أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المرصد السياسي 2772

اقتصاد إيران بعد الاتفاق النووي: سجل نتائج مضلل من قبل "صندوق النقد الدولي"

پاتريك كلاوسون

متاح أيضاً في English

10 آذار/مارس 2017


في 27 شباط/فبراير، أصدر "صندوق النقد الدولي" تقريره السنوي حول اقتصاد إيران. ويكتسي هذا التقرير أهمية ليس فقط لما يكشفه عن الوضع الاقتصادي للجمهورية الإسلامية، بل أيضاً لما يرد فيه حول كيفية استجابة الوكالات التقنية الدولية المحترمة لحكومة لا تتمتع بسيطرة فعالة على المؤسسات الثورية التي تعمل على تحقيق أهداف متناقضة مع سياسات هذه الوكالات.

ميزانيات إيران من نسج الخيال

أثنى تقرير "صندوق النقد الدولي" على طهران لاعتمادها "سياسة مالية حكيمة" نجحت في "إبقاء العجز في الميزانية منخفضاً رغم الظروف التي تزخر بالتحديات". وأضاف أنه "خلال السنوات الخمس الماضية، بقي العجز المالي الإجمالي للحكومة المركزية دون 2 في المائة من «الناتج المحلي الإجمالي» على الرغم من الانخفاض في عائدات النفط".

لكن إلقاء نظرة عن كثب على تفاصيل التقرير تُظهر أن لا شيء من هذا الثناء حقيقياً بأي معنى معقول. وفي الواقع، أقر معدّوه صراحةً بأن حكومة الرئيس حسن روحاني قد "اعترفت" بوجود دفعات متأخرة تعادل 25 في المائة من "الناتج المحلي الإجمالي"، وأشاروا من دون الخوض في التفاصيل إلى أنه قد يتبيّن أن إجمالي المتأخرات يبلغ 3.980 تريليون ريال (حوالي 130 مليار دولار أمريكي)، أي 36 في المائة من "الناتج المحلي الإجمالي". فحكومة لا تتجاوز قيمة عجزها السنوي عن "2 في المائة من «الناتج المحلي الإجمالي»" لا تراكم متأخرات بنسبة 25 في المائة - فهذا السيناريو محتمل فقط في حال اعتماد سياسة مالية غير حكيمة تؤدّي إلى عجز سنوي هائل.

وعلاوةً على ذلك، أعلنت إيران بنفسها أن النفقات الحكومية السنوية تشكّل 18 في المائة من "الناتج المحلي الإجمالي". وإذا ترتبت عليها بالفعل المتأخرات الضخمة التي تحدث عنها "صندوق النقد الدولي"، لكانت نفقاتها الفعلية لتشكّل على الأرجح نحو 25 في المائة من "الناتج المحلي الإجمالي". ولوضع الفارق بين ادعاءات طهران والنتائج التي توصل إليها "صندوق النقد الدولي" في منظورها الصحيح، فإن ذلك سيكون مشابهاً لإنفاق الحكومة الأمريكية مبلغ يفوق حوالي 1.2 تريليون دولار سنوياً عما كشفته علناً.

ويحمل ملحق التقرير في طياته الشرح لكيفية تراكم هذه المتأخرات، بقوله: "يمكن للوكالات الحكومية غير المركزية أن تلزم [توفير] الأموال الحكومية (على سبيل المثال، من خلال الضمانات العامة) ونقل تكاليف هذه التزامات إلى الحكومة المركزية التي تموّل بعدها هذه الالتزامات. فضلاً عن ذلك، لا يوجد نظام لتسجيل هذه الالتزامات أو مراقبة المتأخرات". وهنا تجدر ملاحظة صيغة الحاضر المستخدمة في هذه الجمل: لم يطرأ أي تغيير على الإجراءات التي أدّت إلى المتأخرات الهائلة. وتتمثل المشكلة الأساسية المشار إليها هنا في أن حكومة روحاني لا تملك أي سيطرة على المؤسسات التي تقدم تقاريرها مباشرة إلى المرشد الأعلى علي خامنئي - فيمكن لـ «الحرس الثوري الإسلامي» والمؤسسات الدينية وكيانات أخرى مماثلة تكبّد ديون كبيرة تتولى الحكومة لاحقاً مسؤولية تسديدها.

لكن في حين يقدّم تقرير «صندوق النقد الدولي» "تقييماً للموظفين" يسلّط الضوء على الخطوات المحددة التي يتوجّب على إيران القيام بها لمعالجة بعض مشاكلها الاقتصادية الأكثر إلحاحاً، إلا أنه لم يتضمن أي كلمة حول إقدام "وكالات حكومية غير مركزية" على إنفاق الأموال من دون إذن أو حتى أي سجلات. وعلى نحو مماثل، لم يأتِ على ذكر كيفية وقف جولة جديدة من المتأخرات تتجاوز نسبة 25 إلى 35 في المائة المتراكمة أساساً من "الناتج المحلي الإجمالي". بعبارة أخرى، إن الحكومة الإيرانية ليست على علم حتى بجزء كبير من نفقات البلاد وحتماً لا تتحكم فيها، كما أن الوكالة الدولية الرئيسية المسؤولة عن تقييم سياسة طهران المالية تحاول التغاضي عن هذه المشكلة الضخمة.

الفوضى في القطاع المصرفي

تُعتبر المخاوف السائدة في النظام المصرفي الإيراني مروعة بالقدر نفسه. فسلطة الحكومة محدودة في هذا المجال أيضاً، كما أن "صندوق النقد الدولي" بالكاد يذكر المسائل الموضوعية.

ويشكّل إفلاس المصارف والضوابط غير الكافية جزءاً من المشكلة. ففي عام 2016، طلبت "منظمة الأوراق المالية والبورصة في إيران" من مصارف وشركات أخرى مدرجة في "سوق طهران للأوراق المالية" استخدام "المعايير الدولية لإعداد التقارير المالية". وتُستخدم هذه المعايير في معظم الدول المتقدمة، كما أن "منظمة الأوراق المالية والبورصة في إيران" كانت تحث الشركات على اعتمادها منذ عدة سنوات (على الرغم من أن المؤسسات الأمريكية لا تستخدم "المعايير الدولية لإعداد التقارير المالية"، إلا أنها تخضع لمعايير حتى أكثر صرامة). وحين تمّ لاحقاً الكشف عن أن "بنك صادرات" سيتكبد خسائر فادحة إذا اعتمد "المعايير الدولية لإعداد التقارير المالية"، قامت "منظمة الأوراق المالية والبورصة في إيران" بتعليق جميع عمليات التداول بأسهم عدة مصارف. وعندما استؤنف التداول بأسهم "بنك ملت" في كانون الثاني/يناير، هبطت قيمتها على الفور بنسبة 38 في المائة، مما أدى الى هبوط مؤشر "سوق طهران للأوراق المالية" بأكمله. وقد شرح المحلل في شؤون السوق علي نیکو كفتار المشكلة في إصدار 28 كانون الثاني/يناير من "فايننشال تريبيون" ومقرها طهران بقوله: "يشكل هذا الأمر نقطة تحوُّل بالنسبة للمصارف. فلسنوات، كانت البنوك تدفع أسهم ربحية لا تحظى بدعم مالي فعلي، لأنها تستخدم القروض والديون غير المسددة كمصدر ربح". وفي الواقع، يقدّر بعض المحللين الإيرانيين أن 30 في المائة أو أكثر من قروض المصارف متعثرة - وإن صحّ ذلك، ستتطلب إعادة هيكلة رؤوس أموال البنوك المملوكة للدولة ما بين 15 إلى 20 في المائة من "الناتج المحلي الإجمالي"، وهي تكلفة يجب أن تتحملها الحكومة.

 وتضمن ملحق تقرير "صندوق النقد الدولي" أيضاً فقرة عن "عوائق عمليات المراسلات المصرفية مع إيران"، بالإضافةً إلى فقرة فرعية حول "الخيارات السياسية المحتملة التي يمكن أن تسهل إعادة التواصل مع المصارف العالمية غير الأمريكية". مع ذلك، لا تتضمن هذه الفقرات كلمة واحدة عن عجز البنوك الإيرانية عن تلبية متطلبات اتفاقيات " بازل 3" المعتمدة من قبل هيئات تنظيمية في معظم الدول الصناعية، مما يثقل كاهل المصارف التي تتعامل مع مؤسسات لا ترتقي إلى مستوى معاييرها. وبموجب "الركيزة 2" من تلك الاتفاقيات، على المصارف تطبيق معايير محاسبة مناسبة (على سبيل المثال، "المعايير الدولية لإعداد التقارير المالية")، وتنفيذ ممارسات سليمة لإدارة المخاطر، وتقييم القروض بدقة. غير أن أياً من المصارف الإيرانية لا تستوفي تلك المعايير، أو متطلبات "بازل 3" بشأن تغطية رأس المال والسيولة.  

ويشكّل حثّ المصارف الإيرانية على الإفصاح عن نتائجها المالية بدقة جزءاً فقط من التحدي. وتتمثّل المشكلة التي تكتسي أهمية موازية على الأقل في واقع أن المؤسسات المالية من غير المصارف التي تخضع لسيطرة المؤسسات الثورية والدينية، بما فيها معظم كيانات «الحرس الثوري»، ترفض الخضوع لسلطة «البنك المركزي الإيراني». وبالكاد تطرّق أحدث تقرير صادر عن "صندوق النقد الدولي"، بخلاف التقارير السابقة، إلى هذه المشكلة. على سبيل المثال، يشير إلى أن مشروع قانون الصيرفة الجديد في إيران يمنح «البنك المركزي الإيراني» "صلاحية الإشراف على كافة المؤسسات التي تحصل على ودائع". غير أن هذه العبارة تغفل عن العائق الرئيسي أمام استخدام مثل هذه الصلاحية: لا يملك «البنك المركزي الإيراني» سوى القليل من المعلومات حول حجم مثل هذه المؤسسات المنتشرة على نطاق واسع في إيران.      

ولا يمثّل هذا الأمر مبعث قلق على الصعيد التنظيمي فحسب - بل يؤثّر أيضاً على السياسة النقدية. فوفقاً لأي تعريف منطقي، يشمل عرض النقد الإيراني ودائع في مؤسسات مالية غير مصرفية. وبما أن «البنك المركزي الإيراني» لا يملك أدنى فكرة عن حجم ودائع هذه المؤسسات، فلا يوجد لديه أي فكرة موثوقة عن حجم العرض النقدي في البلاد أو ما هي أسعار الفائدة التي اعتمدتها هذه المؤسسات. وفي الواقع، يتم رسم معالم السياسة النقدية في إيران من قبل هذه الكيانات الثورية غير الخاضعة للمساءلة، وليس من قبل «البنك المركزي الإيراني» وحده. ومرة أخرى، تغاضت الجهة المسؤولة عن تقييم أداء طهران على مثل هذه الأمور عن هذه المشكلة.

توقع أفضل من الوكالات الدولية

إن عجز تقرير "صندوق النقد الدولي" عن تسليط الضوء على التناقضات والمخالفات الصارخة في حسابات إيران الاقتصادية لأمر محبط. فـ "صندوق النقد الدولي" مكلّف إسداء النصائح التقنية حول المسائل المالية إلى كافة دول العالم، وبالتالي من المؤكد أن يُتوقّع منه قول شيء حول ضرورة تحكّم إيران بنفقاتها وتجنّب متأخرات تساوي 25 في المائة من "الناتج المحلي الإجمالي" للبلاد ومنع هذه المتأخرات الهائلة من استنزاف قطاعها الخاص. كما قد يأمل المرء أن تسدي هذه الوكالة نصيحة حول كيفية تمكّن الحكومة من إعادة هيكلة رأس مال نظامها المصرفي، وعلى الأقل رصد المؤسسات المالية من غير المصارف إن لم يكن رقابتها، تلك التي تتجاهل حالياً «البنك المركزي الإيراني».   

وعلى صعيد الأمن العالمي، فإن التقارير المرتبطة بإيران الصادرة عن "الوكالة الدولية للطاقة الذرية" التي هي مؤسسة أخرى للرقابة الفنية، تكتسي حتى أهمية أكبر نظراً إلى المخاطر الوجودية التي يشكلها الانتشار النووي. غير أنه لغاية الآن لم يكن أداء "الوكالة" في مساءلة طهران أفضل مما قام به "صندوق النقد الدولي". بل على العكس تماماً: يوفّر تقرير "الصندوق" على الأقل ما يكفي من المعلومات الأولية للقراء من أجل اكتشاف أن أحكامه المتفائلة بشأن بعض المسائل لا أساس لها، في حين أن "الوكالة الدولية للطاقة الذرية" أخفت الكثير من البيانات الضرورية لتكوين حتى رأي مستقل حول ما إذا كانت إيران توفي بالتزاماتها النووية. وما يثير القلق بشكل خاص هو أن بعض المؤسسات الثورية نفسها التي تتجاهل الحكومة المركزية في المجال الاقتصادي كانت أيضاً من الجهات الفاعلة الرئيسية في البرنامج النووي. وتبقى الآمال معلّقة على بذل "الوكالة الدولية للطاقة الذرية" جهوداً أكبر من "صندوق النقد الدولي" في الكشف عن أنشطة هذه المؤسسات والإبلاغ عنها في المرحلة القادمة.   

تخويف البنوك والمستثمرين

يجب أن تمثّل إيران وجهة جذابة للشركات الأجنبية التي تتطلع إلى التجارة والاستثمار. فالاقتصاد ينمو، و"الناتج المحلي الإجمالي"غير النفطي سيزداد بنسبة 0.8 في المائة خلال السنة الإيرانية المنتهية في 21 آذار/مارس وقد يتجاوز 3 في المائة في العام المقبل. ويشهد حساب إيران الجاري فائضاً كل عام منذ أكثر من عقد، كما لدى البلاد احتياطي وفير من النقد الأجنبي. وحتى في ظل بلوغ المتأخرات 35 في المائة من "الناتج المحلي الإجمالي" ومتطلبات هيكلة رؤوس أموال المصارف 20 في المائة، سيكون دين إيران العام أصغر نسبةً إلى "الناتج المحلي الإجمالي" من دين الولايات المتحدة ومعظم الدول الأخرى.

مع ذلك، فإن عدم دفع الفواتير الحكومية وعدم توفير تقارير مالية دقيقة كفيلان بتخويف المستثمرين والشركاء التجاريين [وإبعادهم عن السوق الإيراني]. فعندما يتبيّن أن مثل هذه المستندات التجارية الأساسية كالتقارير المالية المصرفية الخاضعة للتدقيق والبيانات المالية الحكومية مخالفة للواقع إلى حد كبير، فليس من المستغرب أن تفقد الشركات الأجنبية الثقة بتأكيدات إيران حول قضايا أكثر سريةً وحساسية (مثلاً، ما هو الدور الذي قد يلعبه «الحرس الثوري» في السيطرة على شركة معينة). وحين تُزَج السياسة المالية والمصرفية إلى الاضطرابات من قبل المؤسسات الثورية التي لا تولي اهتماماً لوكالات نافذة مثل «البنك المركزي الإيراني» ووزارة الشؤون الاقتصادية والمالية، لا بدّ أن تشعر الشركات الأجنبية بالقلق بشأن إمكانية تدخل الجهات الفاعلة في أعمالها. وباختصار، إذا أراد المسؤولون الإيرانيون معرفة سبب تردّد المستثمرين والمصارف الأجنبية في مزاولة أعمال تجارية في بلادهم، عليهم النظر في المرآة.     

 

پاتريك كلاوسون هو زميل أقدم في زمالة "مورنينغستار" ومدير الأبحاث في معهد واشنطن. وقد عمل سابقاً كخبير اقتصادي أقدم في "صندوق النقد الدولي" و"البنك الدولي"، من بين وظائف أخرى.