أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المرصد السياسي 2793

بعد الجهاد: رد الولايات المتحدة على مشكلة المقاتلين الإرهابيين الأجانب

جاكوب واليس

متاح أيضاً في English

27 نيسان/أبريل 2017


"في 24 نيسان/أبريل، خاطب جاكوب واليس منتدى سياسي في معهد واشنطن كجزء من سلسلة محاضرات برنامج "ستاين" لمكافحة الإرهاب. والسيد واليس هو مستشار كبير سابق لشؤون المقاتلين الأجانب في "مكتب وزارة الخارجية الأمريكية لمكافحة الإرهاب ومكافحة التطرف العنيف". وفيما يلي موجز المقررة لملاحظاته".

 

عندما بدأت الولايات المتحدة تركّز للمرة الأولى على مشكلة المقاتلين الأجانب في عام 2012، قبل ظهور تنظيم «الدولة الإسلامية» بشكل كامل، كان هدفها يكمن في منع الأفراد من الانضمام إلى المعارك في العراق وسوريا. وحالياً حيث انخفض تدفق المقاتلين إلى مناطق الصراع في هذين البلدين بشكل حاد، حوّلت واشنطن ودول الحلفاء مسارها للتركيز على التعامل مع قضية المقاتلين الذين عادوا أو سيعودون إلى بلدانهم. وفي تونس - التي تتميز بالفارق المشكوك فيه بأنها أكبر مصدر للمقاتلين إلى العراق وسوريا - تواجه القوى الأمنية صعوبةً في رصد العدد المرتفع من العائدين. أما في الاتحاد الأوروبي، فإن حرية السفر ضمن منطقة "شنغن" تجعل القارة الأوروبية بأكملها [أكثر] عرضةً للمخاطر.

ويشكل بعض التركيز على المقاتلين الأجانب أمراً مضللاً؛ فقد تم شن معظم الهجمات الأخيرة في أوروبا على يد متطرّفين محلّيين، وهو الأمر بالنسبة لجميع الهجمات المتعلقة بـ تنظيم «الدولة الإسلامية» في الولايات المتحدة. إلاّ أنّ الهجمات التي يشنّها العائدون من الحرب، المدرّبون والتي عززت المعركة قواهم عادةً ما تكون أكثر فتكاً؛ وكانت الهجمات الجماعية في باريس عام 2015 وبروكسل في عام 2016 قد أثبتت هذه النقطة. ولكن، لحسن الحظ أنّ معظم أدوات التعامل مع العائدين هي نفس الأدوات المستخدمة في إدارة التطرّف العنيف المحلي، مثل برامج تبادل المعلومات الاستخباراتية والقضاء على التطرف. ولا تملك الولايات المتحدة خبرة كبيرة في مكافحة الإرهاب الداخلي، لذلك حاولت، عوضاً عن ذلك، إقامة صلات بين حلفائها وتبادل الدروس المستفادة.

وفي هذا الإطار، تندرج الجهود الأمريكية لمعالجة مشكلة المقاتلين الأجانب ضمن فئتين واسعتين: البرامج متعددة الأطراف والبرامج الثنائية. وتجري الجهود المتعددة الأطراف بشكل خاص داخل "الائتلاف العالمي لمكافحة تنظيم «الدولة الإسلامية» في العراق وسوريا"، ولكن أيضاً ضمن "المنتدى العالمي لمكافحة الإرهاب"، وهو مجموعة منفصلة كانت قائمة قبل تكوين الائتلاف. ويتكون "الائتلاف العالمي" بشكل رئيسي من حلفاء الولايات المتحدة المستعدين [للمشاركة في العمليات] من الشرق الأوسط وأوروبا وأماكن أخرى، في حين يتمتع "المنتدى العالمي لمكافحة الإرهاب" بعضوية أوسع ويركز [على الأمور] بصورة مختلفة قليلاً. وتعالج المنظمتان مشكلة المقاتلين الأجانب مع الأفرقة العاملة المتعددة الأطراف، التي تبقى أفضل وسيلة لزيادة الوعي وتقاسم أفضل الممارسات. وتقتصر معظم مساهمات التحالف على ساحة المعركة، حيث يمكن للجيوش استهداف القادة والميسّرين الإرهابيين. وفي المقابل، يمكن للوكالات المدنية التصدي للتحدي الذي يفرضه العائدون بشكل أفضل ضمن إطار ثنائي، مما يوفر المجال اللازم لتبادل المعلومات الاستخبارية وتحسين أمن الحدود ومنع التطرف عند الجبهة الأمامية.

وتتجسد المبادئ التوجيهية لمكافحة المقاتلين الأجانب في قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2178 الذي يقضي بأن تتخذ الدول الأعضاء إجراءات في أربعة مجالات واسعة هي: إنشاء دوريات حدودية فعالة، وتبادل المعلومات في مجال العمليات، والتعاون على منع التطرف والتجنيد، واعتماد قوانين محلية تجرّم السفر والتجنيد والتمويل الجهادي. وكان هجوم باريس عام 2015 قد حوّل تركيز الولايات المتحدة نحو أوروبا، انطلاقاً من تخوّف هذه الأخيرة من قدرة المقاتلين العائدين حاملي جوازات السفر الأوروبية على السفر إلى الولايات المتحدة دون تأشيرات دخول. وقد ساهم هجوم سان برناردينو في العام نفسه في إثارة جو الذعر السائد في أمريكا، [مما أدى إلى قيام] الكونغرس مباشرة بعد ذلك بالتشديد على متطلبات التنازل عن تأشيرة الدخول الأوروبية.

ومن خلال استعادة الأحداث، يبدو أنّ الجانب الأمريكي قد أفرط في مخاوفه. ومع ذلك، كان مستوى التهديدات التي ساد الاتحاد الأوروبي مرتفعاً في ذلك الوقت، كما كانت هناك مصلحةً كبيرة ومباشرة للولايات المتحدة في استتباب الأمن الأوروبي. وفي الوقت الذي بدأت فيه السلطات الأمريكية بالتقرب من حلفاء لها بعد هجوم باريس، فسرعان ما حدّدت نقاط ضعف نظام "شنغن" وأوجه القصور في تبادل المعلومات داخل أوروبا. وتجاوباً مع هذا الأمر، صاغت وزارة الخارجية الأمريكية مبادرة "فريق الحالات الطارئة المتعلقة بالمقاتلين الأجانب" (FFST) وساعدت الاتحاد الأوروبي على وضع خارطة طريق العمل البيني [التشغيل البيني] الخاصة به.

وشكلت مبادرة "فريق الحالات الطارئة المتعلقة بالمقاتلين الأجانب" جزءاً من برنامج للتعاون بين الوكالات، بين الولايات المتحدة وست دول من الاتحاد الأوروبي هي بلجيكا وفرنسا والمانيا وإيطاليا واليونان والسويد. وبدأت هذه الجهود بعقد اجتماعات مشتركة بين الوكالات لتحديد مجالات التنسيق الفني، أعقبتها إنشاء برامج تعاونية فردية. وتشمل الأنشطة المضطلع بها في إطار هذه البرامج مكافحة تمويل الإرهاب، وتحسين الكشف عن جوازات السفر المزوّرة، والتوصل إلى اتفاقات بشأن تبادل المعلومات وتبادل الأدلة. وقد تم تصميم كل برنامج لكي يتناسب مع احتياجات كل بلد على حدة وبما يعكس خبرة واشنطن الفنية القيّمة في القضايا الرئيسية. وتم في وقت لاحق توسيع نطاق مبادرة "فريق الحالات الطارئة المتعلقة بالمقاتلين الأجانب" لتشمل البلقان في برنامج منفصل بل مماثل هو، "فرق المشاركة الثنائية"؛ وتمكنت السلطات الأمريكية من استخدام أموال المساعدات الخارجية لتمويل بعض من هذه البرامج نظراً لتركيزها على التنمية.

أما مجال التعاون الرئيسي الآخر، فكان خارطة الطريق الأوروبية بشأن قابلية التشغيل البيني، وهي مبادرة قام بها الهولنديون خلال رئاستهم للاتحاد الأوروبي في عام 2016. ويتّبع الاتحاد الأوروبي نظاماً معقداً لقوائم مراقبة الإرهاب - وأحد بنوده هو لمراقبة الحدود، وبند آخر لإنفاذ القانون، وثالث لطلبات اللجوء. وفي معظم الحالات، لا يوجد اتصال بين قواعد البيانات هذه، كما أن القوانين الأوروبية قد حالت أحياناً دون تقاسم المعلومات. ويشبه هذا الوضع البيروقراطي حالة مجتمع الاستخبارات الأمريكي قبل أحداث 11 أيلول/سبتمبر، إلاّ أنّ المشكلة الأوروبية أكثر تعقيداً بـ 28 طبقة من المضاعفات لكل من الدول الأعضاء الثماني والعشرين. وقد بدأت خارطة الطريق بمسألة قابلية العمل البيني، إلاّ أنّها سرعان ما اتسعت لتتناول القواعد القانونية والتنظيمية التي تضبط خصوصية البيانات بشكل مُحكَم في أوروبا. وعملت الولايات المتحدة بشكل وثيق مع الهولنديين لدعم تطوير خارطة الطريق والموافقة عليها، وقد أذن بها مجلس الاتحاد الأوروبي رسمياً في عام 2016. ومنذ ذلك الحين ساعد الخبراء التقنيين الأمريكيين الاتحاد الأوروبي على تنفيذ مختلف القرارات المنبثقة عن ذلك الإذن، وبنَوا نظام سيستغرق تنفيذه بالكامل سنوات عديدة. وعموماً، كان التعاون بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي فعالاً للغاية، كما أن العلاقات الثنائية لمكافحة الإرهاب قد تحسنت بشكل كيبير منذ هجوم باريس، وخاصة مع فرنسا.

وامتدت جهود الولايات المتحدة أيضاً إلى ما هو أبعد من أوروبا لتشمل شمال أفريقيا وجنوب شرق آسيا والشرق الأوسط. غير أن العلاقات في هذه المناطق تتسم بالمساعدة أكثر من التعاون الفني. وانطوى الجزء الأكبر من عمل واشنطن هناك على دفع شركائها نحو تنفيذ قوانين مكافحة الإرهاب التي كانت قائمة بالفعل، إلاّ أنّ مستوى نجاحها في هذا الصدد كان متبايناً.

ففي تركيا [مثلاً]، تحسّن التعاون بشأن المقاتلين الأجانب في بادئ الأمر إلاّ أنّه عاد وأصيبَ بالركود، واندرج ضمن محادثات أخرى حول الإرهاب في سوريا. لدى الولايات المتحدة وتركيا مخاوف مختلفة في هذا الصدد، حيث ينظر الأتراك إلى الجماعات الكردية كونها تشكل أكبر تهديد. وقد أثّر هذا الاحتكاك على ما يمكن القيام به بشأن مسألة المقاتلين الأجانب. وعلى الرغم من محاولة الولايات المتحدة تنمية تعاون منظم ما بين الوكالات مع تركيا، إلاّ أنّ جهودها تبدّدت مع محاولة الانقلاب التي وقعت في تركيا في العام الماضي. وبالمثل، كانت الجهود الأوروبية - التركية المشتركة بشأن المقاتلين الأجانب والعائدين عشوائية؛ وفي الحالات التي يتمتع فيها الأتراك بعلاقات ضعيفة مع بلد معين (مثل هولندا)، تأثر التعاون بشأن هذه القضايا. وعلى الجانب الإيجابي، شددت أنقرة سيطرتها على حدودها التي يسهل اختراقها في أعقاب سلسلة من الهجمات التي شنّها تنظيم «الدولة الإسلامية» داخل تركيا. ونتيجة لذلك، من الصعب جداً اليوم عبور سوريا أكثر مما كان عليه الوضع في الماضي.

وعادةً ما يُطرح سؤالان أساسيان عند الحديث عن المقاتلين الأجانب: لماذا يوجد الكثير منهم (خاصة من تونس)؟ وما هي دوافعهم؟ تتطلب الإجابة على هذين السؤالين جهداً عالمياً للتعامل مع الفكر المتطرف، وتوفير خطاب مضاد، والانخراط في أعمال التنمية الأساسية. وقد أدت الطائفية ووسائل التواصل الاجتماعي إلى زيادة تعقيد الصراعات في الشرق الأوسط، في حين سارعت شبكة الإنترنت من عملية التطرف وسهولة السفر وتمويل الإرهابيين. وتعتبر النزاعات في سوريا والعراق صراعات طائفية أساساً، كما هو الحال في اليمن إلى حد ما. ويشكل المقاتلون الشيعة الأجانب مشكلة كبيرة. وتعمل الولايات المتحدة مع أوروبا وإسرائيل لمواجهة «حزب الله» على وجه الخصوص.

إن مشكلة الرئيس السوري بشار الأسد هي سيفٌ ذو حدّين. فعلى الرغم من أنّه بالتأكيد ليس حليفاً لـ تنظيم «الدولة الإسلامية»، إلاّ أنّه لعب دوراً هاماً في تسهيل تدفّق المقاتلين من سوريا إلى العراق. وإذا بقي في السلطة، ستظل سوريا نقطة جذب للجهاديين السنّة، إلّا أنّ مجرد إزالته لن يصلح سوريا أيضاً.

وبغض النظر عما يحدث في العراق وسوريا، يجب على الولايات المتحدة مواصلة العمل عن كثب مع شركائها حول العالم بشأن مكافحة الإرهاب. ومن المرجح أن يتلاشى التركيز على الاتحاد الأوروبي، ليس لأن التهديد قد تضاءل في القارة، بل لأن القدرات الأوروبية قد تحسنت بشكل ملحوظ في العامين الماضيين.

وأخيراً، فإن هذا النوع من التعاون يستلزم بالضرورة أموال المساعدات الخارجية من أجل مساعدة البلدان الأخرى على تنفيذ برامج اجتثاث التطرّف، ومراقبة الحدود، ونُظم الاتصالات الداخلية. ولم يتضح حتى الآن ما إذا كانت إدارة الرئيس دونالد ترامب ستتيح االأموال اللازمة لمثل هذه البرامج المدنية. ومع ذلك، لن يمكن التوصل إلى حل لمشكلة المقاتلين الأجانب من خلال الوسائل العسكرية وحدها.

 

أعدت هذا الملخص ماكسين ريتش.