أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المرصد السياسي 2078

الفائزون والخاسرون في الانتخابات الرئاسية الإيرانية

مهدي خلجي

متاح أيضاً في English

24 أيار/مايو 2013


على الرغم من أن الانتخابات الرئاسية في إيران لن تُجرى قبل 14 حزيران/يونيو، إلا أنه بات من الواضح من الفائزين ومن الخاسرين. فالمرشد الأعلى علي خامنئي والرئيس المنتهية ولايته محمود أحمدي نجاد هما أكبر الخاسرين، بينما الرئيس السابق أكبر هاشمي رفسنجاني هو أكبر الفائزين.

فوز رفسنجاني قبل إجراء الانتخابات

قام "مجلس صيانة الدستور" الأسبوع الماضي -- بموافقة خامنئي وربما بإيعاز منه -- بحرمان رفسنجاني من الترشح للانتخابات. ورغم صعوبة هذا القرار، إلا أنه كان ضرورياً أيضاً لخطط خامنئي. فمنذ عام 2009 أصبح رفسنجاني معروفاً كناقد لاذع لكل من المرشد الأعلى والرئيس الإيراني. وفي الشهور الأخيرة بدأ الإصلاحيون يدعمون ترشحه لأنهم كانوا يعلمون أن "مجلس صيانة الدستور" سوف يمنع مرشحيهم البارزين من الترشح. وسرعان ما أصبح رفسنجاني رمزاً للتغيير بين منتقديه السابقين، الذين خلصوا أنه هو وحده من يستطيع تغيير معادلة القوة للحد من سلطة المرشد الأعلى والحيلولة دون توسيع قوات الجيش والاستخبارات من سيطرتهم على الحياة غير العسكرية. كما أنه تلقى الكثير من الدعم من التكنوقراط وشخصيات أخرى تريد قيادة أكثر كفاءة في طهران -- وهما سمتان تفتقدهما بشدة الحكومة الحالية. ولو سُمح لرفسنجاني بالترشح لكان بوسعه تحويل الانتخابات إلى استفتاء على قيادة خامنئي، لذلك قرر المرشد الأعلى الحيلولة دون وقوع هذا التسوماني قبل بدئه.

إلا أن حرمان رفسنجاني من الأهلية جعله في وضع ممتاز. إذ بإمكانه الآن تقديم نفسه كقائد كان مستعداً لتحمل عبء ثقيل من أجل إنقاذ النظام، دون أن يضطر فعلاً إلى مواجهة مشاكل الحكم. كما يمكنه إظهار نفسه كقائد شعبوي على الرغم من الصورة العامة التي تأرجحت صعوداً وهبوطاً على مدار السنين (على سبيل المثال، لم يتمكن رفسنجاني حتى من الفوز في الانتخابات البرلمانية التي جرت عام 2000). وبالإضافة إلى ذلك، فقد جعل خامنئي في حالة يُرثى لها وأظهره بمظهر المستبد لرفضه عرضه مساعدة الجمهورية الإسلامية في وقت الحاجة.

وكسياسي محنك، لا غرو والحالة هذه أن يعزف رفسنجاني على هذه الأوتار. ففي 23 أيار/مايو، وفي خطابه الأول بعد حرمانه من الترشح من قبل "مجلس صيانة الدستور"، قال رفسنجاني:

"كنت أعلم أنه ما كان ينبغي أن آتي، وقلت في اجتماعات خاصة إنني أعرف هؤلاء الناس أفضل من أي شخص آخر... أنا لا أريد أن أنزل إلى ساحة الحملات الانتخابية، لكن جهلهم يضايقني. ألا يعلمون ما يفعلونه؟ وحتى لو كانوا أعدائي فإن الحكمة تُحتم أن يسمحوا لي بالترشح، ثم بعد ذلك يشوهوا سمعتي. كان ينبغي أن تسمحوا للناس بالتصويت في الوقت الذي يغمرهم الأمل، ولو رأوا أن الأسعار ترتفع بعد ستة أشهر [فعندئذ سينحون باللائمة عليّ]. لا يعلمون أنه كان هناك شخصاً مستعداً للتضحية وتمهيد الطريق أمام الآخرين...لا أطلب من الناس أن يستبدلوا الأمل باليأس وأن يلتزموا الهدوء. لم يتم حتى الآن تقديم أي حل [لمشاكل البلاد]. [أولئك الذين حرموني من الأهلية] ليسوا بحاجة للتحدث عن أعداء أجانب، لأن المشاكل تأتي من الداخل".

ومضى رفسنجاني يصف مدى صعوبة العمل كرئيس في ظل الظروف الراهنة بسبب سوء الإدارة والفساد المستمرين، جنباً إلى جنب مع زيادة العقوبات الدولية. ويبدو أنه سعيداً بإعفائه من تلك المسؤولية مع احتفاظه بمنبر عام يستطيع من خلاله الحد من محاولة خامنئي الاستيلاء على السلطة المطلقة.

وفي الواقع أن حرمان رفسنجاني من الأهلية يرجح أن يكلف خامنئي والنظام الكثير، وهو أمر مماثل لطرد آية الله حسين علي منتظري نائب آية الله روح الله الخميني في عام 1989. وقد أصبح كل من منتظري ورفسنجاني من منتقدي المرشد الأعلى رغم أنهما يعتبران من مؤسسي الجمهورية الإسلامية. وقد كان بمقدور دائرة خامنئي معالجة الأمور بطريقة أكثر سهولة ويسراً، ربما من خلال مدح رفسنجاني على عرضه الترشح في حين الإدعاء بأن الأمة لا يمكنها أن تطلب الكثير من رجل هو في التاسعة والسبعين من عمره كان قد ضحى بالكثير من أجل وطنه. إلا أنه وكما هو المعتاد، فقد اختاروا استخدام القوة الوحشية.

على سبيل المثال، بعد تسجيل رفسنجاني للترشح في مطلع هذا الشهر، عمد حسين شريعتمداري -- وهو صديق مقرب وكاتم أسرار خامنئي الذي تضع كتاباته غالباً "أسس القرارات التي تتخذها الدولة"، كما وصفتها بدقة صحيفة نيويورك تايمز -- إلى مهاجمة رفسنجاني. ففي مقال افتتاحي في صحيفة كيهان، أوسع الصحف الإيرانية، بتاريخ 21 أيار/مايو، وصف شريعتمداري الرئيس السابق رفسنجاني بأنه كان ممثل "التحريض الأمريكي الإسرائيلي" عام 2009، في إشارة إلى الاحتجاجات التي اندلعت بعد الانتخابات الرئاسية المزورة في ذلك العام.

وفي غضون ذلك، فإن عدداً من أفراد عائلة روح الله الخميني، الذين لعبوا منذ زمن بعيد دوراً هاماً في تعزيز شرعية النظام، ينأون بأنفسهم الآن عن خامنئي. ففي 22 أيار/مايو، كتبت زهرة مصطفوي، ابنة الخميني والفرد الأكثر محافظة في العائلة، خطاباً مفتوحاً إلى المرشد الأعلى تطلب منه نقض قرار "مجلس صيانة الدستور"، حيث قالت "أحثك على التدخل وإثبات أن آية الله الحاكم يريد منع الديكتاتورية". كما ادعت للمرة الأولى أن والدها كان ينظر إلى خامنئي ورفسنجاني باعتبارهما مؤهلين لشغل منصب المرشد العام. وعلى غرار ذلك، وصف حسن الخميني، حفيد آية الله وخادم ضريحه، هذا القرار بأنه "لا يصدق". فقد كتب في خطاب إلى رفسنجاني بتاريخ 22 أيار/مايو يقول "من الآن فصاعداً، سوف يحتل اسم هاشمي رفسنجاني مكاناً مميزاً في ذاكرة الشعب الإيراني، يرتبط بالأمل في المستقبل. وسوف يخلد ذلك اسمك. إن الأمل هو رأس المال الضروري لأية أمة".

تراجع السياسات القائمة على التنبؤات

لقد منع "مجلس صيانة الدستور" أيضاً أعضاء من دائرة أحمدي نجاد من الترشح لمنصب الرئاسة، بما في ذلك مدير مكتب الرئيس الإيراني، اسفنديار رحيم مشائي. وكان ذلك مناقضاً لموافقته على شخصيات ثانوية على مقربة من اثنين من الرؤساء السابقين: محمد رضا عارف، نائب الرئيس السابق في زمن محمد خاتمي، وحسن روحاني، كبير المفاوضين النوويين السابقين وأحد المقربين من رفسنجاني. ويُظهر الاستخفاف بأنصار أحمدي نجاد أن خامنئي عازم على منعهم من لعب أي دور كبير في الحكومة المستقبلية.

كما يبدو أن خامنئي قد شدد الخناق على الملالي الذين يستندون إلى التنبؤات (الأبوكاليبتيين) -- وهم فصيل استخدموا الخطاب المسيحي لحشد الدعم الشعبي لأيديولوجيتهم المتطرفة وإحياء الحمى الثورية، في ثورة واضحة ضد النخبة السياسية التقليدية للجمهورية الإسلامية. وقبلها بأشهر قليلة، دشن محمد تقي مصباح يزدي -- عالم دين يستند إلى نهج التنبؤات كان قد ساند أحمدي نجاد قبل ثماني سنوات لكنه انقلب ضده في النهاية -- حملة انتخابية لصالح كامران باقري لانكراني. غير أن لانكراني انسحب من السباق مباشرة قبل أن يعلن "مجلس صيانة الدستور" عن قائمة المرشحين المؤهلين؛ وتشير الشائعات إلى أن المجلس طلب منه سراً أن ينسحب حتى لا يضطروا إلى حرمانه من الأهلية علانية. ويعني انسحابه أن الانتخابات لن تشمل مرشحاً متعاطفاً من الأصوليين المستندين إلى التنبؤات.

إمكانية التنبؤ بنتائج الانتخابات، مع عدم القدرة على التنبؤ بالسياسات

لا يبدو أن أياً من المرشحين الباقين قادر على إثارة حماسة الجمهور، لذا يرجح أن ينخفض الإقبال على الانتخابات. بيد، ليس هناك شك من أن النظام سيتجاهل ذلك نظراً لحساسيته التقليدية إزاء المشاركة في الانتخابات كمقياس لشرعيته وشعبيته. وبدلاً من ذلك، سوف يركز خامنئي على التلاعب في الانتخابات لصالحه.

ومن جانبها، تخشى مؤسسة الملالي من نمو سلطة قوات الجيش والاستخبارات الموالية لخامنئي -- وهي سلطة لن تنمو إلا في ظل وجود رئيس ضعيف يتم انتخابه بطريقة سيئة السمعة. ولا شك أن الدور المهيمن للفاعلين على الساحة الأمنية لا يهدد قدرة الملالي على التأثير على عملية صنع القرارات الحالية فحسب، بل يثير الشكوك أيضاً بشأن مستقبل الجمهورية الإسلامية بعد خامنئي. وقد أشار المرشد الأعلى حتى الآن إلى أنه لا يثق بالإصلاحيين والتكنوقراط ورجال الدين وطبقة التجار -- وبمعنى آخر جميع القوى السياسية والاجتماعية التقليدية للجمهورية الإسلامية. وبدلاً منهم، يميل خامنئي إلى إدارة الدولة باستخدام شخصيات لم تُسلط عليها الأضواء لكنها ذات صلات بالأمن والجيش.

والآن وبعد أن باتت قائمة المرشحين نهائية، يعمل أفراد من دائرة خامنئي العسكرية/الاستخباراتية عن كثب لتحديد الشخص الذي سيكون أكثر موالاة للمرشد الأعلى. وحتى الآن، تتوجه الأنظار نحو أربعة أشخاص: علي أكبر ولايتي، مستشار خامنئي للشؤون الدولية؛ سعيد جليلي، ممثل خامنئي في "المجلس الأعلى للأمن الوطني"؛ محمد باقر قاليباف، عمدة طهران، وغلام علي حداد عادل، أحد أقرباء خامنئي ورئيس البرلمان السابق. وتتركز أولوية المرشد الأعلى على الطاعة أكثر من تركيزها على المؤهلات والكفاءة -- وبغض النظر عمن سيصبح الرئيس، فإن خامنئي عازم على تجنب التوترات التي مر بها مع الرؤساء السابقين.

 

مهدي خلجي هو زميل أقدم في معهد واشنطن.