أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

صفحات رأي ومقالات

حان الوقت لإنهاء التحريض الفلسطيني

ديفيد بولوك

متاح أيضاً في English

فاذُم

خريف 2013


لا تزال وسائل الإعلام الرسمية التابعة للسلطة الفلسطينية تبث صور وأفلام لفتيات تنشدن بأن اليهود هم "أبناء القردة والخنازير"، ولا تزال تُلقي بالثناء الغفير على الإرهابيين الفلسطينيين الذين أُدينوا باغتيال مدنيين إسرائيليين - حتى مع بدء محادثات السلام الإسرائيلية الفلسطينية مرة أخرى. ومن أجل بدء هذه المفاوضات وافقت إسرائيل على إطلاق سراح 100 من هؤلاء السجناء؛ ولكن السلطة الفلسطينية تواصل تمجيدهم باعتبارهم أبطالاً، موفرة بذلك نماذج يُحتذى بها للجيل القادم. ولو استمر هذا النوع من التحريض، فكيف يمكن لإسرائيل منطقياً أن تُقْدم على تحمل مخاطر مقابل السلام - وكيف يمكن لأي اتفاق سلام أن يستمر؟

إن بدء محادثات السلام يجعل الأمر أكثر إلحاحاً لتفحص رموز التحريض والخطابات المهيجة ذات الصلة، القائمة في السجل الرسمي العام للسلطة الفلسطينية - ويشار إلى رموز التحريض هذه في الولايات المتحدة أو بريطانيا كخطابات الكراهية. ويكشف هذا السجل في السنوات الأخيرة بعض التعبيرات العالية المستوى التي تنم عن الكراهية الدينية في صفوف كبار المسؤولين، بيد تتعارض العديد من الرسائل الرسمية مع هدف السلام. إن مواجهة مشكلة التحريض الآن سوف تساعد على تعزيز مناخ النوايا الحسنة وتحسين فرص النجاح في المفاوضات.

وإجمالاً، كان اتجاه الرسائل الصادرة عن السلطة الفلسطينية خلال العام الماضي سلبياً، وقد انعكست تلك النغمة في خطاب الرئيس الفلسطيني محمود عباس نفسه. وتظهر مقارنة بين خطابات عباس أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول/سبتمبر 2011 و أيلول/سبتمبر 2012، أن ما قاله في عام 2012 كان ذو نغمة أكثر ميلاً للاتهام منها إلى المصالحة تجاه إسرائيل، مع ذكر عابر للسلام.

وعند تمحيص الحالات اليومية، فإن الشكل الأكثر شيوعاً لعمليات التحريض الأخيرة، وما يقرب من 100 من الحالات الموثقة بين آذار/مارس 2011 وكانون الأول/ديسمبر 2012 وفقاً لـ "مجموعة مراقبة الإعلام الفلسطيني"، هو تمجيد الإرهابيين، والذي غالباً ما يظهر في شكل تصريحات من قبل مسؤولي السلطة الفلسطينية. وتشمل قائمة المكرمين إشارة عرضية إلى بعض قادة "منظمة التحرير الفلسطينية" الذين اغتيلوا في وقت سابق مثل أبو إياد (صلاح خلف) و أبو جهاد (خليل الوزير). ومع ذلك، يُذكر في أغلب الأحيان الأفراد المدانون بالإرهاب منذ أن تخلت عنه "منظمة التحرير الفلسطينية" رسمياً في بداية عملية أوسلو في أيلول/سبتمبر 1993، ومن بينهم أولئك الذين أُفرج عنهم مؤخراً من السجون الإسرائيلية أو الذين يقضون حالياً فترة حكمهم فيها.

وفي حالة مثيرة ولافتة للنظر بشكل خاص أنه في نهاية عام 2012 نشرت صفحة «فتح» على الفيسبوك صورة للإرهابية دلال المغربي التي شاركت في أكثر الهجمات دموية في تاريخ إسرائيل - وهي العملية المعروفة باسم "مذبحة الطريق الساحلي" التي قُتل فيها 37 مدنياً في عام 1978. وتم نشر الصورة مع الإعلان: "في مثل هذا اليوم ولدت (الشهيدة) دلال المغربي في عام 1959، [إنها] بطلة عملية ' الشهيد كمال عدوان '، وعروسة يافا والقوة الناعمة المحفزة لـ حركة «فتح»".

وفكرة رئيسية أخرى من التحريض الفلسطيني الرسمي الأخير هو إكساب الإسرائيليين واليهود صفة شيطانية، وغالباً ما يوصفوا بالحيوانات. على سبيل المثال، بث تلفزيون السلطة الفلسطينية في 9 كانون الثاني/يناير 2012 خطاباً من قبل إمام فلسطيني، بحضور وزير الشؤون الدينية في السلطة الفلسطينية، أشار فيه إلى اليهود بـ "القردة والخنازير" وأعاد الإشارة إلى حديث "الغرقد"، وهو نص إسلامي تقليدي حول قتل المسلمين لليهود المختبئين وراء الأشجار و الصخور، لأن "يوم القيامة سوف لن يأتي قبل مقاتلتك اليهود."

ويمثل إنكار وجود إسرائيل أو رفض إمكانية التعايش معها شكلاً آخر من أشكال التحريض. وقد يكون ذلك إما صريحاً أو ضمنياً. وما تزال مواقع «فتح» الألكترونية باللغة العربية تنشر المواثيق الأصلية لـ "منظمة التحرير الفلسطينية" و «فتح» وغيرها من الوثائق التأسيسية، التي تستبعد جميعها صراحة الاعتراف بإسرائيل أو التوصل معها إلى سلام وتؤكد مطالبتها بجميع أراضي فلسطين التاريخية.

وغالباً ما تنكر التصريحات المباشرة من قبل المسؤولين في السلطة الفلسطينية شرعية إسرائيل التاريخية وتتهمها بالظلم المتأصل، حتى إن كانت لا تنكر وجودها أو تهدد صراحة بتدميرها. على سبيل المثال، في أوائل عام 2012 قال نائب وزير الإعلام في السلطة الفلسطينية المتوكل طه لصحيفة "الحياة الجديدة" اليومية الرسمية التي تصدرها السلطة الفلسطينية بأن ' إسرائيل قد تجاوزت جميع أشكال القمع الذي مارسته الفاشية عبر التاريخ ' وأنها ' تقوم بأعمال تفوق [جرائم] التمييز العنصري والتطهير العرقي '.

ولكن ما هي الدوافع وراء مثل هذه الحالات؟ يرى العديد من المسؤولين الفلسطينيين والمتخصصين الأكاديميين وخبراء آخرين أن هذا هو مجرد تعبير عن الغضب من الاحتلال الإسرائيلي، وعدم وجود أي علامة على انتهائه. ويرى بعض المحللين الإسرائيليين هذه الحالة في مصطلحات معاكسة على وجه التحديد ويقولون إن التحريض هو شكل من أشكال "التأمين" السياسي، حيث يُبقي على نار العداوة الشعبية ومظالم الانضماميين متقدة، وبالتالي حفظ الخيار مفتوحاً للعودة إلى ' الكفاح المسلح ' حتى بعد التوقيع على اتفاق مع إسرائيل، كما فعل عرفات في فترة أوسلو. والاحتمال الأخير الأكثر تثبيطاً هو أن كبار مسؤولي السلطة الفلسطينية يؤمنون بالفعل ببعض الخطابات الطويلة المعادية لإسرائيل وحتى المعادية للسامية التي يبثها إعلامهم.

ويجادل البعض بأن تداول الاتهامات بشأن التحريض هو مسألة ثانوية وأنه يشتت الذهن من المسائل الموضوعية التي سيتم التفاوض حولها بين الجانبين؛ وهذه مشكلة ستزول من تلقاء نفسها بمجرد توقيع اتفاق سلام. ومع ذلك، فإن الدرس المستفاد من الصراعات الأخرى هو أن الانتظار حتى انتهاء الصراع قبل التصدي لعمليات التحريض التي تغذيه يمكن أن يكون وصفة لحدوث كارثة.

إن المحاكم الدولية التي انعقدت عقب نهاية الصراع المسلح في يوغوسلافيا السابقة ورواندا وضعت سوابق جديدة للمحاكمة على التحريض، على الأقل فيما يخص ذلك المتعلق بالإبادة الجماعية. وقد تمت محاكمة مرتكبي أخطر أشكال التحريض كمجرمين دوليين يستحقون العقاب الشديد. ومن المؤسف أنه لم يتم اتخاذ تلك الإجراءات إلا بعد انتهاء المرحلة الأكثر فتكاً ودماراً من عمر الصراع. وربما يقول البعض، أن تأت متأخراً خير من ألا تأتي على الإطلاق، لكن تلك المحاكمة كانت متأخرة جداً للحيلولة دون وقوع الدمار الذي أحدثه التحريض، في الوقت الذي كان فيه الصراع لا يزال على أشده. وعلاوة على ذلك، فإن التحريض الذي لا يصل إلى مستوى الدفع إلى القتل الجماعي لم يخضع للمحاكمة أمام المحاكم الدولية - مما يترك مساحة كبيرة خالية لأشكال أقل فداحة لكنها لا تزال هدامة.

من الصعب إيجاد روابط مباشرة بين التحريض الذي نشاهده في الإعلام الفلسطيني وحلقات العنف. بيد أن هناك أدلة ظرفية قوية تشير إلى وجود روابط محتملة بين رسائل معينة وإرهابيين بعينهم أو أحداث عنف أخرى. فمجزرة "إيتمار" التي وقعت في آذار/مارس 2011 على سبيل المثال، التي راح ضحيتها خمسة أعضاء من عائلة فوغل وهم نيام على فراشهم عقبت شهراً من قيام وسائل الإعلام التابعة للسلطة الفلسطينية بإحياء ذكرى [مقتل] إرهابيين فلسطينيين آخرين - بدءاً من أعضاء في "الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين" المتشددة الذين قتلوا اثنين من الإسرائيليين في نفس المستوطنة في الضفة الغربية في عام 2002. ويظهر استطلاع للرأي أجراه مركز "پيو" في عام 2011 أن 68 في المائة من الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة يقولون إن التفجيرات الانتحارية تكون مبررة "أحياناً" على الأقل، مقارنة مع نسب أقل من ذلك بكثير في مجتمعات اخرى ذات أغلبية مسلمة.

إن إيجاد سُبل لضمان توقف السلطة الفلسطينيةعن التحريض الرسمي ضد إسرائيل، أو على الأقل تقليصه، ستكون له آثار إيجابية أخرى فضلاً عن الخفض المحتمل للحافز لدى الإرهابيين المستقبليين. ومن شأن ذلك أن يشير إلى أن السلطة الفلسطينية كانت مستعدة وقادرة على اتخاذ الخطوات اللازمة التي لا تحظى بشعبية من أجل الحفاظ على اتفاق موقّع مع إسرائيل. والأمر الأكثر أهمية على المدى البعيد، أن ذلك قد يعوّد المزيد من الفلسطينيين أو يشجعهم تدريجياً على قبول السلام الدائم مع إسرائيل، مما يجعل التسوية أقل مخاطرة وأكثر استدامة.

لذا فإن معالجة مسائل التحريض تمثل أهمية؛ لكن كيف ينبغي للأطراف الدولية الأخرى معالجتها؟ لقد أبدت الولايات المتحدة اهتماماً خاصاً بمسألة التحريض في النصوص الدراسية الفلسطينية والإسرائيلية، بدءاً من إدارة بوش. وكما أوضح سراً أحد صناع السياسة في تلك الفترة، فإن قرار التركيز على النصوص الدراسية عكس وإن جزئياً مشاعر بأن تعليم الكراهية وتدريب جيل جديد على صراع لا نهاية له يعادل "إساءة معاملة الأطفال". وتزامناً مع الضغوط على عرفات لتمكين عباس كرئيس للوزراء في عام 2003، وبصورة خاصة بعد رحيل عرفات في أواخر عام 2004، فإن مبادرة مقاومة التحريض هذه أسفرت بالفعل عن نتائج.

وعلى نحو مماثل أثناء فترة إدارة أوباما، فإن التوبيخات العلانية من وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون وغيرها من المسؤولين رفيعي المستوى نسبياً والتي جاءت في أوائل عام 2010، جنباً إلى جنب مع سعي كلينتون لوقف بناء المستوطنات من أجل [تسهيل] انطلاق مفاوضات السلام بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، ساعدت على الحد من الرسائل الإعلامية الصادرة عن السلطة الفلسطينية والمناهضة لإسرائيل. ومع ذلك، فقد ثبت هذه المرة أن التحسن ما هو إلا أمر مؤقت. فما أن انتهت محادثات السلام التي لم تدم طويلاً فضلاً عن تعليق بناء المستوطنات الإسرائيلية في أيلول/سبتمبر 2010، زادت حدة التحريض لدى السلطة الفلسطينية مرة أخرى، بدون استثارة اعتراض فوري رفيع المستوى من قبل الولايات المتحدة أو المجتمع الدولي. ويبدو الدرس المستفاد من ذلك أنه على عكس النصوص الدراسية، التي هي أقل عرضة للتغيير، فإن التحسن في الإعلام يمكن أن يتراجع بسهولة في ظل غياب الضغط المستمر. ينبغي أن تكون جهود مكافحة التحريض جدية ومستمرة وشاملة إذا أريد أن يكتب لها أي نجاح على الإطلاق.

ينبغي أيضاً أن يركز الضغط على أسوأ الحالات ألا وهي: أي دعم من الجانبين للعنف أو لمرتكبي جرائم العنف، الذي يصدر عن مسؤولين حكوميين أو مؤسسات ذات سلطات حكومية أو تتلقى تمويلاً من الحكومة. إن الأشكال الأقل حدة للتحريض مثل الإنكارات التاريخية أو التشويه ينبغي إرجاؤها الآن، بغض النظر عن أهميتها على المدى الطويل. ولا ينبغي السماح لأي طرف باستخدام المزاعم ضد الآخر للتهرب أو تقديم أعذار لإخفاقاته. يجب على القادة ترسيخ النغمة الصحيحة، والالتزام بها بدون استثناء أو غموض.

ومن العقيم أن نجادل حول ما إذا كانت المستوطنات الإسرائيلية أو خطاب الكراهية الفلسطيني هي التي ينبغي أن يوجه إليها اللوم بصورة أقل أو أكثر جراء استمرار الصراع. إن الدرس الرئيسي المستفاد من النجاحات السابقة، والإخفاقات، والانطلاقات الزائفة هو أن التحريض مشكلة خطيرة، لكنها مرنة كذلك. فهو على الأقل عقبة أمام السلام مثل أي قضية أخرى ملموسة، لذا ينبغي دمج أي خطوات لوقفه في أي محاولة لمعالجة الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. ينبغي على جميع الأطراف المعنية - الإسرائيليين والفلسطينيين والأمريكيين والأوروبيين وغيرهم - أن تبدي الآن على الأقل نفس القدر من الاهتمام بخطاب الكراهية مثلما تبديه من اهتمام لعمليات بدء بناء الوحدات السكنية.

 

ديفيد بولوك هو زميل كوفمان في معهد واشنطن ومدير منتدى فكرة ومؤلف الدراسة الجديدة: "فيما وراء الكلمات: الأسباب والتبعات والعلاجات لخطاب الكراهية الذي تتبناه السلطة الفلسطينية". وقد نُشر هذا المقال في الأصل في عدد مجلة "فاذُم" في خريف 2013.