أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المرصد السياسي 2393

مساندة التدخّل العسكري العربي في اليمن

مايكل نايتس

متاح أيضاً في English

27 آذار/مارس 2015


في 26 آذار/مارس، أعلنت السعودية عن بدء "عملية عاصفة الحزم" - العملية العسكرية العربية التي تهدف إلى إيقاف تقدّم ميليشيا الحوثيين اليمنية «أنصار الله». وكانت الرياض تستعدّ لعملية من هذا النوع منذ حربها القصيرة بل الدموية ضدّ الحوثيين منذ خمس سنوات. ولكنّ التعبئة العسكرية لتسع دول أخرى ذات أغلبية مسلمة يشير إلى الهدف الإستراتيجي الأوسع للحملة، مما ينشئ نقطة حشد للعرب لمواجهة النشاط العسكري الإيراني المتزايد في المنطقة. وقد تعهدت الإمارات العربية المتحدة ومصر وباكستان والأردن والبحرين والكويت وقطر والمغرب والسودان أيضاً [بنشر] قوات للعملية.

وتجد واشنطن نفسها الآن في موقفٍ غير معتاد، إذ أنها تدعم من الهامش ائتلافاً كبيراً متعدد الجنسيات يتألّف من دولٍ إقليمية، وهذا هو على وجه التحديد نوع تقاسم الأعباء الذي لطالما حلمت الحكومات الأمريكية المتعاقبة بتعزيزه. ولكن من أجل ضمان أفضل النتائج، ستحتاج الولايات المتحدة إلى التخطيط بعناية لكي تشارك في العمليات وتنخرط في الدبلوماسية.

 خلفية التدخل

تنتمي القبائل الحوثية في شمالي اليمن إلى الطائفة الزيدية الإسلامية، التي تتبع نظرية لاهوتية سياسية مختلفة عن تلك التي تتبعها الشيعة الإثني عشرية، الدين الرسمي في إيران. ولكنّها تبجلّ العديد من الشخصيات الدينية الشيعية نفسها التي توقّرها الإثنا عشرية، كما تتشارك بأوجه تقارب دينية وسياسية أخرى متعددة مع طهران (لمعرفة المزيد عن هذه الانتماءات، انظر "زيديو اليمن: نافضة للنفوذ الإيراني"، المرصد السياسي 2364). ولعل الأهم من ذلك، أنّ الحوثيين قد تقرّبوا من إيران بعد عقد من القتال ضد الحكومة اليمنية المركزية والميليشيات السلفية التي تميل إلى مساندة تنظيم «القاعدة»، وكلا الفريقين تساندهما المملكة العربية السعودية. وفي العاميْن 2009 و2010، خاض السعوديون حرباً مؤلمةً على الحدود مع الحوثيين وقع ضحيتها 114 شخصاً من صفوفهم. ومنذ ذلك الحين، قام حلفاء الرياض التاريخيون في اليمن - كونفدرالية قبائل "حاشد" التي تتبع المذهب الشافعي من الديانة الإسلامية السنّية والمجموعات السلفية المرتبطة بها - بالخصام في ما بينهم، مما فتح المجال أمام الحوثيين لاجتياح العاصمة وفرض مطالبهم على حكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي المعترف بها دولياً.

وشهدت الأشهر الأخيرة الانهيار المتسلسل لسلطة منصور هادي. وفي شباط/فبراير، هرب من صنعاء إلى قاعدة بديلة في عدن، ثاني أكبر مدينة في البلاد تقع في أقصى الجنوب. وبعد ذلك، بدأ الحوثيون وحلفاؤهم داخل كونفدرالية "حاشد" - القادة العسكريون الموالون للرئيس السابق علي عبد الله صالح الذي أطيح به في عام 2012 - بالضغط على المنشآت الجنوبية الرئيسية. وفي 20 آذار/مارس، اندفعوا إلى الأمام في سلسلة من الهجمات بعيدة المدى على البر وباستخدام طائرات الهليكوبتر للاستيلاء على تعز، ثالث أكبر مدينة في اليمن، واجتياح قاعدة العند الجوية، وهي منشأة يمنية وأمريكية مشتركة خاصة بمكافحة الإرهاب تقع على بعد ستين كيلومتراً شمالي عدن. وبحلول 25 آذار/مارس، كانوا يقومون بمناوشات للسيطرة على مطار عدن الدولي والقصر الرئاسي، فدفعوا بمنصور هادي إلى الانتقال إلى ميناء المُكلّا في شرق البلاد ومن ثم إلى المملكة العربية السعودية.

عمليات مخططة

على الرغم من أنّ شكل "عملية عاصفة الحزم" ومدّتها غير معروفين بعد، يستعدّ التحالف لاتخاذ خطوات في المسارح التقليدية الثلاثة للحروب الحديثة: الجو والبحر والبرّ:

·          الضربات الجوية: في الهجمات التي سبقت فجر 26 آذار/مارس، شنّت الطائرات السعودية ضربات جوية على مجموعة من الأهداف العسكرية في صنعاء ومركز القيادة الحوثية في "حرف سفيان" في محافظة عمران، من بينها منزل زعيم «أنصار الله» عبد المجيد الحوثي. واستمرت الغارات على مدار اليوم، وشاركت فيها القوات الجوية الإماراتية والأردنية والكويتية والبحرينية والقطرية. ومن الناحية النظرية، تمّ تخصيص حوالى 170 طائرة مقاتلة حديثة لهذه العمليات، بما فيها 100 من المملكة العربية السعودية (ومعظمها من طراز "F-15S" وطائرات " تورنادو IDS")، و30 من الإمارات العربية المتحدة ("F-16S" و "ميراج 2000s")، والعديد من طائرات "F-16S" من البحرين (15)، والأردن (6)، والمغرب (6). وإذا لزم الأمر، تستطيع الرياض بسهولة أن تخصّص أعداداً أكبر بكثير [من تلك التي خصصتها بالفعل]؛ ويمكن أن تساهم مصر وباكستان بطائرات إضافية أيضاً.

·         العمليات البحرية: سبق أن خصّصت القاهرة والرياض قوات من الحرس البحري وخفر السواحل للعملية، كما تقوم المراكب المصرية بدوريات في مضيق باب المندب وتوسّع السفن السعودية نطاق دورياتها الساحلية الحالية قبالة سواحل اليمن لتشمل موانئ البحر الأحمر التي يستخدمها الحوثيون لإعادة التموين العسكري. وقد تؤمّن باكستان هي الأخرى أصولاً بحرية، وتتمتع مصر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة أيضاً بالقدرة على القيام بعمليات برمائية على طول الساحل اليمني، مما يهدّد الجهة الغربية من التقدم الحوثي.

·         العمليات البرية: تقوم المملكة العربية السعودية بحشد القوات البرية على طول حدودها الجنوبية مع اليمن، أي الموقع الجغرافي نفسه الذي حاربت فيه الحوثيين في العامين 2009 و2010. وفي عدن، حيث تقاتل القوات الموالية للحكومة للاستيلاء على المطار ومنشآت رئيسية أخرى، يبدو أيضاً أنّ الرياض والقاهرة وباكستان تقوم بالتحضير لخيار إسقاط مجموعات صغيرة من قوات التدخل السريع. وثمة جيوب أخرى صامدة أيضاً في وجه القوات المتحالفة مع الحوثيين في ​​محافظة مأرب الغنية بالنفط وفي مركز الغاز الطبيعي في شبوة، على الرغم من أنّ القوى القبلية في هذه المناطق تبدو وكأنها تعتمد على دعم عسكري من تنظيم «القاعدة في جزيرة العرب» يماثل الدعم من قوات الأمن المؤيدة للحكومة.

الدعم الأمريكي

إنّ الولايات المتحدة هي داعم قوي لمنصور هادي الذي طالب في 24 آذار/مارس بالتدخل العسكري "استناداً إلى مبدأ الدفاع عن النفس الوارد في المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة" و"ميثاق جامعة الدول العربية ومعاهدة الدفاع العربي المشترك." وفي الواقع إن الولايات المتحدة هي عضو غير معلن في الائتلاف، ولها "خلية تخطيط مشتركة مع المملكة العربية السعودية" تعمل هناك "لتنسيق الدعم العسكري والمخابراتي الأمريكي" على حدّ تعبير المتحدثة باسم "مجلس الأمن القومي" الأمريكي، برناديت ميهان.

وتقتضي وظيفة واشنطن إلى حدّ ما بالبقاء بعيدةً عن مسار حلفائها في الوقت الذي يقومون بصياغة هيئة تدخّلهم. وفي الوقت نفسه، تحتاج الولايات المتحدة إلى أن توازن بدقة تعقيدات الوضع الراهن وتضع شروط لمزيد من التدخّل الأمريكي في قضايا معيّنة.

على سبيل المثال، من المرجّح أن يستخدم تنظيم «القاعدة في جزيرة العرب» هذا الصراع للتغلغل بصورة أكثر في الشرعية السياسية والعسكرية، بقدر ما فعلت بعض الجماعات السلفيّة المسلحة في سوريا منذ بدء الانتفاضة ضدّ بشار الأسد. كما يحاول تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» («داعش»)/«الدولة الإسلامية» أيضاً أن ينمو في الفوضى والفراغ الناتجين عن تعثر سلطة الدولة، كما يتّضح من قتله 137 حوثياً في سلسلة من التفجيرات الانتحارية التي قام بها في صنعاء في 20 آذار/مارس. ولا تزال المملكة العربية السعودية حذرةً جداً من أن تحضن تنظيم «القاعدة في جزيرة العرب»، بالنظر إلى هجمات التنظيم الكثيرة عليها. ينبغي على واشنطن تعزيز الحذر العربي تجاه هذه الجماعات ومقاومة اندماجها في أيّ تحالف ميداني ضدّ الحوثيين في اليمن والحفاظ على أكبر قدر ممكن من الاستمرارية في مهمة مكافحة الإرهاب التي تقودها الولايات المتحدة.

 وعلاوةً على ذلك، إذا أرادت واشنطن السماح بتطوّر التدخّل وربما إعادة التوازن العسكري لصالح منصور هادي، ينبغي عليها استخدام نفوذها الدولي لتوفير جانب دبلوماسي محميّ للتحالف العربي. ولأسباب إنسانية جديرة بالثناء - التي هي قضايا تشارك الولايات المتحدة الاهتمام بها، ستسعى العديد من الدول إلى إيقاف العملية قبل أن تحقّق أهدافها الاستراتيجية، ولكن ينبغي أيضاً أخذ احتياجات الحلفاء الإقليميين بعين الاعتبار. على سبيل المثال إن قيام منطقة لحظر الطيران - وهو حل تفضله الجهات الفاعلة الدولية في كثير من الأحيان - قد يضر الحلفاء في هذه الحالة.

على جبهة العمليات، يجب أن يكون دور واشنطن الرئيسي هو تقديم المشورة الحكيمة والمساعدة اللوجستية سريعة الاستجابة، بما فيها:

·         التنسيق والتخطيط. اكتسبت المملكة العربية السعودية الكثير من الخبرة في العمليات من معركتها السابقة مع الحوثيين، ولكنّ حرب التحالف والعمليات المشتركة هي من بين المهام العسكرية الأكثر تعقيداً عند تولّيها. وبالتالي، سيكون استمرار الدعم الأمريكي من خلال "خلية التخطيط المشترك" أمراً حيوياً، وخاصة إذا فتحت الرياض جبهةً ضدّ الحوثيين في شمال اليمن أو إذا جرّبت القيام بعمليات إسقاط برمائية.

·         الدعم الاستخباراتي. تمّ استطلاع المجموعة الأولية من الأهداف العسكرية التي استهدفتها الضربات الجوية في 26 آذار/مارس بشكلٍ جيّد، ولكنّ التحدّي الحقيقي للاستهداف يبدأ الآن بعد أن تمّ ضربها. وباتت الحملات الجوية جيّدة بقدر مخابرات الاستهداف المتواصلة المتعلقة بها. وتواجه الولايات المتّحدة ضغوطاً مكثّفة على أصول الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع ("الأصول") الخاصة بها والتي تعمل بأكثر من طاقتها بسبب التزامات في أفغانستان والمواجهة ضدّ تنظيم «الدولة الإسلامية»، لذا تحتاج إلى تحسين أداء "الأصول" العربية المشابهة وجذب شركاء ائتلاف جدد لتأمين الاستخبارات الغربية من وراء الكواليس. كما يجب أن تولي واشنطن اهتماماً خاصاً بتحديد نظم الصواريخ متوسطة المدى والطائرات والمروحيات التي لا تسيطر عليها الحكومة اليمنية في الوقت الراهن.

·         الدعم اللوجستي للحلفاء الأصغر حجماً. تواجه المملكة العربية السعودية تحديات قليلة نسبياً بتشغيل طائراتها المقاتلة طويلة المدى من قواعدها الوطنية، ولكنّ مقدّمي القوى الآخرين يشغّلون طائرات ذات مدى أقصر بعيداً عن قواعدهم الأصلية، مما ينشئ حاجة محتملة للدعم اللوجستي الأمريكي وتنسيق التزوّد الجوي بالوقود.

·         تدريب القوات المسلحة اليمنية وتجهيزها. قد تعاود واشنطن في المستقبل دورها في تدريب "القوات الخاصة" اليمنية وتجهيزها، وكذلك الأمر مع بعض وحدات محدّدة من المخابرات والجيش ووزارة الداخلية. ومن المرجّح أن تحاول دول الخليج تكرار برامج المساعدات الأمنية التي قامت بها في لبنان وليبيا وسوريا. إن الجمع بين تجربة الولايات المتحدة واحترافها وبين الهبات السخية والمخزونات الكبيرة من فائض المعدات في دول الخليج، قد يسرّع تطوير موثوقية قوات الأمن الوطني في اليمن إلى حدّ كبير، ويقلل من دور الميليشيات القبلية والمقاتلين المرتبطين بـ تنظيم «القاعدة في جزيرة العرب».

 

مايكل نايتس هو زميل ليفر في معهد واشنطن ومقره في بوسطن.