أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المرصد السياسي 2811

تنامي خطر اندلاع مواجهة دولية في البادية السورية

فابريس بالونش

متاح أيضاً في English

26 أيار/مايو 2017


ملاحظة: اضغط على الخريطة للحصول على نسخة عالية الدقة.

تشكّل الغارة الجوية الأمريكية التي شنتها الولايات المتحدة على معبر التنف الحدودي جنوبي سوريا في 18 أيار/مايو [مستهدفةً قوات موالية للنظام] نقطة تحوّل في الحرب الدائرة في تلك البلاد. ويهدد الآن الوضع على الحدود بين العراق والأردن وسوريا قيام مواجهة مباشرة بين القوات الأمريكية والسورية، وربما الجهات الفاعلة الأخرى أيضاً.

ومنذ آذار/مارس 2016، تمركزت "القوات الخاصة الأمريكية" والمتمردون المدعومون من قبل الولايات المتحدة في "قاعدة التنف". وفي أعقاب الضربة التي نُفذت في الأسبوع الثالث من أيار/ مايو الحالي، سارع وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس إلى التشديد على أن الولايات المتحدة لا تسعى إلى زيادة دورها في الحرب، على الرغم من أنها ستدافع عن قواتها إذا ما تعرضت للتهديد. ومن ناحية أخرى، يرى بشار الأسد وحلفاؤه أن واشنطن تريد زيادة تواجدها بشكل دائم في شرق سوريا بهدف دعم حلفائها المحليين وتقويتهم، والضغط على دمشق، ومنع النظام من العودة إلى وادي الفرات. ويعكس هذا القلق المنافسة الإقليمية الأوسع نطاقاً التي تحوّلت إليها الحرب مع قيام النظام وحلفائه بالتسابق من أجل إنشاء "محور شيعي" من الشرق إلى الغرب يمتد من إيران إلى لبنان، ويبدو أن الولايات المتحدة تتطلع إلى توطيد "محور سني" من الشمال والجنوب، يمتد من دول الخليج والأردن إلى تركيا. وسيضطلع الوضع في المنطقة الصحراوية الوسطى والجنوبية في سوريا (البادية) بدور مهم في رسم معالم هذه الديناميات.

أولوية النظام المنخفضة حتى الآن

منذ عام 2011، تمّ التقليل تدريجياً من سيطرة الجيش السوري على البادية، بحيث أصبحت لا تتخطى عدد قليل من طرق الاتصال الرئيسية والموارد الهيدروكربونية. ويُعتبر حقل غاز الشاعر ذا قيمة خاصة على صعيد توليد الكهرباء، ولذلك وضعه النظام في عهدة ميليشيا "صقور الصحراء" التي أسسها رجل الأعمال العلوي المقرب من الأسد أيمن جابر. وتضم هذه المجموعة 7,000  رجل، معظمهم من العلويين الذين تم تجنيدهم من الساحل.

وبالإضافة إلى حقل الشاعر، طُرِدت قوات النظام من معظم أراضي البادية بعد أن عانت من هزيمة كبيرة في تدمر في أيار/مايو 2015. وسرعان ما بنت خطاً دفاعياً من جهة الشمال والجنوب يمتد من حلب إلى جبل الدروز يبلغ طوله 800 كلم لمنع هجمات تنظيم «الدولة الإسلامية» ضد حمص، أو حماة، أو دمشق. وعلى الرغم من أن السيطرة على تدمر نفسها قد تحوّلت من جانب إلى آخر أكثر من مرة منذ ذلك الحين، إلّا أن جزءً كبيراً من منطقة الصحراء لا يزال خارج نفوذ الأسد.

أما تنظيم «الدولة الإسلامية»، فيتمتع بميّزة كبيرة في الأجزاء من البادية التي لا تزال تحت سيطرته. فمقاتلوه منظمون ضمن مجموعات صغيرة ومتنقلة أثبتت فعاليتها في اقتحام المواقع العسكرية المعزولة.  من الناحية النظرية، بإمكان الجيش السوري استخدام التقنية ذاتها لمواجهتهم. فعلى مر السنوات، أظهرت عموماً القبائل العربية في البادية، وخاصة في الجنوب، عداء تجاه النظام، مما حدّ من التحاق أبنائها في صفوف الجيش وأرغم الأسد على دعوة علويي الساحل بدلاً منهم. لكن الفظائع التي ارتكبها تنظيم «داعش» جعلت القبائل المستاءة تعود تدريجياً إلى أحضان النظام، بما فيها قبيلة الشعيطات من دير الزور التي لقي الآلاف من أفرادها حتفهم على أيدي قوات تنظيم «الدولة الإسلامية» في آب/أغسطس 2014.

ومع ذلك، لم تحتل استعادة البادية سلّم أولويات النظام قبل الأشهر القليلة الماضية. وحتى عام 2015، كانت مهمة الجيش تتركز بشكل أساسي على حماية المدن الكبرى ومحور دمشق- حمص- حلب الذي شكل قوام نظام الاتصالات. لكن التدخل الروسي في أيلول/سبتمبر من ذلك العام أنقذ مركز النظام وعززه، [مما أدّى] إلى توجيه قوات الأسد اهتمامها بشكل متزايد إلى المناطق المحيطة [الضواحي]. وكانت استعادة السيطرة والتمسك بتدمر الخطوة الأولى في استراتيجية لإعادة دخول البادية، لأن المدينة هي القاعدة الرئيسية لأي عمليات يقوم بها النظام في وسط سوريا.

اقتحام المتمردين للبادية

في آذار/مارس، 2016، عبر مئات من المقاتلين المتمردين الحدود من الأردن بدعم من التحالف الدولي واستولوا على التنف. وأعقب ذلك استعادة السيطرة على معبر الوليد العراقي في آب/أغسطس 2016 (وهو المعبر الذي كان تنظيم «الدولة الإسلامية» قد اجتاحه في العام السابق)، وإعادة فتح الطريق من بغداد إلى عمّان. ومن التنف، حاول المتمردون الارتباط مع ألوية أحمد العبدو (2500 مقاتل) في الغوطة الشرقية في ريف دمشق. هذا وتخضع مدينتا الضمير وجيرود لسيطرة المتمردين، لكن حلقة شاسعة من قوات النظام تفصلها عن الغوطة الشرقية؛ ويواصل الجانبان الحفاظ على وقف إطلاق النار في الوقت الحالي. وفي غضون ذلك، لا يزال المتمردون المحاصرون في الغوطة الشرقية يتمتعون بإمكانية الوصول إلى العالم الخارجي عبر الأنفاق. على سبيل المثال، استخدم زعيم المتمردين المحليين زهران علوش إحدى هذه الممرات لحضور اجتماع المعارضة السورية في المملكة العربية السعودية في كانون الأول/ديسمبر الماضي.

لقد سعى المتمردون في التنف أيضاً إلى الحصول على موطئ قدم في وادي الفرات إلى الشرق، لأن معظمهم ينحدرون من تلك المنطقة. ويشكل الهاربون من الجيش السوري النواة الداخلية لـ "جيش أسود الشرقية" الذي يضم المتمردين الرئيسيين في جماعة التنف. وقد انضم إليهم مقاتلون طُرِدوا من وادي الفرات خلال هجمات تنظيم «الدولة الإسلامية» في عام 2014. وفي 29 حزيران/يونيو 2016، أُطلِقت عملية إنزال جوي أمريكية جريئة من التنف بهدف الاستيلاء على أبو كمال وإثارة انتفاضة قبلية ضد تنظيم «داعش» في الوادي، لكنها فشلت و[تمكن] الناجون من التراجع. ومنذ ذلك الحين، اقتصر دورهم إلى حد كبير على السيطرة على الحدود بين التنف وجبل الدروز لمنع تسلل تنظيم «الدولة الإسلامية» إلى الأردن. وحيث بدأ تنظيم «داعش» يُضفي طابعاً من الضعف، فقد انتهزوا الفرصة من خلال زيادة سيطرتهم على البادية.

تنافس على أراضي تنظيم «الدولة الإسلامية»

أصبح متمردو التنف يشكلون تهديداً على دمشق، حيث تقدموا نحو عشرات الكيلومترات من مناطق المتمردين التي استغرق النظام عدة سنوات لتطويقها. كما أنهم مستعدون لعرقلة عودة النظام إلى وادي الفرات. وتتقدم مجموعة "جيش أسود الشرقية" بسرعة نحو الشمال والشرق، وقد تسيطر قريباً على السخنة، وهي واحة مهمة قرب تدمر، وكذلك بكتال، وهي مفترق طرق أنابيب النفط بالقرب من أبو كمال. ويتمثل الهدف الرسمي لهذه الهجمات بالاستحواذ على مناطق تنظيم «الدولة الإسلامية» ودعم قبائل الفرات للوقوف في وجه التنظيم. وإذا نجح المتمردون في مسعاهم هذا، سيوقفون عملياً هجوم الجيش السوري المتواصل نحو دير الزور.    

ويشعر النظام بالقلق إزاء توسّع المتمردين هذا نحو الجنوب. وقد أسفر الانتصار في حلب، والاستسلامات حول دمشق، ووقف إطلاق النار إلى الغرب الذي تم التوسط فيه في أستانا، عن تحرير الآلاف من جنود النظام وجعلهم متفرغين للعمل على استعادة السيطرة على الجهة الشرقية من البلاد. ومنذ ربيع هذا العام، يشارك "صقور الصحراء"، الذين تمّ دمجهم في "اللواء الخامس"، في هجوم كبير في البادية. وقد انضم إليهم "لواء القدس" (ميليشيا فلسطينية من حلب)، ومختلف الميليشيات الشيعية العراقية و «حزب الله».

وبعد أن أدّت الضربة الجوية الأمريكية الأخيرة إلى إبعاد القوات الموالية للنظام من التنف، أعاد الجيش تركيزه على مهاجمة المتمردين من ثلاث قواعد مختلفة: دمشق، تدمر، وجبل الدروز. وفي الحالة الأخيرة، تتقدّم وحدات الجيش بسرعة على طول الحدود الأردنية لتطويق أحد جيوب المتمردين، في محاولة لعزلهم على مقربة من جبل سيس. وطوال هذا الهجوم، استعاد النظام بشكل منهجي شبكة القلاع الواقعة على الطريق الحدودي الإستراتيجي. ومن شأن رحيل تنظيم «الدولة الإسلامية» أن يقلّل خطورة إقدام الأسد على إعادة نشر بعض الحاميات الصغيرة في أماكنها هناك، نظراً لأن المتمردين لا يتمتعون بنفس القدرة الهجومية لـ تنظيم «الدولة الإسلامية». بإمكان إيران أن توفر بضعة آلاف من مقاتلي الهزارة الأفغانيين الشيعة لهذه المهمة. ونظراً لضعف حوافزهم في المشاركة في قتال عنيف، فهم مؤهلين لتحصين القلاع.      

ومن ناحية أخرى، حاصر الجيش منطقة القلمون الشرقية الواقعة بين تدمر ودمشق من أجل إرغام تنظيم «الدولة الإسلامية» والمتمردين على الفرار.  وكان البصيري، مفترق لطريقين رئيسيين - تدمر إلى دمشق والقريتين إلى التنف - الهدف الرئيسي لهذه الحملة، وقد سقط في يد النظام في 25 أيار/مايو. وبوجه عام، تعكس جهود الجيش لإعادة احتلال مفترق الطرق ونقاط المياه الأساسية (على سبيل المثال، الخزان في بئر الزلف) والحدود الأردنية رغبةً في ترسيخ وجوده في البادية وتحييد القدرة الهجومية للمتمردين في التنف.

خطر قيام مواجهة أمريكية - روسية مباشرة

أصبحت الحدود الجنوبية لسوريا بؤرة توتر كبيرة - من التنف إلى سنجار في العراق، حيث أصبح عدة شركاء في الحرب يتنافسون عليها بالنيابة عن رعاتهم الإقليميين. ويتمّ الإعداد لساحة معركة ما بعد تنظيم «الدولة الإسلامية» وأصبح الجزء الشرقي "غير المفيد" سابقاً لسوريا يستحوذ على أهمية إستراتيجية أكبر بكثير في المنافسة بين "المحور الشيعي" الشرقي-الغربي و"المحور السنّي" الشمالي-الجنوبي. ولا بدّ من النظر إلى الهجوم الأخير الذي شنه النظام بين تدمر والحدود الأردنية من هذا المنطلق.

وخلال الفترة اللاحقة، يُعدّ اتفاق دولي حول كيفية الاستحواذ على مناطق سيطرة تنظيم «الدولة الإسلامية» المسألة الأكثر إلحاحاً يوماً بعد يوم. فبدون قيام مثل هذه التفاهمات، تواجه الأطراف خطر المواجهة المباشرة بين القوات الروسية والأمريكية. على سبيل المثال، كيف سترد واشنطن إذا ما قصفت الطائرات الروسية المتمردين المدعومين من قبل الولايات المتحدة؟ وكيف سيكون ردّ فعل موسكو ودمشق إذا تعرّض الجيش السوري أو الميليشيات الحليفة له لضربة جديدة في البادية؟ وفي الوقت الذي يزداد فيه الوجود العسكري البري الروسي في سوريا وفقاً لبعض التقارير، وتتسارع الفصائل المتعددة للاستيلاء على الأراضي السابقة لـ تنظيم «الدولة الإسلامية» في الصحراء، فإن هناك احتمالاً كبيراً بوقوع أخطاء، وقد تكون التداعيات الدبلوماسية والعسكرية الناتجة خطيرة.

 

فابريس بالونش، هو أستاذ مشارك ومدير الأبحاث في "جامعة ليون 2"، وزميل زائر في معهد واشنطن.