أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المرصد السياسي 1679

السياسة الأمريكية تجاه «حزب الله»: مسألة التعاطي

آش جين

متاح أيضاً في English

14 يوليو 2010


قبل حوالي أربع سنوات شنت إسرائيل حملة عسكرية في لبنان رداً على هجوم سافر قام به «حزب الله» ضد جنودها. ووفقاً لمسؤول إسرائيلي كان الهدف من تلك العملية: "القضاء على قدرات «حزب الله»". بيد، لم تنجح الحرب ولا الجهود الدبلوماسية الأمريكية اللاحقة التي كانت تهدف إلى إضعاف المجموعة. ويبدو أن البعض في إدارة أوباما يرى الآن أن التعاطي المباشر هو خيار يستحق الدراسة. ومع ذلك، فإن التواصل مع «حزب الله» في الوقت الذي تكون فيه المجموعة مُشجعة سياسياً وعسكرياً سيكون عبثاً لا طائل من ورائه بل ربما يأتي بنتائج عكسية.

الجهود الحالية

منذ انتهاء حرب عام 2006، سعت الولايات المتحدة لمواجهة «حزب الله» بالتقدم على ثلاثة محاور سياسية رئيسية: إنهاء نقل الأسلحة، ونزع السلاح، وتحقيق سيطرة كاملة للحكومة اللبنانية على أراضيها (أي إنهاء كون «حزب الله» "دولة داخل دولة"). ولا يزال نهج واشنطن لتحقيق هذه الأهداف متطابقاً إلى حد كبير خلال إدارتي الرئيسين بوش وأوباما على حد سواء.

أولاً: استمرت الولايات المتحدة في دعمها لـ «تحالف 14 آذار» السياسي الذي عارض وضع «حزب الله» كميليشيا مسلحة. ثانياً: أنفقت واشنطن مبالغ كبيرة من المال لتعزيز قدرة الحكومة اللبنانية بتخصيصها أكثر من 600 مليون دولار كمساعدة أمنية بالإضافة إلى 500 مليون دولار أخرى كمساعدة لبرامج مدنية منذ عام 2006. ثالثاً: عززت الولايات المتحدة جهودها لتشويه صورة المجموعة وتقييد أنشطتها المالية من خلال توسيع قائمة المرتبطين مع «حزب الله» المصنفين وفق نظام التصنيف الصادر بالقرار التنفيذي رقم 13224. وأخيراً سعت واشنطن لتقليل الدعم الشعبي لـ «حزب الله» من خلال الضغط بدرجات متفاوتة لتسوية الشكاوى العالقة بما في ذلك الطلعات الجوية الإسرائيلية، والسيطرة على قرية الغجر ومزارع شبعا.

ويبدو أن هذه الجهود قد بدأت تؤتي ثمارها في حزيران/يونيو 2009، عندما فشل التحالف السياسي لـ «حزب الله» في الحصول على مقاعد الأغلبية في الإنتخابات البرلمانية. بيد، لم تُترجم الهزيمة الإنتخابية للمجموعة إلى تقليص قوة «الحزب» السياسية. بل على العكس من ذلك، فبعد حصوله على صيغة "الثلث المعطل" المؤثر في التشكيل الوزاري، ثبَّت «حزب الله» نفوذه وعزز شرعيته كحركة مقاومة مسلحة. إن «تحالف 14 آذار» قد تمزق تقريباً، ويقف الآن «حزب الله» كأقوى حركة فاعلة "مشابهة لدولة" في المنطقة، ويملك ترسانة عسكرية أكبر حجماً وأكثر تطوراً، ويتمتع بنفوذ سياسي أعظم من أي وقت مضى منذ تأسيسه.

حدود التعاطي

في الوقت الذي يدرك فيه دعاة التعاطي حدود السياسة الأمريكية الحالية، يؤكدون أن الوقت الحالي هو المناسب لاتباع أسلوب بديل. وفي أيار/مايو المنصرم، اقترح نائب مستشار الأمن القومي الأمريكي جون برينان أن التواصل مع عناصر معينة من «حزب الله» يمكن أن يؤدي إلى اعتدال المجموعة إيديولوجياً. ووفقاً لتقارير وسائل الإعلام طرح مؤخراً تقييم مسرب لـ "الفريق الأحمر" التابع لـ «القيادة المركزية الأمريكية» خطاً مماثلاً من التفكير. وعلى الرغم من أنه لا يبدو أن تعليقات برينان (التي تم التراجع عنها منذ ذلك الحين) وبحث «القيادة المركزية الأمريكية» على حد سواء، يعكسان إعادة نظر رسمية في السياسة الأمريكية، إلا أنهما يشيران إلى أن الإهتمام بهذا الخيار آخذ في الإزدياد.

ومع ذلك، تعتمد مثل هذه الحجج على افتراضين مضللين بصورة أساسية. أولاً: إن استعداد «حزب الله» للمشاركة في العملية السياسية غالباً ما يتم الاستشهاد به كدليل على تراجع «الحزب» عن دعائمه القائمة على العنف. وفي الواقع، لا تزال المجموعة ملتزمة -- كما كانت دائماً -- بدورها كحركة مقاومة مسلحة. وفي بيانها الرسمي الذي تم تحديثه ونشره في عام 2009، والذي اعتبره بعض المراقبين كعلامة على الإعتدال، أعاد زعيم «حزب الله» حسن نصر الله التأكيد على رفضه لإسرائيل ("نحن نرفض رفضاً قاطعاً أية تسوية مع إسرائيل أو الإعتراف بشرعيتها") كما أعلن أن المقاومة هي "ضرورة وطنية" مستمرة.

ويظل الإرهاب والعنف والتخويف الأصول الإستراتيجية الرئيسية لـ «حزب الله»، ليس فقط ضد إسرائيل بل أيضاً ضد دولة لبنان نفسها. فاستيلاء المجموعة في أيار/مايو 2008 على بيروت قد حطم [تلك] الخرافة بأنها لن تستخدم الأسلحة ضد الشعب اللبناني. وعلاوة على ذلك، لو صدقت الشكوك المثارة حول حكم المحكمة الخاصة بلبنان حول تورط «حزب الله» في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري، فإنها ستوضح أن «حزب الله» لا يجد غضاضة/ليس لديه أي هواجس في تحويل مهاراته الحاذقة في الاغتيالات القاتلة ضد خصومه السياسيين المحليين. وتسعى المنظمة أيضاً إلى استمالة القوات المسلحة اللبنانية لكي تعمل كذراع للمقاومة، كما تبدو المجموعة مصممة على استخدام أية وسيلة ضرورية لبسط سيطرتها على الدولة.

والفرضية الثانية الخاطئة هي أن «حزب الله» قد تراجع عن عدائه التاريخي تجاه الولايات المتحدة. وعلى الرغم من أن المجموعة كانت حريصة في السنوات الأخيرة على تجنب أي استفزاز مباشر، إلا أنها ظلت متمسكة بتحدي الولايات المتحدة ومصالحها في المنطقة. وقد أعاد بيانها لعام 2009 التأكيد على أسس المجموعة المعادية للولايات المتحدة، التي أوجزت لأول مرة في عام 1985، مما يوسع نطاق مبررات المقاومة كرد على "الإرهاب" الأمريكي وخططه "للهيمنة على الدول (العربية والإسلامية)، سياسياً واقتصادياً وثقافياً وفي جميع المجالات".

وثمة أدلة قليلة على أن نصر الله أو أي شخص حوله يسعى إلى تغيير التوجه الاستراتيجي لـ «حزب الله» أو فك تحالفه الوثيق مع إيران وسوريا. ولن يؤدي التعاطي الأمريكي إلا إلى المصادقة على القدرات المتزايدة للمنظمة، والتعزيز من شرعيتها المحلية والدولية. وسوف يزيد أيضاً في إضعاف ما تبقى من الحكومة المنتخبة ديمقراطياً والموالية للغرب في بيروت. وعلى نطاق أوسع، سيشير مثل هذا التحول الجوهري في السياسة، إلى عزم واشنطن المتناقص عن مواجهة الإرهاب وتقويض موقفها القائم منذ مدة طويلة ضد مكافأة الجماعات الإرهابية على أفعالها.

نهج أكثر صرامة

ينبغي على المسؤولين الأمريكيين التطلع إلى تكثيف الجهود الرامية إلى تقييد أنشطة «حزب الله»، والحد من نفوذه المزعزع للإستقرار، بدلاً من السعي للتعاطي مع المجموعة. وعلى الرغم من أن زيادة الضغط على «حزب الله» قد يثير رد فعل [سلبي] عنيف، إلا أن المنظمة ستزيد فقط من قوتها، وتتحرك بصورة أقرب نحو أهدافها الطويلة المدى، ما لم يتم اتخاذ إجراءات متضافرة ضدها. ومن شأن اتباع نهج أكثر صرامة أن يشمل الإجراءات التالية:

زيادة الضغط على سوريا وإيران: لكي تتم زيادة تكاليف الدعم لـ «حزب الله»، ينبغي على الولايات المتحدة شن حملة لفرض عقوبات من قبل الأمم المتحدة على سوريا بسبب انتهاكاتها الواضحة لقرار مجلس الأمن رقم 1701 الذي يحظر نقل الأسلحة إلى «حزب الله». وبالمثل، ينبغي على واشنطن أن تضغط من أجل فرض عقوبات على إيران لانتهاكها قرار رقم 1747 حول حظر نقل الأسلحة. (وقد أحيلت ثلاثة انتهاكات إلى لجنة عقوبات تابعة للأمم المتحدة لكن بدون إجراءات متابعة). إن قيام مثل هذه الحملة من شأنه أن يساعد أيضاً على إضفاء الشرعية على الضربات الجوية المحتملة ضد المنشآت السورية على طول الحدود اللبنانية إذا ما استمر نقل صواريخ «سكود» أو غيرها من الأسلحة المتطورة [إلى «حزب الله»].

تحديد دور «حزب الله» في الحكومة: ينبغي على المسؤولين الأمريكيين أن يبدؤوا النقاش مع حلفائهم في لبنان والمنطقة فيما يتعلق بشروط استمرار مشاركة «حزب الله» في حكومة الوحدة الوطنية، على غرار مبادئ "اللجنة الرباعية الدولية حول الشرق الأوسط" المفروضة على «حماس». إن مثل هذه الشروط يمكن أن تشمل نبذ العنف، واتخاذ خطوات ملموسة نحو نزع السلاح، والإعتراف بسلطات الحكومة اللبنانية. ورغم أن المبادرة بمثل هذه النقاشات ربما لا يكون لها أي تأثير فوري، إلا أن بإمكانها أن تساعد على إعادة ترتيب التوقعات فيما يخص الدور المستقبلي لـ «حزب الله» في الحكومة وتؤدي إلى إعادة النظر في هذه القضية في اللحظة السياسية الآنية التالية (على سبيل المثال، إذا قامت المحكمة الخاصة بإصدار لوائح اتهام ضد نشطاء «حزب الله»).

تقوية الشيعة المستقلين: سيتطلب إضعاف «حزب الله» كسر الإحتكار الذي يتمتع به «الحزب» وحلفائه على المجتمع الشيعي في لبنان. ينبغي على إدارة أوباما أن تبني على جهود الإدارة السابقة للوصول إلى نشطاء الشيعة المستقلين، وأن تعزز قدرتهم على تشكيل حركة سياسية بديلة. فعلى سبيل المثال، بإمكان واشنطن أن تسهل الإتصال بجهات تمويل، وتشجع [قيام] روابط أقوى بين الشيعة المعتدلين في لبنان، والعراق، وغيرهم في المنطقة.

تعزيز التنسيق مع الحلفاء: مع تصاعد التوترات بين إسرائيل و«حزب الله»، ينبغي على الولايات المتحدة المبادرة بإجراء مشاورات مع إسرائيل -- وبصورة منفصلة، مع الحلفاء العرب الذين يشاركونها نفس القلق مثل مصر والأردن والسعودية -- لوضع الأساس العملي لاتباع أسلوب دبلوماسي مشترك في حالة نشوب صراع بين الطرفين. ينبغي على واشنطن أن توضح بأنها ستقف إلى جانب إسرائيل لو وجدت الأخيرة نفسها مضطرة إلى التحرك والعمل ضد القدرات العسكرية لـ «حزب الله»، لكنها ستسعى أيضاً إلى الحد من الإجراءات التي يمكن أن تقوض الحكومة أو القوى الموالية للغرب في لبنان.

الخاتمة

في الوقت الذي كان مساعد وزير الخارجية الأمريكية جيفري فيلتمان يدلي بشهادته أمام الكونغرس الأمريكي في الشهر الماضي، أكد بأن الولايات المتحدة "لن تتعامل مع، أو [ليس] لديها أي اتصال مع" «حزب الله». ونظراً لعدم جدوى هذا الإتصال، فإن ذلك هو موقف سليم [ينبغي] الحفاظ عليه. وربما يستحق التفكير في اتباع سياسة التعاطي في وقت معين في المستقبل، عندما يكون قد تم إضعاف المجموعة، وتبدو مستعدة عندئذ لقبول تسوية يكون لها مغزى. ولكن، حتى ذلك الحين، فإن اتباع أسلوب أكثر شمولاً ومفعماً بالحيوية لمواجهة توسع نفوذ «حزب الله»، من شأنه أن يخدم مصالح واشنطن على نحو أفضل.

آش جين هو عضو سابق في فريق تخطيط سياسة وزارة الخارجية، ويعمل الآن زميل زائر في معهد واشنطن.