أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

صفحات رأي ومقالات

تركيا وإسرائيل: إمكانية لبداية جديدة؟

سونر چاغاپتاي و تايلر إيفانز

متاح أيضاً في English

سي إن إن غلوبل پبليك سكوير

31 أيار/مايو 2012


صادف يوم الخميس الذكرى السنوية الثانية لحادث أسطول الحرية الذي وقع عام 2010 وأدى إلى أزمة في أعالي البحار تدهورت على إثرها العلاقات التركية الإسرائيلية بشكل سريع.

وفي أعقاب الحادث، استدعت تركيا سفيرها وطالبت باعتذار من إسرائيل إلى جانب دفع تعويضات للنشطاء التسعة القتلى. بل ذهبت أنقرة إلى حد الإعلان عن أن سفنها الحربية سترافق البعثات المستقبلية إلى غزة.

وقد تعثرت محاولات رأب الصدع بشأن قضية الاعتذار الإسرائيلي. ومع عدم استعداد تركيا قبول أي شيء يكون أقل من الاعتذار الكامل، وعدم استعداد إسرائيل حالياً لتلبية هذا الطلب، يبدو أن الطرفين يواجهان مأزقاً حقيقياً.

بيد أنه تحت السطح لا تعد الأمور قاتمة تماماً فيما يتعلق بالعلاقات التركية الإسرائيلية. والشيء الجدير بالملاحظة أن العلاقات الاقتصادية بين البلدين تشهد حالة من الازدهار.

فقد انطلقت العلاقات الاقتصادية بين تركيا وإسرائيل في أواخر التسعينيات من القرن الماضي كجزء من حالة تلاقي استراتيجي متنامي. وقد تعززت التبادلات التجارية وتعمقت بفضل سلسلة من الاتفاقات الثنائية التي فتحت الأسواق التركية والإسرائيلية على بعضها البعض. وتشمل الاتفاقيات الجديرة بالملاحظة إبرام اتفاقية التجارة الحرة (1996) واتفاقية منع الازدواج الضريبي (1997)، واتفاقية الاستثمار الثنائي (1998). وقد بشّرت هذه الاتفاقيات بعصر من تحسن العلاقات السياسية والاقتصادية. فقد شهدت التجارة قفزة من 449 مليون دولار في عام 1996 لتتجاوز 2.1 مليار دولار في عام 2002. وقد استمرت هذه الوتيرة الاستثنائية مع زيادة التجارة الثنائية بمتوسط 14.6% سنوياً، خلال الفترة من 2002 إلى 2008.

والمفاجئ أن الأزمة الدبلوماسية لم تُترجم إلى أزمة اقتصادية. فلتأخذ على سبيل المثال المقاطعة التي أعلنت عنها سلاسل المتاجر الإسرائيلية العديدة في أعقاب حادث أسطول الحرية. فرغم التأكيدات من جانب متاجر التجزئة هذه، ظلت الصادرات التركية من منتجات الخضروات ثابتة منذ عام 2007، كما تضاعفت صادرات الأغذية المجهزة والمشروبات والتبغ بين 2007 و2011. وخلال الفترة من 2010 إلى 2011، شهدت التجارة زيادة بنسبة 30.7%، متجاوزة بشكل كبير النمو الحاصل أثناء أوج تحسن العلاقات التركية الإسرائيلية.

ورغم ذلك فإن العلاقات في مجال الدفاع قد تضررت بشدة. ففي أعقاب حادث أسطول الحرية، جمدت تركيا ما لا يقل عن اثني عشر مشروعاً دفاعياً مع إسرائيل، بما في ذلك اتفاق بقيمة 5 مليار دولار [لشراء] دبابات ومبيعات قيمتها 800 مليون دولار لطائرات دوريات وطائرة رادار للإنذار المبكِر.

ورغم هذه الاضطرابات يبدو أن العلاقات الاقتصادية ستتعمق بشكل أكبر على المدى الطويل.

فأولاً وقبل كل شيء، لا تزال كافة الاتفاقيات التجارية والاستثمارية آنفة الذكر سارية المفعول بقوة. وثانياً، لا يبدو أن أياً من الطرفين متحمس لإعاقة اتجاه التجارة الثنائية المزدهرة. ففي أعقاب حادث أسطول الحرية، أعلن رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان عن نيته قطع كافة العلاقات مع إسرائيل، بما في ذلك العلاقات التجارية. لكن أنقرة قامت سريعاً بتصحيح ذلك البيان، وأضافت بأنه لن يتم خفض العلاقات التجارية. وعلى نحو مماثل، عندما أعلن بيت استثماري إسرائيلي عن خططه للخروج باستثماراته من تركيا، حث رئيس "غرفة التجارة الإسرائيلية" الشركات على الإحجام عن اتخاذ أي إجراءات من شأنها أن تضر بالعلاقات التجارية بين تركيا وإسرائيل.

إن التردد المتبادل تجاه قطع العلاقات التجارية أمر مفهوم، لا سيما في ضوء المناخ الاقتصادي العالمي. ففي النهاية، يدين كلا البلدين بالكثير من نموهما خلال السنوات الأخيرة إلى ازدهار الصادرات التي بيعت حصة كبيرة منها في الأسواق الأوروبية. وهذا يعني أن كلا البلدين معرض للتأثر بتراجع التعافي الاقتصادي الأوروبي. ومن شأن تعزيز العلاقات التجارية الثنائية أن يعوض بعضاً من ذلك التراجع، لا سيما على الجانب الإسرائيلي، حيث شكلت تركيا سادس أكبر سوق للصادرات الإسرائيلية في عام 2011، ويمكن أن ترتقي مع استمرار ضعف الأسواق التقليدية الإسرائيلية.

كما تمثل إسرائيل أهمية بالنسبة لتركيا. فمن حيث الأحجام، فإن السوق الإسرائيلية صغيرة، لكنها تمثل فرصاً هائلة للمنتجين الأتراك للارتقاء في سلسلة القيمة. ففي آذار/مارس، صنّفت "رابطة الصناعة والأعمال التركية" إسرائيل باعتبارها شريكاً استثمارياً محل أولوية، حيث أكدت على مميزات الربط بين الأرض والعمالة التركية مع الاقتصاد الإسرائيلي المبتكر. ويمكن العثور على مثال كاشف لهذه الاحتمالات في مدينة بورصة، حيث تقوم شركات التصنيع التركية بتجميع السيارات الكهربائية كجزء من مشروع مشترك مع شركة "بيتر پليس" الإسرائيلية. وبفضل هذا المشروع تُنتِج تركيا حالياً سيارتها الكهربائية الأولى باستخدام التقنية التي لم يكن من السهل على الأتراك تطويرها بمفردهم.

وهناك أيضاً زاوية سياسية يمكن أن تبشر بخير فيما يتعلق بالعلاقات الثنائية. ففي الوقت الذي تواجه فيه إسرائيل شرقاً أوسطياً أكثر تقلباً، يرى بعض الإسرائيليين أنه من الأفضل لهم إعادة بناء العلاقات مع تركيا حتى وإن كان ذلك لا يعني العودة إلى سنوات شهر العسل من فترة التسعينيات. وفي غضون ذلك، تواجه تركيا انتفاضة شعبية في سوريا حيث هناك احتمالات بأن تنتقل عبر حدودها. وإلى جانب العلاقات المتردية مع العراق، ناهيك عن المنافسة الإقليمية ضد إيران، يشير هذا إلى أن إسرائيل ربما لا تكون الهدف الأكثر أهمية.

يبدو أن هناك احتمالات لبداية جديدة بين تركيا وإسرائيل. وحتى إذا استمر تباعد البلدين حول بعض القضايا السياسية الرئيسية، إلا أن كليهما يبدو مستعداً بشكل سري لليوم الذي يستطيعان فيه رأب العلاقات مرة أخرى. وكما هو الحال دائماً، فإن العلاقات السياسية تتبع المال.

 

سونر چاغاپتاي هو مدير برنامج الأبحاث التركية في معهد واشنطن. تايلر إيفانز هو مساعد باحث في البرنامج.