أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المرصد السياسي 2092

هل ستؤثر الاحتجاجات الدائرة في تركيا على سياستها الخارجية؟

سونر چاغاپتاي و جيمس جيفري

متاح أيضاً في English

19 حزيران/يونيو 2013


"في 13 حزيران/يونيو 2013، خاطب سونر چاغاپتاي وجيمس إيف. جيفري منتدى سياسي في معهد واشنطن. والسيد جيفري هو زميل زائر مميز في زمالة فيليب سولوندز في المعهد وسفير الولايات المتحدة السابق لدى تركيا (2008-2010) والعراق (2010-2012). والدكتور چاغاپتاي هو مؤلف الكتاب الذي صدر مؤخراً باللغة الانكليزية "صعود تركيا: القوة المسلمة الأولى في القرن الحادي والعشرين"، وزميل باير فاميلي ومدير برنامج الأبحاث التركية في المعهد. وفيما يلي ملخص المقرر لملاحظاتهما."

 

سونر چاغاپتاي

يتطلب الفهم الدقيق للاضطرابات التي وقعت مؤخراً في تركيا الابتعاد عن الكثير من المفاهيم الخاطئة بشأن طبيعة هذه الاحتجاجات. أولاً: لا تُشير المظاهرات إلى حدوث انزلاق في دعم "حزب العدالة والتنمية" الحاكم. إذ تدل معظم التقديرات على أن حوالي 50 في المائة من الشعب التركي ما زال يدعم هذا الحزب. ثانياً: لا يقتصر الأمر على كونه ظهوراً آخر للانقسام العلماني- الإسلامي الذي كان محوراً للعديد من المعارك السياسية التركية في السنوات الأخيرة. فرغم أن معظم المحتجين هم من العلمانيين، إلا أن احتشادهم ليس بشأن العلمانية في حد ذاتها، ولكن حول درجة الديمقراطية في تركيا.

وعلاوة على ذلك، يبدو أن هذه الديناميكية الجديدة سوف تستمر. فقد اكتشف أعضاء هذه الحركة أن لهم قوة عددية وأنه يمكنهم مواصلة المظاهرات، ويرجع ذلك في الغالب إلى تكنولوجيات وسائل التواصل الاجتماعي. وفي الواقع، تمثل هذه الاحتجاجات أول حركة سياسية شعبية ضخمة على الأراضي التركية. ففي الماضي، لم تكن تبلغ الحركات الشعبية مثل هذه الدرجة الهائلة، حيث غالباً ما كان يُصنف المحتجون المعارضون للأحزاب الإسلامية في إطار تنازلي وحيث كان الجيش لاعباً له قدر من الأهمية.

وفي هذا السياق، يعتبر "حزب العدالة والتنمية" ضحية نجاحه. إذ من خلال السياسات الاقتصادية الحكيمة لهذا الحزب ظهرت أغلبية من الطبقة الوسطى في المجتمع التركي. فباتت لهذه الكتلة الاجتماعية الجديدة مطالب شديدة الارتباط بالطبقة الوسطى، فهي تدعو إلى الحصول على الحقوق الفردية وحرية الإعلام والحق في التجمع والحماية البيئية، والأهم من ذلك كله تنادي الحكومة بأن تلتفت إلى الأصوات المتباينة.

ربما تُحْدِث المعارضة الناشئة في تركيا تعقيداً في الأجندة السياسية لرئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان إذا ما قرر مثلاً أن يمضي قدماً نحو إعادة صياغة الدستور وتحويل الديمقراطية البرلمانية في البلاد إلى نظام رئاسي. وقد وضع الرئيس عبد الله جول نفسه بالفعل كشخصية غير حزبية، بدعمه حق المتظاهرين في التجمع ومشيراً إلى أن "الديمقراطية ليست مجرد الفوز في الانتخابات."

يبدو أن أردوغان سوف يواجه الموقف بتعزيز احتفاظه بالناخبين اليمينيين في تركيا الذين يمثلون أكثر من 60 في المائة من جمهور الناخبين. أما الأطياف العلمانية والليبرالية واليسارية داخل المعارضة فتجعل هذه الاستراتيجية ممكنة، إذ لن تقف الكتلة اليمينية -- التي تتراوح بين الفصائل من يمين الوسط إلى الإسلاميين -- أبداً على أرض مشتركة مع هذا المعسكر. ويقيناً فقد ضاق بعض المحافظين ذرعاً بشخصية أردوغان، ولكنه سوف يبقى على الأرجح في منصبه إذا ما التزم برسالته ألا وهي "ربما لا يعجبكم أسلوبي، ولكن هل أنتم حقاً تفضلون اليساريين والعلمانيين؟". وحتى إن احتشد المحافظون خلف راية "حزب العدالة والتنمية" فإن ذلك سوف يكون أكثر سهولة نظراً لانتشار الصور التي تُظهر التخريب والعنف الصادر عن أقصى اليسار في "ميدان تقسيم".

إن إعادة تقويم الاتجاه اليميني لأردوغان سوف يؤثر أيضاً على ما يبدو على السياسة الخارجية لـ "حزب العدالة والتنمية"، خصوصاً إذا لجأ رئيس الوزراء إلى التحركات الشعبوية في الخارج التي تروق للمشاعر القومية والمؤيدة للتيار الإسلامي. على سبيل المثال: ربما تجعل أنقرة من الاتحاد الأوربي كيساً توجه إليه اللكمات البلاغية أو تبدأ بالترويج لقضايا تتعلق بقبرص وأرمينيا. كما أنها سوف تهدئ على ما يبدو من سرعة التقارب مع إسرائيل إلى سرعة السلحفاة. أما بالنسبة لسوريا، فرغم أن معظم الأتراك لا يؤيدون بشار الأسد، إلا أنهم أصيبوا بالتوتر بفعل سياسة أنقرة تجاه النظام، وهم يرون أنها قد عرَّضت تركيا لمخاطر وتكاليف باهظة. ومن ثم، فمن المرجح أن يتجه أردوغان نحو موقف مدروس بشكل أكبر ألا وهو -- القيادة من مؤخرة الصفوف.

وعلى النقيض من ذلك، من غير المرجح أن تتأثر علاقة تركيا بالولايات المتحدة كثيراً من هذه الاضطرابات. إن تعريض العلاقات مع واشنطن للخطر له تكلفة باهظة لا يقوى أردوغان على سدادها، وسوف تساعد علاقته القوية مع أوباما في تبديد أية مخاوف تظهر من انتقاد الولايات المتحدة لسلوك أنقرة. ومع ذلك، فربما لا يقوى أردوغان على مقاومة مقدار معين من توبيخات أمريكا في الوقت الذي يبدأ فيه موسم الانتخابات.

 

جيمس إيف. جيفري

على الرغم من الانتقادات الكثيرة المبررة الموجهة لتركيا في الآونة الأخيرة، لا ينبغي للمرء أن ينسى أنها دولة ديمقراطية. وفي الواقع، هناك جوانب معينة في رد الحكومة على حالة الاضطراب لا تكاد تختلف عما نراه في أوروبا والولايات المتحدة. فالغاز المسيل للدموع يعتبر أمراً عادياً في قمم "صندوق النقد الدولي" و"مجموعة الثماني"، بينما في دول مثل ألمانيا جرت العادة منذ أمد بعيد على مواجهة المظاهرات العنيفة بالقوة العضلية لرجال الشرطة. إن حملات القمع المفرط تُعد خطئاً أينما كانت، ولكن تركيا ليست وحدها في هذا السياق.

وبالطبع، تختلف تركيا عن الديمقراطيات الأخرى من حيث درجة ردها وطبيعته في مواجهة الاحتجاجات الحالية -- ويوضح استخدام القوة ضد المظاهرات السلمية في "حديقة جيزي" ما أشرنا إليه. والدول الغربية محقة في انتقادها لخطاب أردوغان المصطبغ بالمواجهة في بلاده والذي يزيد حدة الاستقطاب بين الناس. ولكن لا ينبغي أن نغالي في وقع هذه الحوادث على المشهد السياسي التركي. ففي السياسات الأمريكية على سبيل المثال، كان من اللطيف أن يتم تقديم الدعم يوماً للحركات المناهضة للحكومة في أواخر الستينات، وأن ظهور هذه المجموعات وجاذبيتها أعطى انطباعاً بأنها سوف تكون قوة ضاربة تقلب الموازين في البيت الأبيض والكونغرس. بيد، لم تحسب تلك التوقعات حساباً لـ "الأغلبية الصامتة" الضخمة في أمريكا التي لم يلتف إليها أحد، الأمر الذي أسفر عن منح ريتشارد نيكسون نصراً مدوياً في الانتخابات الرئاسية عام 1972.

وبالمثل، بينما من المألوف دعم محتجي "جيزي"، إلا أنهم لا يحظون بأغلبية انتخابية تتناسب مع ذيوع صيتهم. وكنتيجة لذلك، فإن القاعدة الكبيرة من المحافظين في تركيا -- التي كانت في معظمها غائبة عن الحركة -- قد تلعب دوراً أقرب إلى ذلك الذي مثلته الأغلبية الصامتة التي صوتت لصالح نيكسون.

وعلى الرغم من الدراما الدائرة، فإن تركيا -- التي يتوجب على واشنطن التعامل معها في العامين القادمين -- سوف تشبه كثيراً تركيا قبل عام مضى، بما في ذلك بنود السياسة الخارجية. وتعول واشنطن كثيراً على أنقرة في المساعدة في حماية مصالح الولايات المتحدة في المنطقة. إذ أن تركيا تعتبر موازِناً ضمنياً للقوة الإيرانية وقد نمى هذا الدور في الوقت الذي تقف فيه أنقرة في وجه الامتياز الطهراني في سوريا، حيث لا يمكن للولايات المتحدة أن تعمل بطريقة بناءة دون مشاركة تركيا. وبالمثل، فإن إيجاد سياسة أمريكية- تركية مشتركة بشأن العراق هي الطريقة الوحيدة لتدارك تفتت تلك الدولة تحت وطأة الضغط الخطير من الأزمة السورية.

ولكن قد يكون لاحتجاجات تركيا ضرر أكبر على الجبهة الاقتصادية. فالاقتصاد التركي يقوده قطاع تصدير قادر على المنافسة على المستوى العالمي إلى جانب الصناعات الأخرى التي يجب أن تدخل ميدان المنافسة في الأسواق العالمية (السياحة على سبيل المثال). ولا تبيع تركيا الهيدروكربونات أو المواد الخام، بل أشياء ترتبط جاذبيتها ارتباطاً مباشراً بصورة الجاذبية العامة التي تتمتع بها كمجتمع. كذلك فإن الاستقطاب المحلي والنهج القاسي الذي تتبعه الحكومة يهددان ديناميكية الاقتصاد. وتسعى تركيا إلى أن تكون اقتصاداً سهلاً ومرناً لا يعتمد على الصناعات الثقيلة ولكنه يتطلب قدرة إبداعية تنطلق بحرية بنفس ما حصل في وادي السيليكون. ويستحيل توفر هذه الظروف دون السماح بأنماط حياة مختلفة تزدان بها المساحة العامة. إن "النموذج الصيني" لن يقدم لتركيا نمواً طويل الأجل، وإذا فقد الاقتصاد ديناميكيته فسوف يتعين تقليص حجم السياسة الخارجية لأنقرة تبعاً لذلك.

وأخيراً، إن التداعيات الدبلوماسية من الاحتجاجات سوف تبلغ ذروتها على الأرجح عند إعادة ضبط التوقعات في كل من أنقرة والغرب. ومن المرجح أن تُسترجع التوقعات الأوربية المبالغ فيها بشأن الازدهار الديمقراطي التركي إلى عالم الواقع، حيث يعيد المراقبون تصنيف البلاد بالتوازي مع ديمقراطيات نامية مثل تلك الموجودة في أمريكا الجنوبية وشرق آسيا. فهذه المجتمعات مثل تركيا، مرت بعقود من التطور السياسي المضطرب واستغرقت وقتاً حتى تكتسب جميع ما يلزم لإقامة ديمقراطيات متقدمة بشكل كامل.

ومن جانبها تحتاج أنقرة إلى إعادة ضبط طريقة تفكيرها. فخلال الاحتجاجات، تشبث "حزب العدالة والتنمية" بمبدأ سيادة الدولة باعتباره ضماناً مطلقاً في وجه الانتقاد الغربي، بغض النظر عن مدى تعارضه مع الأسس الديمقراطية السائدة. ويلزم أن تتغير هذه السلوكيات إذا كانت تركيا بصدد أن تكون عضواً في النادي الحصري للدول الديمقراطية. على حكام تركيا أن يدركوا أنه لا جدوى من انتظارهم دخول هذا النادي إذا ما ظلوا انتقائيين بشأن القواعد التي يتبعونها حينما يتعلق الأمر بالاستمساك بأعلى معايير الحوكمة الديمقراطية.

 

أعد هذا الملخص المقرر تايلر إيفانز.