أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المرصد السياسي 2826

هل عاد نصف مليون لاجئ إلى سوريا حقاً؟؟ نظرة وراء الأرقام

فابريس بالونش

متاح أيضاً في English

7 تموز/يوليو 2017


انقر على الصور لعرض إصدارات عالية الدقة

في 30 حزيران/يونيو، أعلن "مكتب المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين" ["المفوضية"] أن ما يقرب من نصف مليون سوري عادوا إلى ديارهم بين شهريْ كانون الثاني/يناير وأيار/مايو 2017. وقد اتّسم التقرير بلهجة متفائلة إزاء احتمال عودة الملايين إذا ما "تعزّز السلام والاستقرار في سوريا". غير أن بعثة بحثية قام بها كاتب هذا المقال إلى لبنان وركّزت على اللاجئين السوريين كانت متحفظة حول ما إذا كان يجدر بالسوريين العودة أساساً، حتى لو أصبح حلم السلام الخيالي حقيقة واقعة.

مشكلة البيانات

تتمثل النقطة الأولى التي يجب تسليط الضوء عليها خلال تحليل الرقم الذي صدر مؤخراً عن "المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين" في أن 443 ألفاً من العائدين هم في الواقع مشردون داخلياً (ما زالوا يعيشون في سوريا)، من أصل 6.3 ملايين مشرد داخلي مسجل. وكان 31 ألفاً منهم لاجئين فقط (يعيشون خارج سوريا)، قد فروا إلى البلدان المجاورة (لبنان وتركيا والعراق ومصر والأردن). وعلاوةً على ذلك، فحتى مع عودة عدد قليل من اللاجئين إلى سوريا، لا يزال عدد اللاجئين الذين يخرجون منها يزداد بنسبة أكبر، وهو واقع ناجم إلى حد كبير عن استمرار عدم الاستقرار في جميع أنحاء البلاد. فبين كانون الثاني/يناير وأيار/مايو 2017، ارتفع عدد اللاجئين السوريين المسجلين من 4.9 ملايين إلى 5.1 ملايين، وفقاً لـ "المفوضية". وفي حين تراجع عدد المشردين داخلياً بشكل مطرد من 7.5 مليون منذ خريف عام 2015، يجب على كل من يقْدِم على تقييم هذه المسارات أن يكون حذراً للغاية تحسباً لأي تلاعب في البيانات لأغراض سياسية.

إن مفهوم المشردين داخلياً أوسع بكثير من مفهوم اللاجئين إذ يشمل كل من غادر منزله - والذي قد يكون بدوره قد سافر مسافات قصيرة جداً أو طويلة جداً. وبالطبع من شأن الانتقال لمسافات أقصر أن يعزز احتمال العودة. ومن بين العائدين الذين دوّنت "المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين" أسماءهم، عاد مئات من المشردين داخلياً الذين كانوا يقيمون غرب حلب إلى شرقها، في حين عاد أولئك من بين المشردين داخلياً الذين أقاموا في ضواحي دمشق إلى القابون أو قدسيا عندما أعاد الجيش السوري احتلال هاتين المنطقتين في خريف عام 2016. وقد تبرز ظاهرة مماثلة بعد استعادة الرقة من تنظيم «الدولة الإسلامية». وفي المقابل، بالنسبة إلى الأسر التي تميل إلى المتمردين في داريا أو حي الوعر في حمص أو الزبداني - والتي تم إرسالها إلى إدلب بعد اتفاق مع النظام - هناك فرصة ضئيلة لعودتها الوشيكة إلى ديارها.

ومن العوامل المعقدة في هذا النقاش أن "مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية" ["المكتب"]، وهو الهيئة المسؤولة عن المشردين داخلياً، لا يجري الإحصاء بنفسه. وعوضاً عن ذلك، يبالغ الإداريون الحكوميون السوريون والمتمردون على السواء بتقديراتهم حيال المشردين داخلياً من أجل الحصول على أكبر قدر ممكن من المساعدات الغذائية وإثبات أن كل معسكر يتواجد فيه هؤلاء المشردين يسيطر على غالبية السكان. وقد دفع هذا التلاعب بـ "المكتب" إلى إعادة تقييم إحصاءاته في خريف عام 2015، حيث أظهرت النتيجة تراجعاً كبيراً في التقديرات من 7.5 إلى 6.5 مليون مشرد داخلياً. ووفقاً لمصادر الأمم المتحدة، تشير البيانات عن المشردين داخلياً إلى أن المتمردين ضخموا أرقامهم أكثر مما فعله المسؤولون الحكوميون. وقد يبدو هذا التباين منطقياً نظراً لأن العديد من السكان فرّوا إلى المناطق الخاضعة لسيطرة النظام بحثاً عن الأمن، إلا إذا كانوا متورطين في التمرد. فقد وفّرت المناطق الحكومية قدراً أكبر من الأمن لأنها لم تتعرض لقصف جوي متكرر أو فُرض عليها حظر ولأن الخدمات العامة ما زالت متوفرة.

وبالمقارنة مع بيانات اللاجئين الصادرة عن سوريا، تبدو بيانات "المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين" و"رئاسة إدارة الكوارث والطوارئ التركية" - المنظمة التركية المسؤولة عن اللاجئين - أكثر موثوقية. فالمنظمتان تأخذان عملية تسجيل الطلبات على محمل الجد، ولا تقومان بتشويه بياناتهما. وقد يكون واقع أن العديد من اللاجئين لا يريدون تدوين أسمائهم سبب "تراجع" الأرقام. وفي لبنان، أظهرت دراسة أجرتها "جامعة القديس يوسف" في بيروت أنه جرى تقدير أعداد اللاجئين بأقل مما هي عليه بنسبة 23 في المائة في عام 2016. ومن بين هذه النسبة، لم يعد الكثيرون مسجلين لأن اللاجئين المنفردين أو الذين ليس لديهم أطفال صغار، على سبيل المثال، ليسوا مؤهلين عموماً للحصول على المعونة الإنسانية. فضلاً عن ذلك، فإن معظم اللاجئين السوريين الذين جاؤوا إلى لبنان بعد عام 2015 غير مؤهلين للحصول على مساعدات إنسانية، وبالتالي ليس لديهم حافز كبير للبقاء في البلد المضيف. كما أن بطاقات اللاجئين لا تعفيهم من ضرائب تصريح الإقامة - 200 دولار في السنة للذين تزيد أعمارهم عن أربعة عشر عاماً. وبالتالي، يحصل العديد من السوريين على عقود عمل مزيفة، على الرغم من أن أصحاب العمل الذين يوفّرون هذه الأوراق المزورة ليسوا سوى مهربين في معظم الأحيان. ويساعد ذلك على تفسير سبب عدم تراجع العدد الفعلي للاجئين السوريين في لبنان على ما يبدو، حيث أن الوضع في سوريا لا يزال غير مشجع لعودتهم إلى وطنهم.

العوامل التي تؤدي إلى تعقيد العودة إلى سوريا

لا تزال العقبة الرئيسية أمام العودة هي انعدام الأمن. غير أن هذه النظرية تختلف وفقاً للأصل الجغرافي، والمستوى الاجتماعي- الاقتصادي، وبطبيعة الحال، احتمال الضلوع في مقاومة النظام السوري. ومع ذلك، فإن عاملاً مشتركاً يجمع كافة الرجال السوريين الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و45 عاماً، ألا وهو الخوف من تجنيدهم في صفوف الجيش السوري أو جماعات المتمردين أو «قوات سوريا الديمقراطية» الأكبر حجماً، وفقاً لمكان إقامتهم. وبالتالي، لا تزال العديد من الأسر تفضّل مغادرة سوريا بصورة احترازية عندما يشارف أبناؤها على بلوغ الثامنة عشر من العمر، الذي هو سن التجنيد الإجباري. وطالما لا يزال القتال مستمراً، سيواصل اللاجئون الهرب من البلاد - وستكون عودة أعداد كبيرة منهم محدودة. وعند انتهاء القتال، لن يكون هناك شئ قد يطمئن مئات الآلاف من "الفارين من الخدمة العسكرية" سوى العفو وحده.

أما فساد المسؤولين السوريين فيشكّل السبب الثاني لبقاء اللاجئين في لبنان. فمن جهتهم، لا يجرؤ الرجال على العودة إلى سوريا خوفاً من اعتقالهم التعسفي، وإرغامهم على دفع مبالغ كبيرة للإفراج عنهم. وفي هذا الإطار، قال لاجئ أجْريتُ معه مقابلة في لبنان إنه اضطر إلى دفع 3 آلاف دولار ليتم الإفراج عنه من السجن رغم علاقته "الجيدة" مع السلطات السورية. كما دفع عمه، الذي يعمل في الكويت، 15 ألف دولار لأجهزة المخابرات لإطلاق سراح ابنه البالغ من العمر 17 عاماً والذي كان قد اعتُقل اعتباطياً في دمشق. فضلاً عن ذلك، منذ بداية الحرب الأهلية، حصل عدد هائل من عمليات الخطف في سوريا حيث كان المستهدفون الرئيسيون رجالاً في سن الخدمة العسكرية، وأبناء أسر غنية، وأولئك الذين لديهم أسر تعيش في الخارج.

وغالباً ما يروي السوريون الذين يعودون إلى ديارهم السابقة قصصاً مرعبة. وقد حملت شهادة لاجئ من حلب زار منزله في نيسان/أبريل 2017 فصاحة خاصة، رغم أنها بدت أنها تنقل واقعاً أوسع نطاقاً: "عدتُ إلى شقتنا في الأشرفية [حي في شمال شرق حلب]. واضطررت إلى دفع رشوة بقيمة 100 دولار [راتب شهرين لموظف حكومي]، للانتقال من الحدود اللبنانية إلى حلب. كنت قد حزمت حقيبة طعام لأختي: شاي وقهوة وحليب مجفف وما إلى ذلك. ولكن بمجرد وصولي إلى حلب، كانت حقيبتي فارغة لأنه في كل نقطة تفتيش على الطريق كانوا يأخذون شيئاً منها. وجدت أنه يمكن إصلاح شقتنا ولكن بتكلفة باهظة جداً، وليس هناك كهرباء تقريباً. أما متجرنا، فكان قد دُمر ونُهب. لقد فضلنا البقاء في لبنان وانتظار تأشيرة الدخول إلى أوروبا أو كندا".

الظروف المعيشية في لبنان سيئة ولكن مقبولة

تُعتبر أوضاع العائلة الآنفة الذكر جيدة نسبياً في لبنان: فجميع أفرادها يحصلون على دعم "المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين"، ولدى الزوج عمل دائم كما التحق أولاده الأربعة في المدرسة. أما في سوريا، فالوضع الاقتصادي والفساد وانعدام الأمن المتفشي، كلها عوامل تحول دون عودتهم، لا سيما وأن ذلك يعني التخلي عن وضعهم كلاجئين ومن ثم إمكانية الهجرة إلى بلد آخر. وحتى لو لم يتمّ منح بضع مئات من تأشيرات الدخول سنوياً من قبل الاتحاد الأوروبي وكندا وأستراليا والولايات المتحدة، فإن مثل هذه الفرص الضئيلة تستمر في تحقيق أحلام المغادرة في المستقبل. وتتنامى الرغبة في الهجرة بشكل إضافي بسبب ملايين اللاجئين السوريين الجدد منذ عام 2012 الذين يعيشون في البلدان الشمالية (معظمهم من ألمانيا والسويد وكندا) والذين يشاركون تجربتهم مع أقاربهم. بالإضافة إلى ذلك، ليس هناك جدار يحمي حدود الاتحاد الأوروبي، لذلك يتمّ أحياناً إنقاذ الناس في البحر، كما لم يتم إلغاء الحق بلمّ شمل الأسرة من "معاهدة الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي لعام 2003".

وفي لبنان، تسمح المساعدات الإنسانية التي تقدمها "المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين" والدعم المقدّم من العديد من المنظمات غير الحكومية للاجئين السوريين بتمديد فترة إقامتهم في البلاد، حيث تتمّ تغطية الطعام والرعاية الصحية إلى حد كبير، كما هو مشار إليه في المثال السابق، بينما الإنفاق الرئيسي يكون على الإيجار. ويوافق السوريون على العمل لقاء أجر صافي أدنى من ذلك الذي يتلقاه اللبنانيون، وبخلاف اللبنانيين، لا يصرحون عن دخلهم إلى الضمان الاجتماعي. وفي شمال وشرق لبنان، حيث يتركز اللاجئون، يموّل "البنك الدولي" بناء الطرق الريفية من أجل استحداث فرص عمل للاجئين، مع الاستثمار في البلد المضيف أيضاً. إن وضع اللاجئين السوريين غير مرضٍ إلى حدّ كبير، لكنه أفضل بالنسبة إلى العديد منهم من البدائل في سوريا. وبالنسبة إلى المجتمع الدولي، تبقى المعضلة في أنه بينما يخفف توفير المساعدات من المعاناة، إلّا أنّه قد يرسل إشارات مضللة إلى اللاجئين فيما يتعلق بمستقبلهم.    

حياة مفضلة في الخارج - ما لم تتدهور الظروف

أظهر آخر استطلاع أجرته "المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين" أن 6 في المائة فقط من اللاجئين السوريين يريدون العودة إلى بلادهم في المستقبل القريب، في حين يقول 8 في المائة إنهم لن يعودوا أبداً. كما أن نحو ثلاثة أرباع اللاجئين يترددون رسمياً.

وليس هناك شك بأن الطريقة التي تتطور بها هذه المشاعر ستعتمد على الظروف الأمنية وسرعة إعادة الإعمار في سوريا. ومع ذلك - كقاعدة عامة -  كلما طالت فترة إقامة اللاجئين خارج بلادهم، كلما انخفض احتمال عودتهم إلى بلدانهم الأصلية. ومع ذلك، إذا تدهورت الأوضاع بشكل كبير في بلدهم المضيف - لبنان، في هذا المثل - سيقتنع اللاجئون السوريون بالعودة إلى ديارهم بغض النظر عن أي تحسن في الوضع الأمني والاقتصادي. وقد يؤدي أيضاً تدهور الظروف المعيشية والأمنية في لبنان إلى بروز الفكر المتطرف في أوساط الذين لا يمكنهم العودة إلى سوريا والذين يستسلمون لليأس في خضم ذلك.

 

فابريس بالونش، هو أستاذ مشارك ومدير الأبحاث في "جامعة ليون 2"، وزميل زائر في معهد واشنطن.