة وتقنيات أخرى مشكوكاً بأمرها إلى حد كبير. وقد تكون استطلاعات أخرى بكل بساطة قديمة العهد أو تحصر تركيزها في مجتمع واحد أو مجتمعين لا يمثلان بالضرورة واقع الأمر، أو قد جرى تعريفها بصورة بالغة الغموض لدرجة أنها لا تعود بالفائدة على السياسات، على غرار بعض استطلاعات "قياس المؤشرات العربية"، التي تعرض قيماً عمومية بدلاً من أيديولوجيات أو تنظيمات محددة.

وعلى العكس من ذلك، تستخدم أفضل الاستطلاعات، كتلك المذكورة هنا، عيّنات عشوائية فعلية وأسئلة ذات صياغة وتسلسل محايديْن ومقارنات مباشرة متطابقة بين دول وأطر زمنية مختلفة. ويعتمد بعضها أيضاً أساليب ذكية، مثل إضافة بضعة أسئلة سياسية على استطلاع تجاري لأبحاث السوق حول المنتجات الاستهلاكية العادية، وذلك لتجنب التدخل أو الرقابة من قبل الحكومة ولإراحة المستجيبين بالقدر الكافي ليدلوا بأصدق الأجوبة التي تسمحها الظروف البشرية.

وتكاد نتائج هذه الاستطلاعات الموثوقة تتحدث عن نفسها. إن الأخبار الجيدة هي أن معظم المسلمين يرفضون الأيديولوجيات الجهادية المتطرفة الأكثر عنفاً. أما الأخبار الغير جيدة جداً فهي أن معظمهم يرفض أيضاً الجهود الرامية إلى إعادة تفسير الإسلام بطريقة معتدلة أو متسامحة أو معاصرة على نحو جديد. وفيما يُعتبر الرأي العام بعيداً كل البعد من أن يكون مؤشراً مضموناً، سواء بالنسبة إلى السياسات الحكومية أو السلوكيات الفردية، ينبغي لهذه النظرة أن توفر المعايير الأساسية لتقييم خطر الفكر الجهادي والفرص المتاحة للتصدي له على حد سواء.

 

ديفيد بولوك هو زميل "كوفمان" في معهد واشنطن ومدير منتدى فكرة.