أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المرصد السياسي 2097

هل سيزور أردوغان غزة؟

فادي الحسيني

متاح أيضاً في English

28 حزيران/يونيو 2013


أعرب رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان مراراً وتكراراً على مدار العامين الماضيين عن رغبته في زيارة غزة. ولكن حتى قبل اندلاع الاحتجاجات الجماهيرية في اسطنبول في أيار/مايو، اكتنف تلك الزيارة الغموض بسبب العديد من المخاوف السياسية واللوجستية، من بينها انقسام الكيان السياسي الفلسطيني والحاجة إلى موافقة مصرية وصعوبة تمخض أي شيء جوهري عن تلك الزيارة بخلاف مجموعة من إشارات حسن النية.

الخلفية

في عام 2006، كشفت الحكومة التركية النقاب عن علاقتها الرسمية بـ «حماس» عندما دعت رئيس المكتب السياسي للحركة خالد مشعل، إلى أنقرة. وتبع تلك الزيارة زيارات أخرى قام بها العديد من مسؤولي «حماس» (على سبيل المثال، حضر مشعل الاجتماع الرئيسي لـ "حزب العدالة والتنمية" في عام 2012، ثم زار أنقرة مرة أخرى في أيار/مايو المنصرم بصحبة أحد زعماء الحركة اسماعيل هنية). وفي غضون ذلك، احتفظت تركيا بعلاقاتها التقليدية مع السلطة الفلسطينية والرئيس محمود عباس، الذي كان يزور البلاد بشكل متكرر.

وقد أعرب أردوغان عن رغبته في زيارة غزة أثناء زيارته إلى مصر خلال أيلول/سبتمبر 2011. وأعاد التأكيد على تلك الرغبة أثناء زيارته إلى برلين في تشرين الثاني/نوفمبر 2012. وفي عام 2013، أعاد ذكر هذه الفكرة مراراً وتكراراً: ففي آذار/مارس، قال إنه سيزور غزة الشهر القادم؛ وفي نيسان/أبريل، قال إن زيارته سوف تتم "في أواخر أيار/مايو"؛ وبعد لقائه مع الرئيس أوباما في الشهر نفسه (أيار/مايو)، قال إنه سيزور كلاً من غزة والضفة الغربية في نهاية حزيران/يونيو. وفي خضم تلك الإرجاءات، صرح أردوغان في التلفزيون التركي قائلاً "ليس هناك شك من حدوث تأخير في هذه الرحلة".

موقف الولايات المتحدة

أعربت واشنطن بوضوح عن اعتراضها على تلك الزيارة، حيث أشارت المتحدثة الرسمية باسم وزارة الخارجية الأمريكية جين بساكي إلى أن الولايات المتحدة تعترض التعاطي مع «حماس»، "منظمة إرهابية أجنبية لا تزال قوة مزعزعة للاستقرار في غزة والمنطقة". وخلال زيارة وزير الخارجية الأمريكي جون كيري إلى تركيا في نيسان/أبريل تحدثت التقارير أنه طلب من أردوغان إرجاء زيارته تخوفاً من أن تؤدي إلى إفساد الجهود الأمريكية الرامية إلى إحياء العلاقات التركية- الإسرائيلية ومحادثات السلام في الشرق الأوسط. وقد أثار الطلب اعتراضات تركية قوية، حيث قال وزير الخارجية أحمد داود أوغلو على سبيل المثال، "إن العامل الرئيسي لزيارة أردوغان إلى غزة لا يتعلق بما قاله كيري بل بمحادثات المصالحة بين الفلسطينيين".

الموقف الفلسطيني

أدانت السلطة الفلسطينية جميع الزيارات الرسمية إلى غزة التي قام بها زعماء أجانب، حيث قالت إنها لا تعمل سوى على تعميق الصدع الفلسطيني الداخلي. كما شدد الرئيس عباس على الحاجة إلى التمييز بين الدعم الإنساني والزيارات السياسية الرسمية، حيث إن الأخيرة تشير إلى أن غزة أصبحت كياناً منفصلاً عن الضفة الغربية.

وفيما يتعلق بتركيا، رد عباس على إعلانات أردوغان بتأكيده على ضرورة ألا يزور المسؤولون غزة للإعراب عن التضامن في وقت لا تزال فيه «حماس» و«فتح» منفصلتين. وفي المقابل، رحبت «حماس» بتلك الإعلانات وصورت الزيارة التركية بأنها استجابة طبيعية للحصار على غزة. وفي غضون ذلك، فإن الرأي العام الفلسطيني منقسم على نفسه.

ويرى بعض الفلسطينيين أن احتمالات وجود أردوغان في فلسطين تمثل فرصة نادرة. فأثناء حديثه إلى "وكالة الأنباء الألمانية" في نيسان/أبريل، قال نائب وزير خارجية «حماس» غازي حمد، "سوف تكون زيارة أردوغان حدثاً هاماً وتاريخياً لجميع الفلسطينيين". كما أعرب بعض الداعمين عن أن الرحلة يمكن أن تقلل من بعض القيود المفروضة على غزة وتساعد على "رفع الحصار"، كما تمت الإشارة إلى ذلك مراراً وتكراراً من قبل إسماعيل هنية ومسؤولين آخرين من «حماس». بيد يرى آخرون أن تواجد أردوغان في غزة يمكن أن يساعد على رأب الصدع بين «فتح» و«حماس».

ومع ذلك، يرى بعض الفلسطينيين أن الصراحة المطلقة لإعلانات أردوغان تعتبر دعماً وليداً لإعلان كيان مستقل جديد في غزة، ومن ثم انتهاك للقضية الوطنية الفلسطينية. وقد أعرب العديد من مسؤولي السلطة الفلسطينية عن هذا التخوف، من بينهم الرئيس عباس نفسه عندما أعرب عن إستيائه من الزيارات السياسية إلى غزة. وفي الواقع أن فكرة الميل الواضح لدى أردوغان وحزبه الحاكم تجاه «حماس» أصبحت واسعة الانتشار. وكما أشار الكاتب الفلسطيني حسام الدجني، تعتقد حركة «فتح» أن قيام زيارة من قبل شخصية تركية على مستوى رئيس الوزراء هي إشارة دعم فاضح لـ «حماس» وتعزيز حكم وسياسات الحركة.

وقد وصف معارضون آخرون الزيارة المزمعة بأنها "انتخابية" تهدف إلى الحصول على تأييد الرأي العام في تركيا، بدلاً من بذل جهد حقيقي لتحقيق نتائج ملموسة في غزة. وفي مقابلة مع قناة "الجزيرة" في 20 نيسان/أبريل، أكد مسؤول «فتح» يحيى رباح أن "قيام مثل هذه الزيارات إلى غزة تهدف إلى الحصول على الدعاية الشخصية وليس لها أي مضمون سياسي"، سواء من حيث "رفع الحصار" أو إحداث "مصالحة فلسطينية."

المسائل اللوجستية

يجب أن تتم أية زيارة إلى غزة عن طريق مصر، حيث إن إسرائيل تتحكم في الحدود البرية الأخرى وكذلك الحدود البحرية. إن الحصول على موافقة القاهرة يمكن أن يكون أمراً صعباً، إذ أن مصر ترى نفسها قائداً طبيعياً للعالم العربي وتؤمن بأن تركيا تحاول استعراض عضلاتها ضمن مجال النفوذ المصري التقليدي في المنطقة.

وعلاوة على ذلك، فإن الحاجة إلى موافقة مصر انطبقت على جميع الرحلات رفيعة المستوى التي أجريت سابقاً إلى غزة، بما في ذلك الزيارات التي قام بها أمير دولة قطر، ورئيس وزراء ماليزيا، ورجل الدين ذو التأثير الواسع يوسف القرضاوي. وكان من المقرر أن يزور الرئيس التونسي في كانون الثاني/يناير لكن زيارته ألغيت بناء على طلب السلطة الفلسطينية. وفي شباط/فبراير صرح الرئيس الإيراني المنتهية ولايته محمود احمدي نجاد أنه يود زيارة غزة "إن تم السماح له" عقب زيارته إلى مصر، غير أن ذلك التصريح لم يتحقق على أرض الواقع.

ما الذي يمكن أن يحققه اردوغان؟

نظراً لأن الزيارات التي قام بها مسؤولون أجانب آخرون إلى غزة لم تحقق سوى النذر اليسير من النتائج أو لم تحقق أية نتائج على الإطلاق، يرجح أن يكون هدف أردوغان هو ضمان أن تبرز زيارته وضع تركيا الجديد في المنطقة. بيد أن هذا لا يمكن أن يحدث ما لم تتمخض عن زيارته نتائج مؤثرة باستثناء خطابات التضامن والتعهدات بالتمويل.

وحتى الآن، فإن هدفه المعلن من الزيارة هو تعزيز المصالحة الفلسطينية وعدم "احتضان" فصيل سياسي واحد على حساب الآخر. كما أنه صرح بالفعل عن عدم توقع إحراز أي تقدم في عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين دون قيام مصالحة بين حركتي «فتح» و«حماس». وتحقيقاً لتلك الغاية، يرى بعض المراقبين أنه قد يحث «حماس» على قبول الشروط التي وضعتها "اللجنة الرباعية الدولية" (أي الأمين العام للأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وروسيا) للاعتراف بالشرعية السياسية للجماعة. ويدعم هذه الفرضية حقيقة أن أردوغان طلب من مبعوث "اللجنة الرباعية" توني بلير إشراك «حماس» في مفاوضات السلام في عام 2010. وهذا الموقف ينسجم مع تعليقات المسؤولين الأتراك الذين برروا زيارة خالد مشعل لأنقرة في عام 2006، حيث قالوا إنها تمثل فرصة لحث «حماس» على جملة أمور من بينها نبذ العنف ضد إسرائيل.

وهناك احتمالات أخرى من بينها ما يلي:

·     إذا قرر أردوغان زيارة الضفة الغربية كذلك، سوف يقول بعض المراقبين إنه كان يحاول فقط إرضاء واشنطن. بيد قد تكون لديه أسبابه الخاصة للإصرار على تلك الزيارة الجانبية، والتي تتمثل تحديداً في الحفاظ على علاقة تركيا مع السلطة الفلسطينية. وهذا يعني دخول الضفة الغربية أولاً حيث يستقبله الرئيس عباس ثم السفر إلى غزة بعد ذلك -- وهو البروتوكول الصحيح إذا أرادت أنقرة إظهار نظرها إلى الفلسطينيين باعتبارهم كياناً موحداً وإلى رئيس السلطة الفلسطينية باعتباره رئيس الدولة.

·     يفترض أن يشمل أي سفر بين الضفة الغربية وقطاع غزة رحلة قصيرة بالطائرة أو السيارة عبر إسرائيل، مما يزيد من فرص توقف أردوغان للقاء المسؤولين الإسرائيليين.

·     وقد يرجئ أردوغان خططه إلى ما بعد المصالحة الفلسطينية بحيث يستطيع القيام بزيارته إلى جانب الرئيس عباس. ففي 22 نيسان/أبريل، صرح وزير الخارجية داود أوغلو بأنه "إذا وافق الفلسطينيون، فمن الممكن أن يذهب [أردوغان] إلى غزة مع عباس". وقدم عباس نفس الاقتراح أثناء زيارته في منتصف أيار/مايو إلى القاهرة، حيث قال: "في حالة تحقق المصالحة الوطنية الفلسطينية، نستطيع زيارة غزة مع أردوغان".

·     يمكن أن يخضع أردوغان للضغوط الأمريكية ويلغي زيارته كلية. فقد أكد المسؤولون الأمريكيون والأتراك على حد سواء على أهمية علاقاتهم الثنائية، واصفين إياها بأنها "نموذج للتعاون". كما يمكن أن يتأثر أردوغان بعلاقته الشخصية القوية مع أوباما (على سبيل المثال، في مقابلة مع مجلة "تايم" الأمريكية في كانون الثاني/يناير 2012، وصف أوباما رئيس الوزراء التركي بأنه أحد خمسة زعماء أجانب أقام معهم "أواصر ثقة").

 الخلاصة

في ضوء مصلحة أردوغان في الحفاظ على علاقات طيبة مع واشنطن والسلطة الفلسطينية و«حماس»، يستطيع المرء أن يستنتج أن أية خطط لزيارة غزة معرضة للتأجيل إلى أجل غير مسمى، لا سيما في ضوء الاضطرابات الداخلية الأخيرة التي تشهدها تركيا. لقد تم إرجاء الزيارة بالفعل مرات عديدة، وفي النهاية، قد تقرر أنقرة الانتظار إلى حين إتمام المصالحة بين «فتح» و«حماس» قبل اتخاذ مسار ثابت.

 

فادي الحسيني هو زميل باحث مشارك في "معهد دراسات الشرق الأوسط - كندا (ESRC)" ومرشح لنيل شهادة الدكتوراه من جامعة سندرلاند في بريطانيا.