أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

مذكرة بحثية 17

ما الذي يخبرنا به ماضي إيران الكيميائي عن مستقبلها النووي

مايكل آيزنشتات

متاح أيضاً في English

نيسان/أبريل 2014


ملخص تنفيذي

يوفر لنا تاريخ البرنامج الإيراني للأسلحة الكيميائية رؤية هامة بشأن الكيفية التي يفكر بها النظام حول تطوير واستخدام أسلحة الدمار الشامل، والقوانين الأساسية والثقافة الإستراتيجية للقيادة العليا للجمهورية الإسلامية. وبذلك يوفر سياقاً حيوياً للمناقشات الحالية بشأن برنامج إيران النووي.

إن أوجه الشبه بين برنامجي إيران للأسلحة الكيميائية والنووية مثيرة للدهشة. ففي كلتا الحالتين، زعمت إيران أن أحكام الدين منعتها من تطوير أسلحة الدمار الشامل، ولكن لم يحدث في كلتا الحالتين أن منعتها أحكام الدين من الاضطلاع بأعمال تطوير الأسلحة أو من تطوير قدرات الأسلحة الكيميائية في الواقع.

وعلاوة على ذلك ورغم قيام إيران بتطوير القدرة على إنتاج أسلحة كيميائية، إلا أن المسؤولين يزعمون بأنها لم تقم بتسليح العامل الذي تم إنتاجه - ربما على أمل أن يؤدي ذلك إلى ردع العراق عن شن المزيد من الهجمات بالأسلحة الكيميائية - دون الإحساس بالخطر أو الازدراء الناجم عن التسليح أو الاستخدام. إن ذلك يثير التساؤل عما إذا كان يمكن لرادع الأسلحة الكيميائية "غير المُسلّح" (إن كان ذلك حقاً هو ما لديها) أن يعمل بمثابة النموذج لوضعية ردع نووية إيرانية "مؤجَلة" أو "غير مسلحة".

وأخيراً، تخلّت إيران في النهاية عن قدرتها المتعلقة بالأسلحة الكيميائية قبل انضمامها إلى "اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية" في عام 1997؛ ويثير ذلك تساؤل عما إذا كانت إيران مستعدة بالمثل على التخلي في النهاية عن هدفها المفترض وهو اكتساب قدرة تصنيع سلاح نووي كجزء من صفقة شاملة طويلة الأجل مع مجموعة «دول الخمسة زائد واحد» (الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي - بريطانيا والصين وفرنسا وروسيا والولايات المتحدة - بالإضافة إلى ألمانيا).

الاستنتاجات

وُضع برنامج إيران للأسلحة الكيميائية وبرنامجها النووي لخدمة أغراض مختلفة جداً. فالأول كان محاولة لتطوير قدرة رادعة مناسبة في زمن الحرب لمواجهة قدرة ميدانية معينة للعدو. وبعد انتهاء الحرب وانحسار التهديد من خلال قيام الأمم المتحدة بتفكيك برنامج العراق للأسلحة الكيماوية، تلاشت الحاجة لرادع الأسلحة الكيمياوية. وعلى النقيض من ذلك، نجد أن برنامج إيران النووي هو مشروع نفوذ مزدوج الاستخدام تأسس لكي يوفر لإيران خيار السلاح النووي، بالإضافة إلى كونه أمراً محورياً لهوية النظام وصورته الذاتية وتصوره لمكان إيران على خريطة العالم وطموحاته بتحويل الجمهورية الإسلامية إلى قوة إقليمية. ومع ذلك، فإن دراسة جهود إيران لتأسيس رادع من الأسلحة الكيمياوية خلال حربها من العراق يمكن أن تقدم لنا سياقاً متصلاً ببرنامجها النووي.

الإسلام وأسلحة الدمار الشامل. بدا أن فكرة وضع هواجس أخلاقية حقيقية بشأن الأسلحة الكيمياوية والنووية قد راقت لكبار رجال الدين في إيران بعد الثورة - أي آية الله الخميني وخامنئي - نظراً للطبيعة العشوائية التي من المحتمل أن تكون كارثية بسبب الضرر الذي يمكن أن تسببه. وقد يبدو من الغريب أن يبقى شيء من المراعاة للحدود الأخلاقية لدى الأشخاص الذين بإمكانهم إيقاع أقصى الأعمال الوحشية على المنشقين السياسيين أو الأقليات الدينية أو غيرهم من "أعداء الله"، إلا أن ذلك لا ينبغي أن يثير العجب. فالتاريخ حافل بالأمثلة على الأخلاقيات الانتقائية.

ومن منظور سياسي، قد يخلق المنطق الأخلاقي للنظام فرصاً (رغم كونها هزيلة) للتأثير على حسابات إيران بشأن تطوير الأسلحة النووية أو تخزينها أو نشرها أو استخدامها. إن امتلاك إيران لقدرات الأسلحة الكيمياوية وما يبدو من أنها نفذت أعمال تصميم لأسلحة نووية رغم الهواجس الأخلاقية المذكورة يؤكد على تطويع القيم الدينية لخدمة مصالح النظام والأمة. لذلك، بينما قد يضع الدين الإطار للجدل الدائر، إلا أنه لا يحسمه. ومن ثم، لا يمثل تخلي طهران عن الأسلحة النووية، حتى لو تمت صياغتها بمصلطحات دينية، أي بديل عن مراقبة أي اتفاق نووي مع إيران مراقبة صارمة.

الردع. تأسس برنامج إيران للأسلحة الكيميائية لخدمة غرض تكتيكي ضيق - وهو ردع العراق عن استخدام الأسلحة الكيميائية - وقد أخفق في هذا الصدد. فما هي الدروس التي تعلمتها إيران من هذه التجربة؟ هل استنتجت أن مجرد التهديد بالرد بالمثل (أو حتى الاستخدام المحدود - إذا كان ذلك هو ما حدث بالفعل) لا يكفي لردع خصم عازم؟ أم هل أن الأسلحة النووية تختلف تماماً عن الأسلحة الكيمياوية وأن التكاليف المحتملة للحساب النووي الخاطئ مرتفعة جداً، لدرجة أن الشكوك حول القدرات النووية الفعلية لإيران ستكون كافية لردع الخصوم المحتملين؟ إذا كان الأمر كذلك، فهل ستعتبر إيران أي رادع نووي "مؤجَل" أو "غير مسلح" باعتباره وضعية فعالة على المدى الطويل؟ أم ستشعر إيران بأنها مضطرة لتصنيع سلاح نووي واختباره من أجل القضاء على أي شك بشأن قدراتها وضمان فاعلية رادعها النووي؟ إن الماضي لا يوفر الكثير من الأدلة التي يمكن التعويل عليها هنا، كما أن هذا الموضوع يتطلب المزيد من البحث.

الإشارات والرسائل: قراءة طهران في واشنطن. هناك درس أساسي نتعلمه من تجربة الأسلحة الكيمياوية الإيرانية وهو مدى كون البيانات الصادرة عن المسؤولين في الحكومة الإيرانية، مؤشرات لا يعتمد عليها بشأن القدرات والنوايا الإيرانية الحقيقية - فهم غالباً ما يبالغون في وصف القدرات ويحرِّفون النوايا. وهكذا، على سبيل المثال: زعم المسؤولون الإيرانيون بأن الجمهورية الإسلامية تمتلك القدرة على الرد بالمثل على أي هجوم يُشن عليها بالأسلحة الكيمياوية وذلك بعد فترة قصيرة من تأسيس برنامجها للأسلحة الكيمياوية، وهددوا بالقيام بذلك إذا ما استمرت الهجمات العراقية بالأسلحة الكيمياوية. وفي الواقع أنه لو حدث وامتلكت إيران هذه القدرة، فمن المرجح أن ذلك لم يتم إلا في وقت متأخر نسبياً من الحرب.

ولا يزال تحدي تقييم قدرات طهران ونواياها قائماً في وقتنا هذا حيث تعكس العديد من البيانات الإيرانية انشغالاً باختلاق القصص وميلاً نحو تلبية احتياجات اللحظة - سواء بهدف إبهار الجماهير أو خلق نوع من التأثير أو حفظ ماء الوجه. ومن شأن ذلك أن يُعقّد جهود الولايات المتحدة المستقبلية لتقييم القدرات والنوايا الإيرانية والتمييز بين "الإشارات" و"الضوضاء" وتأسيس علاقة ردع مستقرة مع إيران.[1] وعلاوة على ذلك، إن تهديدات المسؤولين الإيرانيين بالقضاء على إسرائيل تسهم في خلق بيئة نفسية من شأنها أن ترجح وقوع حساب خاطئ.

النفسية السياسية مقابل الغايات العسكرية. كان الغرض من برنامج إيران للأسلحة الكيماوية هو الردع والقتال، ولذلك امتلكت إيران سياسة إعلانية مُعدّة جيداً بشأن استخدام الأسلحة الكيمياوية. ومع ذلك، لم يُعرف شيئاً تقريباً عن الذخائر وأنظمة التوصيل المتاحة لها، وترتيباتها للقيادة والتحكم، وعقيدة الأسلحة الكيمياوية الوليدة لديها.

وعلى النقيض من ذلك، فإن الغرض من البرنامج النووي الإيراني هو خدمة أهداف سياسية نفسية وأخرى عسكرية، لتعزيز القوة الناعمة والنفوذ السياسي فضلاً عن الردع والدفاع، على التوالي.[2] وإذا حاولت إيران في النهاية أن تحصل على القنبلة، فإن طريقتها للحصول عليها (سواءً سراً أو علناً) والغرض المزدوج لترسانتها النووية الوليدة من المحتمل أن يكون لهما تداعيات على نوع السياسة الإعلانية، وترتيبات القيادة والسيطرة، والعقيدة التي تتبعها. وعلاوة على ذلك، من المرجح أن يؤثر واقع امتلاكها لقوة صاروخية ضاربة - موزعة بين منصات إطلاق متنقلة ومطامير ثابتة - على تصور تشغيل جزء كبير من ترسانتها النووية الوليدة.

ونظراً للعديد من المكاسب السياسية النفسية التي تأمل إيران في الحصول عليها من خلال رادع "مؤجَل"، لذا ينبغي على الولايات المتحدة ألا تفترض حتمية سعي إيران لامتلاك أسلحة نووية. يتعيّن على واشنطن أن تسعى لتشكيل الحسابات التي يقوم عليها قرار طهران، حتى لو تعقدت هذه الجهود بسبب نقص المعلومات حول عملية اتخاذ القرارات في إيران ماضياً وحاضراً تجاه أسلحة الدمار الشامل.

الجهل والمعرفة والسياسة. من المثير للدهشة قلة ما يُعرف عن برنامج إيران للأسلحة الكيماوية وعملية اتخاذ القرارات بشأنه خلال فترة دامت ما يقرب من ثلاثين عاماً. وإذا كان يتوفر ما يكفي لاستخلاص استنتاجات واسعة النطاق بشأن هذا البرنامج ومسبباته الإستراتيجية، إلا أن العديد من التفاصيل الهامة المتعلقة به ومراحله ومعالمه الرئيسية ما يزال مفقوداً. هل لم ينتجوا سوى الخردل، أم أنتجوا عوامل أخرى معه أيضاً؟ هل تم تسليح أي من هذه العوامل؟ وإن حدث، فهل استخدموها؟ وإذا لم يحدث، فلم لا؟ ما هي عقيدة استخدام الأسلحة الكيمياوية الأولية التي كانت لدى إيران؟ وهل قامت إيران بنقل عوامل أو ذخائر كيماوية إلى ليبيا أو غيرها؟

إن ملء هذه الفجوات ليس مجرد اهتمام أكاديمي بل ينبغي أن يكون محل اهتمام سياسي كبير لصناع السياسة لأن الافتراضات المعيبة بشأن برامج أسلحة الدمار الشامل المعادية من المحتمل أن تؤدي إلى سياسات فاشلة؛ إن ذلك ينبغي أن يكون واضحاً بعد مضي أكثر من عقد على الغزو الأمريكي للعراق. وعلاوة على ذلك، إن انعدام الشفافية الذي أسهم في سير الأمور بهذه الطريقة هو من الأسباب الرئيسية لانعدام الثقة بين الولايات المتحدة وإيران، كما أنه من العقبات الكبرى أمام إقامة علاقات أفضل بين البلدين. وأخيراً، إن هذه الفجوات المعلوماتية تُمكّن الجمهورية الإسلامية من ضمان صدارة روايتها للأحداث، ومن هنا تخلق أجواء تساعدها بصورة أكثر على تحقيق أهدافها السياسية.

ولهذا السبب، فإن واشنطن بحاجة لفهم أعمق لأنشطة إيران النووية السابقة، بما في ذلك الأبعاد العسكرية المحتملة، إن كان النجاح سيُكتب لإجراءات بناء الثقة وإن كان سيمكن التوصل إلى صفقة دائمة. وبناء على ذلك، ينبغي على الولايات المتحدة ولـ مجموعة «دول الخمسة زائد واحد» أن تعطي الأولوية لجهود توضيح كافة المسائل العالقة بشأن البرنامج النووي الإيراني، وذلك خلال المفاوضات الجارية حالياً حول التوصل إلى اتفاق شامل طويل الأجل.

السياسات الداخلية، المخاطر/التكاليف، والعائق النووي. رغم الانطباع حول الإجماع الحاصل من الاستمرار في بعث الرسائل بشأن الاستخدام الانتقامي للأسلحة الكيماوية، هناك سبب يدفع إلى الشك في وجود درجة من النزاع الداخلي في هذه المسألة بين القيادة الإيرانية إبان الحرب مع العراق. ومن هنا يحتمل أن تكون إيران قد أنتجت كمية من العامل ولكنها لم تسلحها - أو لجأت إلى استخدامها بشكل محدود - في محاولة منها لإرضاء الفصائل المعارضة فضلاً عن ردع المزيد من الهجمات العراقية بالأسلحة الكيميائية مع تحاشي المخاطر التي قد يستتبعها الاستخدام واسع الانتشار. ومع ذلك، يبقى من غير الواضح ما إذا كانت هناك حقائق تدعم هذه الفرضية.

إن الذي يمكن قوله بنوع من الثقة هو أن مستقبل إيران النووي سوف يتحدد، إلى حد كبير، بطريقة حل النظام للصراع الداخلي المستمر بين الفصائل بشأن برنامج البلاد النووي. ففي حين أنه ربما يوجد فصيل على استعداد للعيش، على الأقل في الوقت الراهن، في ظل حدود وقيود تضمن بقاء إيران دولة واقفة على العتبة النووية في المستقبل المنظور، إلا أن هناك فصيل آخر سوف يفضل الحصول على برنامج غير مقيد يمكن إعادة تهيئته في وقت سريع لإنتاج أسلحة نووية فور اتخاذ القرار بذلك. وربما يكون هناك أعضاء من كلا الفصيلين يدعمون محاولات إحياء برنامج إيران السري الموازٍ للبرنامج الحالي - إن أمكن القيام بذلك دون أن يلتفت أحد إلى حدوثه.

ومن جميع الأسباب الموضحة هنا، لا يعتبر الاستنتاج بأن إيران سوف تصنع سلاحاً نووياً أمراً مفروغاً منه - على الأقل على المدى القريب - حتى لو أن هناك اعتبارات هامة سوف تدفعها بهذا الاتجاه على المدى الطويل. إن المخاطر المحتملة من محاولة تجاوز العتبة النووية واضحة بما يكفي للقيادة الإيرانية وهي من الأسباب الرئيسية لتحرك طهران ببطء وربما رغبتها في القبول بصفقة، على الأقل في الوقت الراهن، مع مجموعة «دول الخمسة زائد واحد» تحفظ لها قدرة تجاوز العتبة النووية بينما تؤجل فعلياً أي قرار حول هذا الموضوع إلى المستقبل البعيد. هناك تساؤل رئيسي عما إذا كان هؤلاء الراغبون في العيش في ظل حدود وقيود مؤقتة سوف يبقون مسيطرين وراضين عن حالة إيران كدولة واقفة على حدود العتبة النووية بمجرد رفع تلك الحدود والقيود.

لذلك، سوف يعتمد مسار البرنامج النووي الإيراني على عدة عوامل هي: توازن القوة بين الفصائل، والمخاطر والتكاليف المتصورة من محاولة تجاوز العتبة النووية، والأزمات المحتملة التي يمكن أن تغير بنود المفاوضات وحسابات قرارات طهران، ومدى اعتقاد قيادة البلاد بأن أي محاولة لإحياء برنامج إيران السري الموازٍ لبرنامجها النووي سوف يتم اكتشافها. وسوف تعتمد قدرة الولايات المتحدة على التأثير بشكل فعال على حسابات طهران النووية على قدرتها على تكوين فهم أكثر دقة لجميع هذه العوامل من خلال أعمال الاستخبارات والتفاعلات الدبلوماسية والتبادلات غير الرسمية والبحوث الأكاديمية. نأمل أن تُسهم هذه الدراسة بشيء ولو بسيط في تحقيق هذه الغاية، وتشجع إجراء بحوث إضافية حول هذا الموضوع.

 

مايكل آيزنشتات هو مدير برنامج الدراسات العسكرية والأمنية في معهد واشنطن.

 

[1] لا يتضح كيف يؤثر هذا النوع من عدم الاكتراث على الطريقة التي يرى بها المسؤولون الإيرانيون البيانات الصادرة عن القادة الأجانب. في ضوء ميل المسؤولين الأمريكيين إلى إصدار تحذيرات عابسة لا ينفذون ما يقولون بشأنها (مثل: أن تمتلك كوريا الشمالية سلاحاً نووياً "أمر غير مقبول" وأن استخدام سوريا للسلاح الكيماوي "له عواقبه") فإنه سوف يصعب الانفكاك عن الاستنتاج بأن هذه أيضاً عادة أمريكية.
 

[2]  بهذه الطريقة، يشابه البرنامج النووي الإيراني البرنامج النووي الهندي خلال أعوامه الأولى. راجع "ما الذي يجعل عقارب القنبلة النووية الهندية تدق؟" من كتاب "الهند النووية في القرن الحادي والعشرين" لجورج بيركوفيتش (George Perkovich): “What Makes the Indian Bomb Tick?” in Nuclear India in the Twenty-first Century, ed. D. R. Sar Desai and Raju G. C. Thomas (New York: Palgrave, 2002)، Palgrave, 2002)، الصفحات: 25–60.