أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المرصد السياسي 1414

قرار الأمم المتحدة رقم 1701: رؤية لبنانية

نيكولاس بلانفورد

متاح أيضاً في English

21 أكتوبر 2008


"هذا العدد من نشرة المرصد السياسي هو الجزء الثاني من سلسلة من ثلاثة أجزاء حول دراسة الوضع في لبنان بعد عامين من تطبيق قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701. تتزامن هذه السلسلة مع الذكرى السنوية الخامسة والعشرين لتفجير حزب الله ثكنات مشاة البحرية الأمريكية في لبنان في 23 تشرين أول/أكتوبر، 1983، وهو هجوم ما يزال حاضراً في أذهان صناع السياسة الأمريكية في لبنان وجميع أنحاء الشرق الأوسط".

«اقرأ نشرتي المرصد السياسي المرافقتين، "قرار الأمم المتحدة رقم 1701: رؤية إسرائيلية" و "قرار الأمم المتحدة رقم 1701: رؤية أمريكية».

بعد عامين من حرب صيف عام 2006، يواصل حزب الله وإسرائيل بالتظاهر بالولاء والاحترام لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701 بينما يركزان على الأعمال التحضيرية للجولة الثانية الحتمية من الصراع. ورغم أن حزب الله لم يشن عملية حدودية واحدة ضد إسرائيل منذ الحرب، أنشأت المنظمة الشيعية خطاً دفاعياً جديداً شمال نهر الليطاني واستكملت حملة تجنيد وتدريب وإعادة تسليح واسعة النطاق، لم يسبق لها مثيل من قبل. وفي الوقت نفسه، أظهرت إسرائيل استياءها من عجز كل من الأمم المتحدة والمجتمع الدولي عن وقف التعزيزات العسكرية لحزب الله.

تهريب الأسلحة

بعد أسبوع من انتهاء القتال في 14 آب/أغسطس، 2006، نُقل بأن السلطات التركية اعترضت خمس طائرات شحن إيرانية وطائرة سورية واحدة كانت تحمل أسلحة إلى حزب الله. ووفقاً لصحيفة تركية، شملت الأسلحة قاذفات صواريخ وشحنات من صواريخ C-802 المضادة للسفن، وهو السلاح نفسه الذي أعطب زورقاً صاروخياً إسرائيلياً في اليوم الثالث من الحرب. ورغم أنّ الحدود اللبنانية الشرقية مع سوريا هي الممر التقليدي لمرور الأسلحة إلى حزب الله، فقد ابتكر الحزب وسائل بديلة لشراء الأسلحة في حالة إغلاق الطرق البرية.

وفي أيلول/سبتمبر 2006، بعد شهر من انتهاء القتال، زعم الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، أنّ "المقاومة تمكنت من إعادة تسليح نفسها في غضون بضعة أيام وهي الآن أقوى مما كانت عليه في 12 تموز/يوليو،" أول أيام الحرب. وبكشفه عن تجديد القوة العسكرية للمنظمة، يكون نصر الله قد اعترف ضمناً بأن حزب الله كان يخرق القرار 1701، الذي تلزم الفقرتان 14 و15 منه الحكومة اللبنانية إلى تأمين حدودها ضد تهريب الأسلحة وتلزم الحكومات الأخرى بمنع بيع أو نقل الأسلحة والذخائر والمعدات "لكيانات أو أفراد" في لبنان.

وبالرغم من قيام الحكومة اللبنانية بنشر حوالي 8,000 جندي من القوات المسلحة اللبنانية على طول الحدود الشرقية، فإن بيروت ما تزال غير قادرة سياسياً على إغلاق الحدود بالكامل. وإنّ من شأن إغلاق الحدود إثارة رد فعل عكسي من قِبل سكان وادي البقاع الشرقي الفقراء وأغلبهم من الشيعة الذين يعتمدون على الحدود الوعرة لكسب العيش عن طريق تهريب السلع التجارية. وعلى هذا الاساس، فقد أبلغ فريق تقييم الحدود التابع للأمم المتحدة في تقرير المتابعة لشهر آب/أغسطس 2008، أنّ "الحدود الخضراء [أي المعابر غير النظامية] ما تزال قابلة للاختراق كما كانت خلال بعثة الفريق الأول [في عام 2007]."

التعزيزات العسكرية جنوبي الليطاني

إنّ الإستعدادات العسكرية لحزب الله شمال نهر الليطاني وفي وادي البقاع معروفة جيداً. فقد أُعلنت مساحات شاسعة من الأراضي في هذا الشريط الجبلي الممتد شمالاً من الليطاني إلى أطراف جبال الباروك كمنطقة محظورة. وأصبحت أصوات الانفجارات ونيران الرشاشات أمراً مألوفاً في أجزاء من وادي البقاع حيث يجري حزب الله تدريباته.

أما الأمر الأقل وضوحاً فهو مستوى الاستعدادات العسكرية لحزب الله بالقرب من الحدود الجنوبية. فبالرغم من أن الفقرة 8 من القرار 1701 تعيّن المنطقة الواقعة بين الخط الأزرق (خط الحدود الذي رسمته الأمم المتحدة عام 2000 بين إسرائيل ولبنان) ونهر الليطاني "منطقة خالية من أي أفراد مسلحين ومصادر قوى عسكرية وأسلحة" غير تلك التابعة للحكومة اللبنانية وقوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، فقد قيل إنّ حزب الله يجري استعدادات عسكرية سرية في المنطقة. ففي أواخر آذار/مارس، حاولت دورية مدرعة تابعة لليونيفيل إيقاف قاطرة زراعية تسير في القطاع الغربي من الحدود في ساعة متأخرة من الليل، لكنّ سيارتين وخمسة رجال مسلحين سدوا عليها الطريق، وسمحوا للقاطرة بالفرار بما تحمل من محتويات مجهولة. وفي أيار/مايو، واجه أفراد من قوة اليونيفيل مجموعة رجال تمد كابلات في القطاع الشرقي من المنطقة التابعة للقوة، حيث تعرضوا للهجوم بالحجارة، كما اعترضتْ سبيلهم سيارات عندما واجهوا مجموعة من الرجال يمدون الكابلات في القطاع الشرقي من منطقة إنتشار قوات اليونيفيل. يُفهم من ذلك أنّ الكابلات كانت جزءاً من شبكة اتصالات الألياف البصرية التابعة لحزب الله.

بعد حرب عام 2006، أهمل حزب الله معظم مخابئه النائية بالقرب من الحدود. أمّا تلك المخابئ التي حُدّد موقعها من قبل قوات اليونيفيل والقوات المسلحة اللبنانية، فيتم تفقدها بصورة دورية للتأكد [من خلوها] من أي نشاطات مجددة. ومع ذلك، لا أحد يعلم كم مخبأ وموقع إطلاق صواريخ ومراكز مراقبة لا تزال غير مكتشفة. وتزعم مصادر مدنية في جنوب لبنان أنّ حزب الله يواصل تموين بعض مخابئ أسلحته وتكديس مخزوناته الاحتياطية فيها ويكلف سكاناً محليين بمراقبتها لقاء أجر. ولا تزال منطقة الحدود عنصراً هاماً من مكونات خطة حزب الله القتالية في حرب محتملة مع إسرائيل، حتى لو أعادت المنظمة انتشارها على خط الجبهة شمالي الليطاني. ويعمل حزب الله الآن في تكتم قرب الحدود بدافع من المصلحة السياسية ولتحاشي إحراج القوات المسلحة اللبنانية المسؤولة عن أمن المنطقة.

هذا وقد قدّم مؤخراً الشيخ نعيم قاسم، نائب الأمين العام لحزب الله، تأييداً فاتراً بما يتعلق باحترام الحزب لقرار 1701، قائلاً في مقابلة تلفزيونية إنّ حزب الله كان من البداية على "توافق تام" مع القرار، واضاف "نعتقد أننا قد نفذناه." وبالرغم من التأييد الفاتر للقرار 1701، تبقى الخلاصة نفسها بالنسبة لحزب الله: أنه لن يعرقل برنامج التحضير للمواجهة القادمة مع إسرائيل بسبب مراسيم فرضت من قبل مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة.

الغضب الإسرائيلي

اشتكت إسرائيل مراراً لدى الأمم المتحدة واليونيفيل بشأن المزاعم عن تهريب الأسلحة عير الحدود اللبنانية-السورية واعترضت على إعادة بناء حزب الله لبنيته التحتية العسكرية في جنوب لبنان. لكن مع ذلك، تصر قوات اليوينيفيل على أنها لم ترَ ما يؤيد المزاعم الإسرائيلية. وكما نُقل عن قائد اليونيفيل اللواء كلاوديو غراتزيانو أنه أبلغ مسؤولي وزارة الخارجية الإسرائيلية في منتصف أيلول/سبتمبر، "ليس لدى اليونيفيل دليل على عمليات حزب الله جنوبي الليطاني، وإنْ كانت لدى إسرائيل مثل هذه المعلومات الاستخبارية، فلترسلْها إلينا على الرحب والسعة." وتأكيداً لخيبة أمل إسرائيل من الأمم المتحدة، نُقل عن وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك أنه أبلغ جلسة لمجلس الوزراء في أوائل آب/أغسطس إنّ القرار 1701 "لم يحل المشكلة، وأنه فاشل،" بالنظر إلى أنّ سوريا وإيران قد نقلتا "ذخائر وصواريخ وغيرها من منظومات الأسلحة" إلى لبنان.

ومع ذلك، كان من المحتمل أن تجد إسرائيل آذاناً صاغية أكثر من قبل الأمم المتحدة لو كفّت عن الانتهاكات الخاصة بالقرار المذكور. لقد مضت سنتين، وما يزال الجنود الإسرائيليون يقومون بدوريات في القسم اللبناني من قرية الغجر الواقعة على الخط الأزرق. وتحاول اليونيفيل التوسط لإخراج إسرائيل من الجانب اللبناني من قرية الغجر، ولكن دون نجاح حتى الآن.

كما تواصل الطائرات الإسرائيلية انتهاك المجال الجوي اللبناني بصورة شبه يومية، وهو خرق كثير ما يستشهده حزب الله. وقد ذكر التقرير الأخير للأمم المتحدة حول القرار 1701، أنّه في نيسان/إبريل وأيار/مايو سجلت قوات اليونيفيل في المتوسط أكثر من عشرين خرقاً جوياً في اليوم، من ضمنها اثنان وسبعون انتهاكاً ارتكبتها طائرات بدون طيار في يوم واحد فقط. وبما أنّ إسرائيل تدعي باستمرار أنّ عمليات التحليق توفر لها معلومات استخبارية حيوية ويجب أنْ تستمر ما دام حزب الله يهرّب الأسلحة إلى لبنان، فمن غير المرجح أن تُوقف إسرائيل هذه العمليات في المستقبل القريب.

وبالإضافة إلى ذلك، وعلى الرغم من المناشدات المتكررة من قبل الأمم المتحدة، ترفض إسرائيل تسليم بيانات قصف القنابل العنقودية في حرب عام 2006. إن من شأن تلك المعلومات أن تساعد في الجهود المبذولة لإزالة ما تبقّى من الذخائر الصغيرة غير المتفجرة، التي تسببت حتى الآن في وقوع أكثر من ثلاث مائة إصابة.

الخلاصة

بالنظر إلى ما حدث في لبنان في السنتين الماضيتين -- في الأرض والجو على حد سواء -- يبدو أن حزب الله وإسرائيل سوف يواصلان خرق، وعدم احترام، قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701. فقد أعطيت الأولوية – من قبل كلا الطرفين – للإستعدادات للجولة الثانية الحتمية من الصراع على الامتثال لقرار الأمم المتحدة.

نيكولاس بلانفورد

نيكولاس بلانفورد صحفي مقيم ببيروت ومتابع قديم لحزب الله. وهو مؤلف كتاب "قتل السيد لبنان" (الناشر I.B. Taurus، 2006)، وصف حادثة اغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري عام 2005.