أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

President Obama and Turkish Prime Minister Erdogan converse.

المرصد السياسي 2018

صعود تركيا: تحديات وتوقعات للإدارة الأمريكية الجديدة

سونر چاغاپتاي, روس ويلسون, و جيمس جيفري

متاح أيضاً في English

18 كانون الثاني/يناير 2013


في 14 كانون الثاني/يناير 2013، شارك سونر چاغاپتاي، روس ويلسون، وجيمس إيف. جيفري في منتدى سياسي في معهد واشنطن. والدكتور چاغاپتاي هو زميل "باير فاميلي" ومدير برنامج الأبحاث التركية في المعهد، ومؤلف التقرير الجديد باللغة الانكليزية "تركيا الجديدة والسياسة الأمريكية". والسيد ويلسون هو مدير مركز "دينو باتريسيو أوروآسيا" في المجلس الأطلسي وسفير الولايات المتحدة السابق لدى تركيا (2005-2008) وأذربيجان (2000-2003). والسيد جيفري هو زميل زائر في معهد واشنطن وسفير الولايات المتحدة السابق لدى تركيا (2008-2010) والعراق (2010-2012). وفيما يلي ملخص المقرر لملاحظاتهم.

 

سونر چاغاپتاي

تغير الكثير في تركيا بعد أحد عشر عاماً من حكم «حزب العدالة والتنمية». وفي السابق، كانت الائتلافات الحاكمة الهشة هي السائدة، وعادة ما كانت تنهار بعد بضع سنوات. لقد ظل حكم «حزب العدالة والتنمية» قائماً فترة طويلة متمتعاً بالثبات، الأمر الذي سمح له إحداث تحول في البلاد على الصعيدين السياسي والاجتماعي. فلم تعد تركيا علمانية على النحو الذي توخى لها مؤسسها، مصطفى كمال أتاتورك: فقد نفذ الدين الآن إلى الحكومة والسياسة والتعليم. كما أن «حزب العدالة والتنمية» أعاد تشكيل الهوية السياسية العالمية للبلاد. ففي الماضي، اعتبر الأتراك أنفسهم جزءاً من أوروبا، لكن شاء القدر أن تكون هذه القطعة من الأرض مجاورة للشرق الأوسط. واليوم، أعاد الأتراك رسم صورة لأنفسهم كجزء من عالم الشرق الأوسط، لكن مع أواصل تربطهم بأوروبا.

إن هذه التغيرات الجذرية قد قسمت أيضاً الشعب التركي إلى معسكرات مستقطَبة، فقرابة 35 في المائة من السكان يعارضون بقوة «حزب العدالة والتنمية»، فضلاً عن وجود انقسامات حادة أخرى بين الأكراد والقوميين الأتراك.

لكن هناك أيضاً الكثير من الأخبار السارة عن تركيا. فقد تضاعف حجم اقتصادها ثلاث مرات على مدار العقد المنصرم وهو يلحق بركب العديد من الاقتصاديات الأوربية، حيث أن التنوع التجاري هو الذي قاد جزئياً هذا النمو. فالشركات التركية تغزو [مراكز تجارية] خارج أسواقها التقليدية في أوروبا لكي تحوز على انتشار عالمي حقيقي. بيد، أن الانكماش الاقتصادي العالمي وأزمة منطقة اليورو قد سلطا الضوء فقط على ميزات هذا المنحى.

لقد كان الاستقرار السياسي عاملاً أساسياً آخر لتحقيق النمو الاقتصادي. فعلى سبيل المثال، يلجأ الكثير من كبار الأثرياء في الدول المجاورة غير المستقرة إلى تركيا كملاذ لحماية أصولهم. ولهذا السبب، تنمو تركيا بسبب كونها أكثر استقراراً من دول أخرى في المنقطة، الأمر الذي يؤدي إلى فوز «حزب العدالة والتنمية» في الانتخابات بسبب هذا النمو. أما الجانب السلبي لهذه الصورة فيتمثل في عجز الحسابات الكبير في تركيا ومعدل البطالة المرتفع اللذان قد يُنذران بتسبب أزمة اقتصادية حادة ومضطربة في الأعوام القادمة؛ ولكن في الوقت الراهن، يزداد النمو الاقتصادي ازدهاراً.

وقد نجحت تركيا أيضاً في بناء قوة ناعمة خارج أراضيها، حيث نمت أعمالها التجارية حسب الاعتراف الدولي، وقامت حركة "مدرسة غولن" بتصدير الثقافة التركية إلى جميع أنحاء العالم. وبالمثل، وسعت وزارة الخارجية التركية تمثيلها الدبلوماسي بشكل كبير، كما انضمت أنقرة إلى العديد من المحافل الإقليمية والدولية.

إلا ان تركيا تدرك بأنه ليس من السهل تحويل هذه القوة الناعمة إلى قوة خشنة، وقد كان هذا الإدراك محور ارتكاز سياسة أنقرة الخارجية على مدار العامين الماضيين. إن الأزمة الحاصلة في سوريا والعداء مع إيران قد ذكَّرت تركيا بأهمية الاستعانة بشريك قوي مثل حلف شمال الأطلسي للأغراض الدفاعية. وباقتباسي مقارنة مما سبق أن قاله السفير جيمس جيفري فإن تركيا تشبه اليابان في هذا الصدد: فكلتا الدولتين تتمتعان باقتصادات كبرى وقوة ناعمة؛ إلا أنهما لا تستطيعان العمل دون إطار أمني خارجي يمتاز بالصلابة. وتوضح هذه الحقيقة -- مقرونة بالتاريخ الطويل المتمثل باستنساخ النموذج الغربي -- سبب عدم تمكن تركيا من سلخ ردائها الغربي، كضمادة تُلصق وتُنزع.

وللحفاظ على تقدمها، يجب على تركيا أن تحل صراعاتها الداخلية. ويمكنها أن تفعل ذلك جزئياً من خلال صياغة مسودة لدستور ليبرالي ديمقراطي حقيقي يتيح مساحة لكافة المجموعات من خلال استخدام صياغة غير متحيزة دينياً ترحب باليهود والمسيحيين وتستوعبهم كمواطنين متساوين. يتعيّن على أنقرة أيضاً أن تعيد دراسة كيفية استغلال مؤهلاتها الغربية. فإن كانت تريد حقاً قيادة العالمين العربي والإسلامي فعليها أن تُثبت أنها أكثر من مجرد "يَمَن ثرية" (أي أن تكون أمة مزدهرة مسلمة لا تضيف ثمة قيمة حقيقية إلى الأمن الإقليمي). فروابط تركيا الغربية -- وعلى وجه الخصوص وصولها إلى أطر العمل التجهيزية والأمنية لمنظمة حلف شمال الأطلسي -- يمكن أن تمهد الطريق لمثل هذه الجهود.

إن هذه أخبار سارة لواشنطن. ففي الأعوام الماضية، كان صناع السياسة الأمريكية يندبون حظهم بسبب احتياج واشنطن لتركيا أكثر من احتياج الأخيرة لواشنطن. بيد لم يعد ذلك صحيحاً بعد الآن؛ فأسس بناء علاقة مترابطة حقاً باتت واضحة للعيان في التكوين الجغرافي- السياسي الحالي.

ومع ذلك، ينبغي على واشنطن أن تعي أيضاً لبوادر تلوح من الصراع السوري وتُنبّئ بتحوله إلى اختبار جهد للعلاقات الأمريكية التركية. فإذا ما سادت أسوأ السيناريوهات في البلد المجاور، فقد يمثل ذلك خطراً على أمن تركيا الداخلي واستقرارها الاقتصادي. كما أن امتداد الاضطرابات من سوريا يمكن أن يضر أيضاً بطموح رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان بأن يصبح رئيساً للبلاد بعد إعادة صياغة صلاحيات المنصب. ونتيجة لذلك، تريد أنقرة معالجة مسألة الأزمة السورية الآن، في حين تفضل واشنطن انتهاج سياسة أكثر تعقلاً.

 

 روس ويلسون

في سياق جيل واحد، نمت تركيا من اقتصاد حجمه 70 مليار دولار إلى أكثر من 700 مليار دولار. وقد جلبت التغيرات الاقتصادية الجذرية تحولاً ديمغرافياً واجتماعياً أيضاً، بما في ذلك تسارع وتيرة التمدين بشكل كبير. وقد كان «حزب العدالة والتنمية» المستفيد السياسي الرئيسي من هذه التحولات نظراً لأنه الحزب الوحيد الذي يمتلك الأجندة التي تتحدث عن تركيا الجديدة.

ويقيناً، إن هذه التحولات لها حدودها. فالنمو الاقتصادي في تركيا لم يقلل من معدل البطالة وما زال نظامها التعليمي قديم الطراز. كما أن القضية الكردية لا تزال تمثل مشكلة، وهو الأمر بالنسبة لمكانة المرأة. وهذه القيود تضعف فكرة الدولة المتحولة.

ومع ذلك، فتركيا هي أكثر ثقة اليوم مما كانت عليه منذ عقود، ويصر شعبها الآن على أن يكون لها دور خارجي أكبر. ولكن هناك نتيجة طبيعية هامة تصاحب هذه الحيوية، وهي أن: طموحات تركيا غالباً ما تفوق قدراتها. وهذا هو السبب وراء تعويل أنقرة مجدداً على علاقاتها التقليدية. وعلى وجه الخصوص، أصبحت العلاقات الأمريكية- التركية أفضل من أي وقت مضى. ففي السابق، كانت الروابط البينية بين الجيشين بمثابة حبل الدعم الرئيسي للعلاقة، الأمر الذي عقّد الجهود الرامية لفتح باب الحوار بين المسؤولين المدنيين على المستوى المتوسط. واليوم، تستند العلاقات الثنائية على إطار الدبلوماسية الأكثر حداثة، وليس على مجرد الشؤون العسكرية.

وفي المرحلة اللاحقة، فإن لتركيا مصلحة عامة في تعزيز الاستقرار في المنطقة، وتستلزم هذه الضرورة تحقيق الاعتماد المتبادل والتكامل مع الولايات المتحدة. ولكي يتم تحقيق هذا الهدف المشترك، على واشنطن أن تدعم الحوار مع الأتراك بشأن سوريا إلى غير ذلك من الأمور الإقليمية. وهذا التنسيق يسير الآن بشكل جيد، ولكن تغير المسؤولين خلال الفترة الانتقالية ما بعد الانتخابات في واشنطن قد يتسبب في بعض الخلل. يجب على كبار القادة في الإدارة الأمريكية الجديدة منح الأولوية للحفاظ على عمق هذه العلاقة.

 

جيمس إيف. جيفري

يأتي صعود تركيا في المنطقة مصحوباً بقيدين. أولاً، لا ينبغي المبالغة في تحول سياسة أنقرة الخارجية نظراُ للدرجة الكبيرة من الاستمرارية التي لوحظت على نهجها تجاه المنطقة على مر السنين. ثانياً، أن طموح تركيا بأن تصبح قوة إقليمية سوف يعني مصارعة الكثير من المعضلات ذاتها بالغة الصعوبة التي واجهها أصحاب الطموحات السابقون. وبناء على ذلك، من المرجح أن تقيد أنقرة تركيزها نحو الجنوب القريب.

إن مكانة تركيا التي تحظى باهتمام واسع تعتبر ذروة سنام عقود من التنمية الاقتصادية والسياسية. فمعظم ما نعتبره "جديداً" في تركيا اليوم يرجع في الواقع إلى أجندة الإصلاح التي قام بها الزعيم السابق تورغوت أوزال خلال الثمانينات. وفي المعنى نفسه، إن أجندة الشرق الأوسط  التي تتبعها البلاد تسبق فترة وزير الخارجية أحمد داود أوغلو. وفي الواقع، كانت لتركيا دائماً مصالح مترسخة في دول الجوار، قائمة في المقام الأول على تعزيز الأمن وإمكانية الوصول إلى مصادر البترول.

ومن جانبها، دأبت الولايات المتحدة في البحث عن قوى إقليمية تكون راعية للنظام العالمي، لكن غالباً ما كانت هذه الصيغة بعيدة المنال. فنجاح دولة في القيام بدور قوة إقليمية هو من الأمور الصعبة نظراً لأن هناك قلقاً متزايداً ينتباب الدول المجاورة من تلك الأطراف الفاعلة وهي تسعى لإحباط طموحات تلك الجهات. وقد اكتشفت صربيا هذا الأمر في التسعينيات، بينما تكتشكف إيران ذلك حالياً. وتحاول تركيا الآن تولي هذا الدور، إلا أن مهمتها أكثر تعقيداً من أي وقت مضى نظراً لأن روابطها مع الشرق الأوسط ضعيفة نسبياً مقارنة بصلاتها الواسعة مع الغرب.

يبدو أن تركيز تركيا على دول الجوار يتيح الفرص للولايات المتحدة للانخراط بشكل مباشر في الأشهر المقبلة. ففيما يتعلق بالعراق، يجب على واشنطن أن تراقب عن كثب تنامي روابط تركيا مع المنطقة الكردية من أجل تقليل النزاعات حول ملكية النفط.  وفي الشأن السوري، يتعين على واشنطن أن تولي اهتماماً وثيقاً للأشكال المحددة المتمثلة بالتدخل بشكل أكبر في هذه الأزمة. إن ذلك يتطلب فهماً أعمق لمناطق التلاقي والاختلاف في رؤى أنقرة وواشنطن بشأن مستقبل سوريا.

 

أعد هذا الملخص المقرر تايلر إيفانز.