أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المرصد السياسي 1968

الحرب الخفية: التاريخ السري لصراع أمريكا ثلاثين عاماً مع إيران

كريست و جيمس جيفري

متاح أيضاً في English

2 آب/أغسطس 2012


في 31 تموز/يوليو، خاطب ديفيد كريست والسفير جيمس جيفري منتدى سياسي في معهد واشنطن. والدكتور كريست هو مؤرخ بارز في الحكومة الأمريكية ومستشار خاص لرئيس القيادة المركزية الأمريكية ومؤلف الكتاب الجديد "الحرب الخفية: التاريخ السري لصراع أمريكا ثلاثين عاماً مع إيران." أما السيد جيفري فقد كان سفيراً للولايات المتحدة في كل من العراق وتركيا. وفيما يلي خلاصة المقررة لملاحظاتهما.

 

ديفيد كريست

منذ الثورة الإسلامية عام 1979 والولايات المتحدة وإيران تخوضان حرباً خفية شملت حملات موازية للتجسس وعمليات سرية وأخرى عسكرية. ورغم أن الأزمة حول برنامج طهران النووي قد أشعلت عدم الثقة المتجذرة بين الحكومتين إلا أن هذه هي فقط إحدى القضايا الكثيرة المسببة للخلاف بينهما. ونتيجة لذلك، فإنه حتى لو يتمكن الطرفان من حسم المشكلة النووية دبلوماسياً إلا أن الحرب الأمريكية الكبرى القادمة ستكون على الأرجح ضد إيران. وبالإضافة إلى ذلك، فإن أي صراع يُشعله عدوان إيراني والذي من المرجح أن يظهر بسرعة - سيكون حرباً تشمل قوات مسلحة متواجدة بالفعل في المنطقة، ومن ثم فإن الولايات المتحدة لن تتوفر لها رفاهية الدفع بقواتها تدريجياً إلى المنطقة كما كان بمقدورها القيام به في الماضي. ولذا تحتاج واشنطن إلى الحفاظ على وجود قوي في منطقة الخليج الفارسي لمواجهة أعمال عدائية ومجابهات طويلة الأجل مع إيران.

ويُعتبر تاريخ العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران إحدى الفرص الضائعة حيث عندما كان أحد الطرفين مستعداً للتقارب لم يكن الآخر متحفزاً لذلك، والعكس بالعكس. وفي مناسبات عدة عرض محاورون إيرانيون ما ظنه البعض في واشنطن بأنه "صفقات كبرى" إلا أن مبادرات كهذه كانت هي أصل الريبة. وتحديداً، فإن بالون الاختبار الشهير من عام 2003 كانت وراءه على الأرجح رغبة طهران في تجنب وقوع غزو أمريكي محتمل، من خلال فكرة فتح المفاوضات وإضفاء مظهر للتقدم لكن دون معالجة الفجوة الأساسية بين البلدين.

وعلاوة على ذلك، على الرغم من الاعتقاد بأن الإدارات الأمريكية - الديمقراطية والجمهورية - سوف تتفادى أخطاء سابقيها، إلا أنها وجدت نفسها تتصارع مع الكثير من التحديات ذاتها، كالبحث عن معتدلين إيرانيين مراوغين، وتحديد ما إذا كان الأنسب هو التقارب مع طهران أم التصادم معها، وتوضيح النوايا الإيرانية. والأهم من ذلك أنها فشلت في التوصل إلى إجماع واضح في واشنطن فيما يتعلق بوسائل وغايات السياسة الأمريكية تجاه إيران. وحتى في ظل الخلافات الواضحة والعميقة بين البلدين كانت معظم الإدارات الأمريكية منقسمة داخلياً بشأن أهدافها في إيران حيث أن بعض الفئات كانت تسعى إلى العمل مع النظام في طهران فيما حاولت فئات أخرى إلى الإطاحة به. وقد كان البيت الأبيض عاجزاً أحياناً عن الاختيار بين تلك الرؤى المتصارعة مما أنتج انحرافاً سياسياً. ومراراً تسببت تلك الخلافات الداخلية في تعقيد مساعي جَسْر الخلافات مع إيران.

فعلى سبيل المثال دعم البعض في إدارة كارتر انقلاباً عسكرياً في طهران فيما أراد آخرون العمل مع آية الله روح الله الخميني والمعارضة الإيرانية من أجل تقليل الخسائر الأمريكية. وكانت النتيجة فوضى سياسية. وقد واجه الرئيس جورج دبليو بوش عائقاً مماثلاً في فترة رئاسته الأولى حيث كانت إدارته منقسمة بيأس بين أولئك الذين سعوا إلى كسب مساعدة طهران في أفغانستان والعراق وأولئك الذين ساندوا فكرة تغيير النظام. وعلى النقيض من ذلك، حاولت إدارة ريغان اتباع سياسة الاحتواء والتقارب في وقت واحد حيث أقامت علاقات عسكرية مع دول "مجلس التعاون الخليجي" وطورت خطط حرب ضد إيران في الوقت الذي باعت فيه أسلحة إلى طهران لتعزيز العلاقات مع المعتدلين هناك.

كما أن الجدل الداخلي حول اتباع سياسة تغيير النظام كان ملمحاً ثابتاً في السياسة الأمريكية تجاه إيران. فقد فكرت كل إدارة في هذه الاحتمالية سواء بالعمل مع المعارضين الداخليين أو الخارجيين أو من خلال عمل أحادي الجانب. ومع ذلك ففي كل حالة كانت واشنطن عاجزة عن تحديد جماعات المعارضة المنظمة والقوية، وخشيت من أن يؤدي تسليح مختلف الفصائل إلى "بلقنة" إيران. وفي نهاية المطاف توصلت كل إدارة إلى أن مساوئ العمل السري الهادف إلى تغيير النظام تفوق المكاسب المحتملة.

وعلاوة على ذلك، ففي حين أن الكثير من الرؤساء الأمريكيين لم يرغبوا في الاعتراف بذلك إلا أنهم استفادوا من سياسات سابقيهم. فقد استمر ريغان إلى حد كبير باتباع سياسة كارتر التي كانت ترمي إلى تقوية العلاقات الأمريكية مع الدول العربية سعياً لاحتواء إيران. كما استفاد أوباما من "خطة عمل إيران" التي تبناها بوش وواصل جهود الأخير لتطوير درع دفاعي صاروخي في الخليج. إن ذلك يُبرز الدرجة التي واجهت بها إدارات متعاقبة تحديات مماثلة في إيران ووضعت لها حلول مماثلة أيضاً.

وأخيراً نجد أن الولايات المتحدة قد تلكأت أيضاً وبشكل ثابت في وجه العدوان الإيراني. فتفجير ثكنات بيروت عام 1983 والهجوم على "أبراج الخُبَر" في عام 1996 واستخدام الجماعات الوكيلة لإيران لتقويض الجهود الأمريكية في العراق ومحاولة اغتيال السفير السعودي لدى واشنطن في العام الماضي، جميعها ووجهت بردود غير كافية. ويرى الزعماء الإيرانيون بأن انعدام الانتقام السريع هو بمثابة دعوة لمواصلة الحرب بالوكالة ضد الولايات المتحدة. وهم إذ يدركون أن أفعالهم تعتبر تخطياً للخطوط الحمراء الأمريكية إلا أنهم مع ذلك يتمسكون بنهج عملي لاختبار طاقة الصبر لدى واشنطن، بمعنى أنه ما دامت هذه الهجمات تمر دون عقاب، فلن يضطر النظام إلى إعادة النظر في نهجه. غير أنه كلما استخدمت الولايات المتحدة قوة صارمة ضد إيران أثمر ذلك عن نتائج. فعلى سبيل المثال في كانون الأول/ديسمبر 2006 اعتقلت إدارة بوش نشطاء إيرانيين في العراق مما خفض من حماس قائد "قوة القدس" قاسم سليماني. وبالعكس، فقد جاء انسحاب الولايات المتحدة من العراق عام 2011 - والذي تصورته طهران بأنه هزيمة أمريكية - ليعزز النفوذ الإيراني هناك.

 

السفير جيمس جيفري

على الرغم من أن تحليل العلاقات الأمريكية الإيرانية بشكل غير متحيز أمر صعب إلا أنه من الصحيح أن نستنتج أن طهران قد ظلت تشن حرباً في الظل ضد الولايات المتحدة على مدار عقود. وبقيامها بذلك فإنها تعتمد على اتباع تكتيكات غير متناظرة أي على الإرهاب واستخدام الوكلاء. ففي العراق "لعبت" طهران بشكل دفاعي وهجومي لمواجهة النفوذ الأمريكي. وقد تلخصت أهداف النظام في ضمان عدم ظهور أي تهديد أمريكي من العراق وبقاء الأحزاب الشيعية مهيمنة في بغداد - على الرغم أنه من المثير للاهتمام أن لواشنطن وطهران أيضاً مصالح تكميلية معينة في العراق خاصة فيما يتعلق باستقرار البلاد.

بيد، ما تزال كيفية التقارب الفعال مع إيران تمثل قضية جوهرية حيث لم تنجح الولايات المتحدة تاريخياً في هذا المسعى. وقد استمر المسؤولون الأمريكيون في الاختلاف ما بين الرغبة في الاحتواء أو تغيير النظام، وبالتالي فإن التشوش في نهجهم قد أثر سلباً على الديناميات الأمريكية الإيرانية. لكن القضية الأكبر هي التنافس بين مراكز القوى المتصارعة في إيران وعدم وجود اتفاق فيما يتعلق بأهدافها حيال الولايات المتحدة. وهذا إنما يُعقد مسألة تحديد أي القنوات التي ينبغي أن يستغلها المسؤولون الأمريكيون للتواصل مع إيران.

والخلاصة هي أن واشنطن يجب أن تحدد موقفاً واضحاً عبر إداراتها وأجهزتها الحكومية وحلفائها فيما يتعلق بإيران، وما إذا كانت السياسة الشاملة ينبغي أن تكون هي الاحتواء أم تغيير النظام. وإلى أن يُحدَّد ذلك بوضوح ستتعرض السياسة الأمريكية تجاه إيران إلى التشوش بسبب التناقضات، وستظل إيران في حيرة من أهداف واشنطن. وربما الأهم من كل هذه المُعطيات هو حقيقة أن إيران ترفض جوهرياً أية فكرة ترسخ "عصر الهيمنة الأمريكية" على الشرق الأوسط. وما دام الأمر على هذا الحال فإن هذين البلدين محكوم عليهما أن يظلا عدوَّيين.

 

أعد هذا الملخص المقررة غويف روزين.