أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المرصد السياسي 2897

إيران قد تضاعف رهانها على الميليشيات الأجنبية بعد 'انتصارها' على تنظيم «الدولة الإسلامية»

فرزين نديمي

متاح أيضاً في English

6 كانون الأول/ديسمبر 2017


في 21 تشرين الثاني/نوفمبر، بعث قائد «فيلق القدس» التابع لـ «الحرس الثوري الإسلامي» الإيراني اللواء قاسم سليماني رسالةً إلى المرشد الأعلى علي خامنئي يعلن فيها النصر على "خلافة" تنظيم «الدولة الإسلامية» في سوريا والعراق. وفي ردّه دعا خامنئي كافة قوات "المجاهدين" إلى الحفاظ على استعدادها لمواجهة التحديات المستقبلية في المنطقة. وفي السياق نفسه، كانت التصريحات الأخيرة لقائد «الحرس الثوري الإسلامي» اللواء محمد علي جعفري وغيره من القادة قد سلطت الضوء على قوات «باسيج العالم الإسلامي» ("بسيج جهان اسلام") باعتبارها نموذجاً ناشئاً عن التعبئة الشيعية الدولية تحت قيادة سليماني، بينما أعرب رئيس هيئة أركان القوات المسلحة الإيرانية اللواء محمد باقري عن قناعته بأن هذا النموذج، إذا اقترن بالقدرات العسكرية الإيرانية الموسعة، قادرٌ على توحيد صفوف الدول الحليفة لتفادي معاودة ظهور تنظيم «الدولة الإسلامية» لاسيما في أفغانستان وبعض مناطق باكستان، التي يتوقع القادة الإيرانيون أنها تشكل نقاط قد تنطلق منها نشاطات التنظيم في المستقبل. وإلى جانب مواصلة الدفع ضد تنظيم «الدولة الإسلامية»، سوف يُطلب من "جبهة المقاومة" المتوسعة هذه أن تثابر في عملها "إلى حين القضاء على إسرائيل وإخراج آخر جندي أمريكي من المنطقة"، وفقاً لما جاء في تصريح أدلى به نائب رئيس هيئة أركان القوات المسلحة الإيرانية الجنرال مسعود جزايري في 24 تشرين الثاني/نوفمبر.

كتيبة "فاتحين" في طليعة الجهود

صدرت آراءٌ مماثلة عن قائد كتيبة "فاتحين" العميد سيد محمود هاشمي. وكتيبة "فاتحين" هي القوة الإيرانية الرئيسية المقاتلة في سوريا (وتختلف عن العديد من وحدات الميليشيا التي تدعمها إيران التي تتألف من مقاتلين أجانب من أفغانستان وباكستان ولبنان والعراق وبلدان أخرى). وتتألف "فاتحين" من عناصر إيرانية، كما أن هذه الكتيبة ليست معروفة جداً وهي وحدة خاصة شبه تطوعية من «الباسيج» تابعة لفيلق «محمد رسول الله» في «الحرس الثوري الإسلامي». وبالرغم من ارتباطها الوثيق بمهمة الاستشارة والمساعدة التي ينفذها «فيلق القدس» في سوريا، تتمثل المهمة الرئيسية الموكلة إليها بقتال المشاة. ويشار إلى أنها أنشئت في الأساس في طهران بعد الانتفاضة التي أعقبت الانتخابات في عام 2009، وأسند إليها مراقبة المواطنين في البلاد، إلا أن نطاق مهامها آخذ في التوسع منذ ذلك الحين.

وتخضع عناصر "فاتحين" لتدريب أكثر صرامةً من ميليشيات «الباسيج» العادية. كما أن مستشاريها يدربون المقاتلين الأجانب المجنّدين لصالح «باسيج العالم الإسلامي» ويعملون على ما يبدو على مساعدة المتمردين الحوثيين في اليمن. وكما أوضح اللواء جعفري في 26 تشرين الثاني/نوفمبر، يشكل "«الباسيج» نموذج للمقاومة من قبل شعوب المنطقة على غرار «حزب الله» في لبنان... وجيش «الحشد الشعبي» الكبير في العراق، وكذلك في اليمن وبلدان أخرى... وقد نُقلت خبرتهم بالفعل إلى [اليمنيين]".

تطبيق النموذج العراقي على أفغانستان؟

بما أن تركيز القادة الإيرانيين قد يكون منصباً اليوم على أفغانستان وباكستان باعتبارهما المرتع المقبل للجهاديين السنّة، فقد يقررون تعميم نموذج "فاتحين" من خلال السعي لإعطاء الكتائب الأفغانية والباكستانية الوكيلة لإيران (أي "لواء الفاطميون" الأفغاني و"لواء الزينبيون" الباكستاني) دوراً كـ"جبهة داخلية". فهذه الكتائب ستبدأ يوماً ما بالانسحاب من سوريا والعودة إلى بلدانها الأصلية. وفي حالة "لواء الفاطميون"، من الممكن أن تحث طهران أفغانستان على منحه صفة رسمية شبيهة بصفة «قوات الحشد الشعبي» في العراق، و/أو تعرض المساعدة على تشكيل منظمة شبه عسكرية جديدة تتلقى التدريب من إيران. وإذا حدث أن تجسدت هذه الروابط الإيرانية على أرض الواقع، فستصبح بالتأكيد محط خلاف بين كابول والتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة.

وإذا اختارت إيران هذا المسار، ربما تسعى إلى تجنب تكرار تجربة التسعينيات، عندما فشلت في إحكام سيطرتها على الأحزاب الشيعية الأفغانية ومنافسيها «الحرس الثوري» وميليشيات "نصر". فقد تقرر هذه المرة أن تنشئ حزباً ميليشياوياً شيعياً موحّداً على غرار «حزب الله»، على أن يكون مدعّماً بجنود أفغان قدامى ومتمرسين استقوا خبرتهم في القتال من الحرب السورية.

وفي بلدان أخرى، غالباً ما تعمل هذه الميليشيات المسلحة بموازاة الهيئات العسكرية والأمنية أو حتى تحل محلها، وتأخذ تدريجياً بتوسيع نفوذها السياسي وشرعيتها، مستفيدةً بشكل جزئي من الدعم الخارجي. وتنجح هذه بشكل خاص في البلدان التي تفتقر فيها القوات الوطنية إلى القدرة أو الإرادة للقتال بفعالية، مما يتيح لها زيادة شعبيتها من خلال تحقيق الانتصارات في ساحة المعركة ضد الجهات المعادية من غير الدول. وفي هذا الإطار، لدى أفغانستان تاريخٌ حافل بالميليشيات الخاصة مثل ميليشيا عبد الرشيد دوستم، لكن أيّا منها لم يضاهِ «حزب الله» تنظيماً أو يحظَ بدعم مادي وتدريبي وإيديولوجي قوي من طهران. من هنا، إذا قررت إيران تقديم مثل هذا الدعم بعد الحرب السورية، سيكون بوسع وكلائها الذين يتمتعون بحسن التدريب والتجهيز أن يكتسبوا نفوذاً كبيراً في أفغانستان على المدى الطويل بعد انسحاب قوات "الناتو".

أما على المستوى الاجتماعي، فتشعر أكثرية سكان الهزارة الشيعة في أفغانستان بأنها مستضعفة من قبل الحكومة المركزية، وهي تملك روابط عائلية وإيديولوجية وثيقة مع إيران. يُذكر ان البلاد تضم ستة أحزاب سياسية شيعية يمكن لكل منها أن ينشئ أجنحة شبه عسكرية بتشجيع من إيران. أضف إلى ذلك أنه للأحزاب على غرار "حزب الوحدة الإسلامي" ("حزب وحدت اسلامی") تاريخ حافل بالنفوذ الإيراني، ولذلك فإن المجال متاح أمام طهران للترويج لإسلام سياسي شيعي شامل في صفوف تلك الأحزاب.

تدعيم دورها في سوريا

أشارت التعليقات الأخيرة التي أدلى بها اللواء جعفري إلى أن إيران تمارس ضغوطاً على النظام السوري لمنح صفة رسمية لـ"قوات الدفاع الوطني"، وهي الميليشيا الرئيسية التي أنشأها «الحرس الثوري الإسلامي» في البلاد. ففي 23 تشرين الثاني/نوفمبر صرّح جعفري "أن قرار إضفاء الطابع الرسمي على «قوات الدفاع الوطني» أم لا، يعود إلى الحكومة السورية، إذ لا يسعنا إرغامها على ذلك. وفي العراق، مُنحت «قوات الحشد الشعبي» صفةً رسميةً وهي ممتنة لذلك... والآن يتعين على الحكومة والبرلمان السوريين إصدار قانون بشأن النسخة السورية من «الحشد الشعبي» وإضفاء الصبغة الرسمية عليها."

وإذا تم إضفاء الصبغة الرسمية على "قوات الدفاع الوطني" وأصبحت المستفيد الرئيسي من المساعدات العسكرية الإيرانية إلى سوريا في مرحلة ما بعد الحرب، سيكون لطهران نفوذ كبير على كيفية استخدام دمشق لبعضٍ من قواتها المسلحة الأكثر قدرة. على سبيل المثال، يمكن لإيران أن تطالب سوريا بنشر وحدات "قوات الدفاع الوطني" بالقرب من مرتفعات الجولان من أجل تهديد إسرائيل. ومن الممكن أن يتعاظم هذا التهديد إذا ما تعاون هؤلاء مع «حزب الله» الذي أعرب عن استعداده للانسحاب من العراق وسوريا - ليستئنف بعد ذلك على الأرجح مواجهته مع إسرائيل.

التوسع المحتمل في اليمن

من المفترض أيضاً أن تدرس إيران كيفية زيادة مساعداتها إلى الحوثيين في اليمن، وخصوصاً في ضوء توطيد سلطتهم مؤخراً وزيادة التوترات مع عدوهم المشترك، أي المملكة العربية السعودية (على سبيل المثال، في مقابلة جرت في 23 تشرين الثاني/نوفمبر مع صحيفة "نيويورك تايمز"، لقب ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، المرشد الأعلى الإيراني خامنئي بـ "هتلر الجديد"). ولكن بخلاف الوضع في سوريا والعراق، تفتقر طهران إلى الطريق اللوجستي الموثوق اللازم لإرسال العناصر والإمدادات إلى اليمن. ونتيجة لذلك، هناك القليل من الأدلة التي تشير إلى أنها تمكّنت من نشر نموذج «باسيج العالم الإسلامي» على نطاق واسع هناك.

ولا شك في أن السلطات السعودية تشكو من تسلل عناصر تابعة لـ «حزب الله» وإيران إلى اليمن وتزويدها القوات الحوثية بالمهارات اللازمة لاستخدام الصواريخ، وهذه مزاعم قد تدعمها نشاطات إطلاق الصواريخ الأخيرة. ومهما يكن الأمر، امتنعت إيران حتى الآن عن تأكيد أي من التقارير عن وقوع إصابات إيرانية في اليمن. ولذلك، فإن درجة مشاركة إيران المباشرة على الأرض غير واضحة.

الخاتمة

يشير العدد الكبير من التصريحات الصادرة مؤخراً عن «الحرس الثوري الإسلامي» الإيراني إلى قيام جيش شيعي في المنطقة يوحي بمقدار هائل من الثقة الجيوسياسية. وفي حين أنه لا يزال من غير المعروف كيف ستُترجم هذه التصريحات إلى أفعال واقعية أو متى سيحدث ذلك، يجب أن تكون الولايات المتحدة مستعدة لكبح أي توسع للميليشيات الإيرانية في المنطقة. وهذا يعني في الوقت الراهن وضع «باسيج العالم الإسلامي» تحت الرقابة والتعامل مع الحلفاء في المنطقة حسب الضرورة للحد من أنشطة هذه القوات، بما في ذلك أنشطة التجنيد. فصحيح أن قوات «باسيج العالم الإسلامي» تعمل بإمرة إيرانية، ولكن تركيبتها أصبحت تضم جنسيات متعددة وبوتيرة متصاعدة. ولذلك، بوسع أي منظمة تابعة لها أن تدعم مصالح طهران المعادية لأمريكا في كل من أفغانستان وسوريا واليمن وغيرها من الدول ذات الأهمية الاستراتيجية، حتى من دون وجود كبير لإيران على الأرض.

 

فرزين نديمي هو محلل متخصص في الشؤون الأمنية والدفاعية المتعلقة بإيران ومنطقة الخليج ومقره في واشنطن.