أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المرصد السياسي 2235

السياسة الأمريكية والمأزق الإسرائيلي الفلسطيني

دينس روس

متاح أيضاً في English

7 نيسان/أبريل 2014


Audio: U.S. Policy and the Israeli-Palestinian Impasse

"في 4 نيسان/أبريل 2014، خاطب دينيس روس، روبرت ساتلوف، وديفيد بولوك منتدى سياسي في معهد واشنطن. والسفير روس هو مستشار وزميل مميز في زمالة "ويليام دافيدسون" في المعهد، وقد خدم في إدارة أوباما كمدير أقدم للمنطقة الوسطى في مجلس الأمن القومي الأمريكي. وفيما يلي ملخص المقرر لملاحظاته؛ وسيتم نشر ملاحظات السيدان ساتلوف وبولوك بشكل منفصل."

 

في عام 2013، تطلع وزير الخارجية الأمريكي جون كيري إلى المنطقة فرأى اضطرابات هائلة، وتوصل إلى نتيجة مفادها أن آخر ما تريد الولايات المتحدة فعله هو النفخ في نيران هذه الاضطرابات. ومن وجهة نظره أنه طالما ظل هناك مستوى معين من الاستقرار بين الإسرائيليين والفلسطينيين، فإن مهمة واشنطن هي البناء على ذلك الاستقرار والتأكد من عدم ضياعه. ورأى أيضاً أن علاقاته الشخصية مع زعيمي كلا الجانبين تمنحه القدرة على التوصل إلى اتفاق.

السعي نحو إطار للمبادئ [في محادثات السلام]

سمع الوزير كيري من كلا الزعيمين في وقت مبكر أن أياً منهما ليس لديه أي اهتمام بالتوصل إلى ترتيبات مؤقتة. وبعد وقوفه على عدم إمكانية التوصل إلى اتفاق إطاري، بدأ يركز على "إطار المبادئ" الذي سوف يخلق صورة واضحة حول كيفية حل القضايا الجوهرية المتعلقة بالحدود والأمن - كما سيعمل، إلى درجة أقل من التحديد، على توفير توجيهات لحل قضايا اللاجئين والقدس.

وفي الصيف الماضي تمكن من حمل كلا الجانبين على استئناف المحادثات الثنائية، لكنها لم تكن مثمرة. ونتيجة ذلك، أصبح هو وفريقه، برئاسة مارتن إنديك، أكثر انخراطاً تدريجياً في التعامل مع كلا الطرفين. وقد تطرقت مناقشات كيري بعمق إلى جميع القضايا الأساسية؛ وكان هدفه من ذلك هو تحديد أن قبول المبادئ الإطارية، مع بعض التحفظات المصاحبة لها، سوف يوفر الأساس لمفاوضات مفصلة. وقد أثمرت جهوده عن إجراء مناقشات، هي الأكثر جدية وتفصيلاً حول القضايا الأساسية منذ عام 2000، والتي أحدث خلالها على ما يبدو بعض التقدم.

غير أن الفجوات ظلت حقيقية. وفي الواقع أنه بعد أن أطلع كيري رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس على الإطار الذي كان يعمل على إعداده، أعرب الفلسطينيون علانية عن عدم استعداد عباس لقبول الإطار موضع البحث. وفي ظل الجهود الأخيرة لرأب تلك الفجوات، واجه كيري وفريقه أيضاً القضية الصعبة المتمثلة في إطلاق سراح المزيد من السجناء.

مواجهة مشكلة بشأن إطلاق سراح سجناء في الدفعة الرابعة

يمثل السجناء الفلسطينيون المحتجزون منذ ما قبل اتفاقات أوسلو عام 1994 مشكلة كبيرة منذ فترة طويلة. وفي الصيف الماضي استأنفت واشنطن المفاوضات حول هذه القضية، وافق خلالها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على فعل ما لم يفعله أي من سابقيه: إطلاق سراح هؤلاء السجناء على أربع دفعات. وقد أدت الدفعات الثلاث الأولى، التي شملت سجناء فلسطينيين فقط، إلى تعكير السياسات الإسرائيلية؛ وكانت الدفعة الأخيرة ستشمل إطلاق سراح عرب إسرائيليين، وهي مسألة يصعب تقبلها على المستوى الداخلي. وفي النهاية، لم تتمكن إسرائيل من قبول احتمال إطلاق سراح سجناء الدفعة الأخيرة دون وجود ضمانات بشأن استمرار الفلسطينيين في المفاوضات إلى ما يتجاوز التزامهم المحدد لشهر نيسان/أبريل. وفي غضون ذلك، أراد عباس أن تكون [إسرائيل] على علم بأنه يرغب في الاستمرار في العملية رغم إشارته إلى أنه لا يستطيع قبول إطار كيري في وضعه الحالي. ومن أجل القيام بذلك، طلب إطلاق سراح المزيد من السجناء وإعطاء بعض التأكيدات حول المستوطنات الإسرائيلية.

وقد عملت واشنطن مع كلا الجانبين من أجل صياغة حزمة للتغلب على هذه المشاكل والحفاظ على استمرار العملية. وبموجب هذا الترتيب، تقوم إسرائيل بتنفيذ الدفعة الرابعة بإطلاقها سراح سجناء فلسطينيين فضلاً عن عدة مئات إضافيين، وتوافق أيضاًعلى وجود قيود على النشاط الاستيطاني. وفي المقابل، يوافق عباس على إطالة أمد عملية التفاوض على الأقل حتى نهاية هذا العام ويحجم عن الذهاب إلى الأمم المتحدة أو السعي إلى الانضمام إلى المنظمات والمعاهدات الدولية.

وقد عكس المنطق القائم وراء هذه الحزمة نمطاً غالباً ما لوحظ في المفاوضات السابقة وهو: يُطلب من إسرائيل اتخاذ خطوات تعتبرها صعبة للغاية، بينما ترى أن ما يفعله الفلسطينيون في المقابل غير كافٍ، ومن ثم تتدخل واشنطن لعرض تعويض لا يستطيع الفلسطينيون قبوله. وتجعل الجهود الأمريكية من التحركات الإسرائيلية ممكنة، مما يثمر بدوره شيئاً لصالح الفلسطينيين ويضع عليهم التزامات. على سبيل المثال، كثيراً ما أثار الإسرائيليون قضية جوناثان پولارد، الجاسوس المسجون في الولايات المتحدة منذ عام 1987 - فمن وجهة نظرهم، إن إطلاق سراح بولارد يقلل من الصعوبة السياسية في اتخاذ خطوات معينة في عملية السلام.

تقييم الحزمة الأمريكية

منذ أن تم الإعلان عن الحزمة الأمريكية تتعرض هذه إلى الهجوم من اليمين واليسار، وغالباً ما يحدث ذلك في ظل معايير ضيقة. بيد ينبغي على المرء أن يرى أن المنطق وراءها يستند على معايير أوسع نطاقاً. أولاً، إن كان الوزير كيري قد حقق فعلاً تقدماً حقيقياً كما يعتقد، فمن المعقول إذن الحفاظ على ذلك التقدم بدلاً من تركه يضيع عن طريق السماح بانهيار العملية.

ثانياً، توجد أهمية للسياق الإقليمي. نظراً للغليان الشعبي القائم في أماكن أخرى في منطقة الشرق الأوسط، هل لدى واشنطن الرغبة الفعلية في إضافة احتمالية نشوب اضطرابات حقيقية بين الإسرائيليين والفلسطينيين؟

هناك معيار ثالث يتمثل في النظرة الأوسع للسياسة الخارجية الأمريكية. فنظراً للتطورات الدولية الراهنة، تحتاج واشنطن لإظهار مؤشرات حقيقية على فعاليتها وقوتها، وليس على عدم فعاليتها. كما أن حدوث انتكاسة كبيرة أخرى الآن من الممكن أن يؤثر على طريقة تعامل حكومات أخرى مع الولايات المتحدة.

نحو الخروج من المأزق

نظراً لأن الموعد النهائي للإفراج عن الدفعة الرابعة الذي كان مقرراً في 29 آذار/مارس قد انقضى وتجاوزه الزمن، اتخذ عباس خطوات تشير إلى أن هذا الالتزام لا يمكن تجاهله - في الوقت الذي كان يواجه ضغوطاً كبيرة وتحديات علنية لقيادته -  وقام بتوقيع أوراق الانضمام إلى خمس عشرة اتفاقية دولية. وردت إسرائيل بصورة سلبية، برفضها الإفراج عن المعتقلين الفلسطينيين في نطاق الدفعة الأخيرة. ومع ذلك، لا تزال الأطراف تجتمع في لقاءات ثنائية وثلاثية، وتشير إلى أنها تفكر جدياً في ما إذا كانت هناك طريقة للخروج من هذا المأزق. وفي المرحلة القادمة، يتطلب من جميع الأطراف مراعاة التدابير التالية:

الخيار الأول: إنقاذ الحزمة

على واشنطن النظر أولاً فيما إذا كان لا يزال بالإمكان إنقاذ الحزمة الحالية. وللخروج من هذه الأزمة، بإمكان الفلسطينيين تعليق جهودهم الرامية إلى الانضمام إلى الاتفاقيات الخمسة عشر، في حين يمكن لإسرائيل المضي قدماً في الإفراج عن الدفعة النهائية.

الخيار الثاني: دعوة الأطراف للجلوس على مائدة المفاوضات في واشنطن

إذا كان الخيار الأول غير مجدي، يمكن أن يقوم الوزير كيري بإرسال خطاب يحدد المبادئ التي تعتبر بمثابة شروط مرجعية ودعوة الزعيمين لإرسال فرق إلى واشنطن للتفاوض على الأساس الذي يتمسك به كل منهما. فإذا ما وافق الجانبان ببساطة على تلبية دعوة الولايات المتحدة، فبإمكانهما الابتعاد عن الشروط مع الحفاظ على بعض الغطاء السياسي. ولجعل هذا النهج أكثر جدوى، يمكن لواشنطن الحديث عن خطوات متزامنة يمكن لكلا الجانبين اتخاذها لخلق مناخ أفضل لإنجاح هذه المفاوضات. وهذا ليس جديداً، فلقد استخدمت الولايات المتحدة هذا الأسلوب من قبل مع درجات متفاوتة من النجاح. بيد أن هناك جانباً سلبياً محتملاً يتمثل في أنه لو استجاب الإسرائيليون والفلسطينيون للدعوة كتابة، فمن المرجح أن يحددوا مواقف يكون من الصعب التراجع عنها لاحقاً.

الخيار الثالث: عرض "التقدير الأمثل" من قبل الولايات المتحدة بشأن كيفية حل الصراع الدائر

بإمكان كيري أن يعلن أيضاً أنه بعد شهور من بذل جهود جادة بكافة المقاييس، فإنه سيقدم "تقديره الأمثل" بشأن متطلبات حل القضايا الأساسية، على الأقل من حيث المبدأ. وسيقول البعض إن هذه خطوة إيجابية، لأنها ستوضح أن واشنطن بذلت قصارى جهدها ووضعت مجموعة من المعايير التي يمكن الاعتماد عليها في وقت لاحق. فإذا لم يكن الجانبان على استعداد لقبول التقدير الأمثل من جانب واشنطن في هذه المرحلة - والذي يبدو مرجحاً - فإن ذلك سوف يعتبر أساساً كاستراتيجية انسحاب.

وبدلاً من ذلك، إذا كان الجانبان لا يريدان الإعلان عن هذه المبادئ الأمريكية على الملأ كونها معايير جديدة لتسوية الصراع، فبإمكان كيري استخدام هذا الخيار سراً كتكتيك لإعادتهما إلى الحزمة الحالية. غير أن الشيء الوحيد الذي لا يستطيع المرء أن يفعله في هذه المفاوضات هو الخداع. بمعنى آخر،على واشنطن أن تكون على استعداد للتعامل مع جميع التبعات - فإذا ما قدمت تقديرها الأمثل سراً ورفضه كلا الجانبين، فيمكن أن تكون النتيجة حدوث المزيد من الانهيارات. وبمجرد انسحاب الولايات المتحدة [من الوساطة]، سيتم ملء الفراغ الناشئ من خلال اتخاذ خطوات سلبية تنافسية تبرز الأسوأ لدى كل جانب.

الخيار الرابع: التنسيق الأحادي لاستعادة الثقة في حل الدولتين

يمكن أن تعمل واشنطن أيضاً بشكل منفصل مع كل جانب، وليس كجزء من المفاوضات الثنائية الجارية. وبالإمكان تحقيق ذلك بصورة أيسر من التوصل إلى اتفاق رسمي. ومن مشاكل الجهود الحالية أنها لم تسع إلى تبديد حالة الريب العميق وعدم الثقة الكبيرة المحيطة بالمفاوضات. وفي حين أنه يمكن استرداد الثقة، إلا أنه من الصعب استرداد الإيمان واليقين عند فقدهما. واليوم يشكك كل جانب في التزام الطرف الآخر بحل الدولتين. وفي المقابل، يمكن للولايات المتحدة وضع جدول أعمال محدد يتضمن خطوات يتعيّن على كل جانب اتخاذها لإثبات التزامه تجاه الطرف الآخر.

على سبيل المثال، يمكن لإسرائيل أن تتعهد ببناء المستوطنات في الكتل الاستيطانية الرئيسية فقط. ويمكنها كذلك فتح "المنطقة ج" من الضفة الغربية أمام النشاط الاقتصادي الفلسطيني. ومن جانبهم، يمكن للفلسطينيين أن يتحدثوا عن فكرة "دولتين لشعبين". فإذا لم يتمكنوا من الحديث عن "دولة يهودية"، فبإمكانهم التحدث عن الواقع التاريخي لاثنين من الحركات القومية التي تتنافس على نفس المساحة من الأرض. إن الحديث عن الشعب اليهودي وحقه في تقرير المصير في جزء من فلسطين التاريخية لا ينفي الرواية الفلسطينية أو ينفي حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير.

ويمكن للخطوات الأحادية الجانب أن تشمل أيضاً عملية "إعادة انتشار إضافية" ثالثة للتواجد الإسرائيلي في الضفة الغربية - وهو من شروط اتفاقية أوسلو التي لم يتم تنفيذها مطلقاً. وإذا وافقت إسرائيل على تلك الخطوة، فبإمكان واشنطن أن تطلب من الفلسطينيين تقديم ضمانات في المقابل لمعالجة المخاوف الإسرائيلية. فهذه الخطوة وغيرها من الخطوات يمكن أن تساعد في منع الانهيار والاضطرابات الجديدة مع توجيه الأطراف في اتجاه أكثر مواتاة.

لا يوجد خيار آخر سوى حل الدولتين

يدعو البعض إلى بديل يقوم على حل الدولة الواحدة - ولكن لا يوجد مكان واحد في الشرق الأوسط تعيش فيه هويتان وطنيتان منفصلتان في سلام داخل نفس الدولة. إن الحل الوحيد هو "دولتان لشعبين". ففي النهاية، يجب على الطرفين إيجاد طريقة للعودة إلى هذا الحل. ويبقى السؤال هو كيفية إدارة العملية بطريقة لا تجعل انعدام الثقة والنزوع إلى الشك يصوغان المستقبل، على نحو يزيد بشكل بالغ من صعوبة القيام بما هو ضروري في نهاية المطاف.

 

أعد هذا الملخص هاري ريس