أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

شهادة أمام الكونغرس

جماعة «الإخوان المسلمين» والتيار الإسلامي واحتمالات مصر ما بعد مبارك: تقييم مُبكر

روبرت ساتلوف

متاح أيضاً في English

13 نيسان/أبريل 2011


 

مجلس النواب الأمريكي -- "لجنة الاختيار الدائمة الخاصة بالاستخبارات"، "اللجنة الفرعية حول الإرهاب والاستخبارات البشرية والتحليل والاستخبارات المضادة"

 

"في 13 نيسان/أبريل 2011، أدلى المدير التنفيذي لمعهد واشنطن روبرت ساتلوف بشهادة أمام "لجنة الاختيار الدائمة الخاصة بالاستخبارات" في مجلس النواب الأمريكي حول دور جماعة «الإخوان المسلمين» في مصر عقب نهاية نظام مبارك.

 

سيدتي رئيسة اللجنة،

شكراً على إتاحة الفرصة لكي أمثُل أمام "اللجنة الفرعية" لمناقشة أمر جماعة «الإخوان المسلمين» واتجاه التيار الإسلامي في السياسات والمجتمع المصري اليوم. فبعد عودتي من بعثة لتقصي الحقائق في مصر منذ عدة أيام، والتي تضمنت مناقشات مكثفة مع مجموعة واسعة من الفاعلين السياسيين في المجتمع المصري (بما في ذلك أعضاء من جماعة «الإخوان المسلمين»)، فإنني أتوق لأشاطركم ملاحظاتي حول الدور المحتمل الذي سيلعبه الإسلاميون في "مصر الجديدة" وتداعيات هذا التطور على العلاقات الأمريكية - المصرية والمصالح الأمريكية الأوسع نطاقاً. وبإذنكم، سوف أترك لزملائي الحديث عن جماعة «الإخوان المسلمين» داخل الولايات المتحدة.

السياق: قبل التحول إلى المسألة المحددة بشأن «الإخوان المسلمين»، من المهم توفير تعليق عام بشأن الوضع في مصر. سوف أوجز وجهة نظري على النحو التالي: ليس بوسع المرء سوى أن يشيد بشجاعة وحماسة وجرأة الشعب -- وغالبيتهم من الشباب -- الذي أطاح بنظام مبارك. أعتقد أن التزامهم وعزمهم سوف يُعزز في النهاية من خلال تطوّر مصر تكون فيه البلاد أكثر أملاً وأكثر انفتاحاً واستشرافاً للمستقبل. وبمعنى آخر، فإن الاحتمالات طويلة المدى تبدو إيجابية. ومع ذلك، ولأسباب عديدة، فإن الاحتمالات قصيرة الأجل تبدو إشكالية. إن أفضل الحالات ستنطوي على مصاعب، مع تحرك العلاقة غير المؤكدة بين الجيش والقوى المدنية في مسارات متعرجة -- بل في مسارات دموية غالباً، كما كان الحال في الأسبوع الماضي. بل إن الأكثر احتمالاً هو ظهور أوضاع هي الأسوأ تكون أكثر صعوبة واضطراباً وخطورة على مصر والعلاقات الأمريكية - المصرية والمصالح الإقليمية الأمريكية عما شهدناه خلال عشرة أسابيع منذ بداية أحداث الثورة في "ميدان التحرير". إن التحدي الماثل أمام الولايات المتحدة هو مساعدة مصر على تحمل فترة من عدم اليقين العميق؛ وتوفير ما بوسعنا من دعم ومشورة وشراكة لدعم الأشخاص في مصر الراغبين في اتخاذ مسار ليبرالي وديمقراطي وشامل ومسؤول وسلمي للتغيير السياسي؛ وعزل مصالحنا الإقليمية الأوسع نطاقاً عن التأثير السلبي المحتمل للسيناريوهات السيئة والأكثر سوءاً.

من الثورة إلى التحول

إن الحقيقة البديهية في سياسات مصر بعد مبارك هي أن النشطاء الليبراليين كانوا مسؤولين عن انطلاق الثورة، لكن، حتى الآن، إن الإسلاميين والجيش هم من كانوا يضعون النهايات. وهذا يعني أن شرارة النشاط الثوري انطلقت بصفة كبيرة من الشباب العلماني، الذي نظّم احتجاجات هائلة ببراعة فاجأت النظم -- بل فاجأته هو الآخر -- في "عيد الشرطة" الموافق 25 كانون الثاني/يناير. وكان انخراط الإسلاميين في الأحداث متأخراً. لكن عندما شعر الإسلاميون بفرصة، فإنهم انتهزوها. وعندما اختبر النظام على مدار الأيام العشرة التالية خيار استخدام القوة العسكرية الحقيقية لسحق الاحتجاجات، جاءت القدرة البشرية الأكثر فعالية والأفضل تنظيماً للمحتجين من مصدرين -- الأول: جماعة «الإخوان المسلمين» وحلفاؤها الإسلاميون، والثاني: الآليات المدربة جيداً لأندية مشجعي كرة القدم وقوات الأمن الخاصة بفرق كرة القدم. وبطبيعة الحال فإن «الجماعة» فقط هي التي كانت لها أجندة سياسية استراتيجية، وكان هدفهم هو الاستحواذ على الثورة واستغلالها وإرثها من لحظة دخول الإسلاميين في المعركة والتزامهم بها.

وبالنسبة لـ جماعة «الإخوان المسلمين»، فإن نهاية نظام مبارك وفّر نافذة لتنظيم دورهم في الحياة السياسية المصرية بعد عقود من وجودهم على الهوامش السياسية أو في الظلال السياسية. وهذا يعني أن جماعة «الإخوان» أدركت أن مصر ما بعد مبارك قد توفر فرصة لها لاستئناف نشاطها السياسي المشروع بعد عقود من العلاقات المتوترة مع القيادة العسكرية في البلاد.

وهنا يجب على المرء أن يتذكر تاريخ «الجماعة» الطويل والمتباين في مصر الحديثة. فقد تأسست «الجماعة» في عام 1928 على يد المدرس [الإمام] حسن البنا، وقد كان يُنظر إلى «الجماعة» على أنها حركة لتنشيط المجتمع المصري ومكافحة الأفكار والفلسفات والأعراف الثقافية الغربية ومكافحة الاستعمار والإمبريالية والصهيونية من خلال نشر القانون والممارسات والعادات والتقاليد الإسلامية. ورغم أن جماعة «الإخوان» أبقت تركيزها الهام على التعليم والرفاهية الاجتماعية كعاملين حيويين لجهودها الدعوية، إلا أنها تطورت بسرعة مذهلة وتحولت إلى لاعب رئيسي على المشهد السياسي الداخلي، مزود على نحو متكامل بعناصر سرية ومسلحة أرهبت المجتمع المصري. وقد أدى ذلك الإرهاب والفلسفة السياسية المتطرفة التي قام عليها إلى سجن وإعدام قادة «الجماعة»، وحظر «الجماعة» كمنظمة سياسية وإدخال مواد في دستور عام 1971 يحظر إقامة الأحزاب على أساس ديني.

إلا أن علاقة جماعة «الإخوان» مع النظام المصري كانت أكثر تعقيداً من ذلك لفترة طويلة. ففي ظل رئاسة مبارك، على سبيل المثال، ظلت «الجماعة» كياناً سياسياً محظوراً وكان النظام يزج بأعداد كبيرة من نشطاء «الجماعة» في السجون بصفة منتظمة. إلا أنه في الوقت ذاته، توصل النظام إلى ترتيبات تكتيكية مع «الجماعة» أتاحت لها إدارة العديد من برامج الرفاهية الاجتماعية واسعة النطاق، لا سيما في المناطق التي اتسمت بسوء الأداء الوظيفي للحكومة المدنية، بل إن النظام سمح لـ «الجماعة» بالمنافسة على نحو محدود في الانتخابات التشريعية، طالما أدار مرشحو «الإخوان» حملاتهم بصفتهم "مستقلين". وكانت هناك أسس منطقية متباينة انطوت عليها هذه السياسة -- جزء منها كان توفير منفذ من أجل السماح للتيار الإسلامي المؤثر في المجتمع بالتنفيس عن نفسه؛ وجزء منها كان حتمية أمنية داخلية لإيجاد طريقة ما لإيصال الخدمات الاجتماعية إلى المواطنين حيث لا تستطيع الحكومة تقديم خدماتها؛ وجزء منها كان يرجع إلى سياسة التأمين التي اشتراها النظام لحماية نفسه من الهجوم الشعبي جراء حفاظه على السلام مع إسرائيل وشراكة مكافحة الإرهاب مع الولايات المتحدة؛ وجزء منها إرسال رسالة للداخل والخارج بأن الإسلاميين يشكلون تهديداً محتملاً لدرجة أن قبول شمولية نظام مبارك كان ثمناً صغيراً لضمان الاستقرار في دولة حيوية كمصر. لقد كان الخط الأساسي هو أن السياسات في مصر أصبحت تتسم بالحماقة وعدم الجدوى -- فأحد جوانب الاتفاق الضمني بين الإسلاميين والنظام هو تقويض البديل الأكثر جاذبية للنظام، أي غير الإسلاميين (الليبراليين والديمقراطيين واليساريين وغيرهم) وكانت الحظوظ السياسية للإسلاميين تقررها دائماً أهواء النظام. لذلك، عندما قرر النظام في عام 2005 أنه بحاجة إلى أن يؤكد لواشنطن مخاطر "أجندة الحرية" فإنه قام بهندسة انتخابات منحت 20 بالمائة من مقاعد البرلمان لـ جماعة «الإخوان»، وعندما قرر النظام في عام 2010 أنه أثبت وجهة نظره، قام بهندسة انتخابات لم تفز فيها جماعة «الإخوان» حتى بمقعد واحد.

(وفي حين تركز هذه الشهادة على الوجه المصري لـ جماعة «الإخوان»، إلا أنه من المهم الإشارة هنا إلى أن جماعة «الإخوان» كانت دائماً حركة دولية بصفة أساسية، حيث رفضت فكرة الدولة القومية وسعت في النهاية إلى إحياء الخلافة الإسلامية. ورغم أنه لا توجد منظمة "أممية إسلاموية"، حيث توجد لجنة مركزية توجه أنشطة فروع جماعة «الإخوان» المحلية في بلدان مترامية الأطراف حول العالم، إلا أن هناك روابط عقائدية وأيديولوجية وسياسية واستراتيجية وشخصية هامة تربط جماعة «الإخوان» في مصر والحركات والمنظمات الشقيقة حول العالم. ومن ثمّ، فإن «حركة المقاومة الإسلامية» مثلاً -- والتي تُعرف أيضاً باسم «حماس» -- تُعرِّف نفسها بأنها الجناح الفلسطيني لـ جماعة «الإخوان المسلمين»).

إن رحيل حسني مبارك أوجد لـ جماعة «الإخوان» احتمالية العودة إلى الساحة السياسية كفاعل شرعي بصورة كاملة. وقد تطلب هذا من «الجماعة» تبني موقف متوازن شديد الحساسية بين اعتناق مبادئ التغيير والديمقراطية والثورة من جانب، وبين إعادة تعريف وتحديث الترتيبات الضمنية مع الجيش من جانب آخر، حيث يظل الجيش (وإن كان بصعوبة) هو المتحكم في إيقاع ومحتوى واتجاه التغيير السياسي في مصر. والنتيجة هي التعقيد والتعارض والتناقض. وقد اشترك أعضاء «الجماعة» والمتعاطفون معها بشكل متعمق في كافة الحوارات السياسية مع الحكومة العسكرية بعد مبارك؛ وكان قادة «الجماعة» هم الداعمون الأكثر قوة للتعديلات الدستورية التي أدخلها الجيش، وهو ما دلل عليه دعمهم للتصويت بـ "نعم" في الاستفتاء الأخير؛ وكان قادة «الجماعة» من المؤيدين بقوة لوضع جدول زمني انتخابي سريع، من شأنه أن يتيح لهم استغلال ميزتهم التنظيمية التي يتفوقون بها على منافسيهم السياسيين من الليبراليين واليساريين. وفي الوقت ذاته، قامت عناصر داخل جماعة «الإخوان» بتشكيل تحالفات سياسية هامة مع نشطاء ليبراليين ويساريين رئيسيين؛ وقاتلت بشجاعة ضد قوات الأمن المصرية عندما استخدم النظام القوة والعنف ضد المحتجين في "ميدان التحرير" أثناء أحداث كانون الثاني/يناير- شباط/فبراير وما بعدها؛ ودعت إلى تطبيق العدالة السريعة ضد بقايا نظام مبارك. وإذا كانت هذه المواقف متعارضة في بعض الأحيان، فهذه هي طبيعة السياسات في مصر ما بعد مبارك.

ومما زاد من تعقيد الوضع أن «الجماعة» لا تشغل وحدها المساحة الإسلامية في الطيف السياسي المصري. فهناك ستة عناصر مختلفة على الأقل داخل التيار الإسلامي الكلي. وانتقالاً من الأكثر تطرفاً إلى الأكثر ليبرالية، فإن هذه العناصر تشمل: «الجماعة الإسلامية»/«جماعة الجهاد الإسلامية»، والتي ينظمها مدانون سابقون تم سجنهم بسبب دورهم في اغتيال السادات؛ و«الجماعة السلفية» المتطرفة، التي تورطت في تدمير أضرحة الصوفية والعنف الطائفي ضد الأقباط؛ و جماعة «الإخوان» وحزبها السياسي الجديد، «حزب الحرية والعدالة»؛ الجناح الليبرالي لـ «الجماعة» (يمثله المرشح الرئاسي المحتمل عبد المنعم أبو الفتوح وحزبه الخاضع للتأسيس، «حزب النهضة»)؛ وشباب «الإخوان»، الذين يتحالفون أحياناً مع الشباب الليبراليين واليساريين؛ و«حزب الوسط»، بقيادة الأعضاء المنشقين عن «الجماعة». ومن غير المعروف مدى حقيقة هذه الانقسامات داخل الاتجاه الإسلامي. ومن بين تداعيات تنوع هذه الجماعات السياسية الإسلامية -- لا سيما التأثير الحقيقي لظهور السلفيين كفاعلين سياسيين -- هو أنها ستجعل «الإخوان» يبدون وكأنهم الاتجاه السائد والأكثر اعتدالاً مقارنة بهم. وقد تكون هذه هي الأسس المنطقية لهذه الانقسامات على طول الطريق. (الجانب الإضافي للسياسات الإسلامية هو مدى تلقي العديد من الجماعات -- كما ورد في التقارير -- لتمويل من مصادر أجنبية، لا سيما من المملكة العربية السعودية والخليج. إن المراقبين المُطلعين يركزون بصفة أساسية على الجماعات السلفية باعتبارها المستفيدة من هذا التمويل، الذي لديه القدرة على تشويه البيئة السياسية المحلية).

جماعة «الإخوان» والانتخابات والقوة السياسية

أعتقد أن هناك ما يبرر القلق العميق بشأن الظهور المحتمل لـ جماعة «الإخوان المسلمين» كلاعب رئيسي أو حتى وسيط مؤثر. وكما ذكرت في شهادتي السابقة أمام الكونغرس، فإن جماعة «الإخوان» ليست كما يشير البعض مجرد نسخة مصرية لـ "منظمة مارش أوف دايمز" الخيرية -- أي منظمة رفاهية اجتماعية أهدافها إنسانية بصفة أساسية. بل على النقيض من ذلك، إن جماعة «الإخوان» هي منظمة سياسية إلى حد كبير تسعى إلى إعادة تنظيم المجتمع المصري (والمجتمع الإسلامي الأوسع نطاقاً) بطريقة إسلامية. ومن الناحية التكتيكية، أعتقد أن المنظمة سوف تستغل أي فرص سانحة تُقدم إليها؛ فهي قد تخلت عن أهدافها الأكثر طموحاً والأساليب العنيفة لتحقيقها وذلك فقط نتيجة إلزام النظام على ذلك، وليس بمحض اختيارها. ولو حققت جماعة «الإخوان» قوة سياسية، من المؤكد ستستخدمها لتحويل مصر إلى مكان مختلف تماماً. والقياس الأفضل هو تركيا في ظل حكم أردوغان، حيث تتحول تدريجياً الدولة العلمانية إلى دولة إسلامية. إن الوضع الأكثر واقعية سيشهد تحولاً إسلامياً للمجتمع يكون أكثر عمقاً ومنهجية، بما في ذلك احتمالية النمو المخيف للطائفية بين المسلمين والأقباط وحتى الصراع الأكثر عمقاً داخل المسلمين بين السلفيين والصوفيين.

ورغم وجود ما يبرر الحذر والحيطة البالغين، إلا أنه سيكون من الخطأ أن تعمل الولايات المتحدة وفقاً للإفتراض بأن صعود «الإخوان» إلى السلطة هو أمر حتمي، بالنظر إلى مجموعة البدائل السياسية الواسعة النطاق القائمة في البلاد. وفي الواقع، أن ذلك الافتراض ينطوي على مخاطر جمّة وقد يؤدي إلى نبوءة ذاتية التحقيق. وحقيقة الأمر أنه من خلال إلقاء نظرة عن كثب إلى انتخابات 2005 ونتائج استفتاء آذار/مارس، فإن النتائج تشير إلى وجود أسباب هائلة للاعتقاد بأن جماعة «الإخوان» لا تحظى بدعم الأغلبية بين جمهور المصريين. وعلاوة على ذلك، فإن الإجراءات الأخيرة التي قام بها "المجلس الأعلى للقوات المسلحة" -- وأبرزها إبقائه على العناصر الأكثر أهمية من دستور عهد مبارك -- تشير إلى أن الجيش المصري لا ينوي أن يغير نظاماً انتخابياً يمنع جماعة «الإخوان» فعلياً من تحقيق قوة سياسية من خلال صناديق الاقتراع.

ومع ذلك، فمن المهم بالنسبة لواشنطن أن تتوخى الحيطة والحذر من دمج جماعة «الإخوان» في الطيف السائد في الحياة السياسية المصرية وما سيمنحه ذلك من قوة دفع للتوجه الإسلامي للسياسات الداخلية والسياسة الخارجية. واستناداً إلى كلمات القادة الإسلاميين وتجارب الإسلاميين داخل الحكومات في دول عربية أخرى وحولها، يمكن الشعور بتداعيات هذا الأمر على ساحات عديدة -- من الأعراف الاجتماعية إلى السياسة التعليمية والسياسات الإقليمية لمصر. وسيكون لذلك تأثير خاص على السلام الذي وقعته مصر مع إسرائيل. وعلى مدار الأسابيع الأخيرة، خفّف قادة «الجماعة» من حدة تصريحاتهم السابقة الداعية إلى إجراء استفتاء وطني لتقرير ما إذا كان ينبغي على مصر مواصلة التمسك بمعاهدة السلام، قائلين بأن هذه المسألة ينبغي أن يتناولها البرلمان الجديد. ومن المرجح أن يكون موقف الجيش الثابت تجاه الإبقاء على التزامات مصر الدولية قد جعل من غير المقبول الحديث عن إلغاء المعاهدة أو دعم خطوات سياسية تجاه تحقيق ذلك الهدف. ومع ذلك، فإنه في ظل مصر الإسلامية، من المرجح أن تجعل البرودة المستقبلية للسلام بين مصر وإسرائيل من تجربة العقود الماضية أمراً يبدو دافئاً ومريحاً بالمقارنة. وسيكون لذلك تأثير عملي على سياسة مصر تجاه غزة، وقيام الشرطة المصرية بمراقبة سيناء، وبيع مصر للغاز الطبيعي إلى إسرائيل ومواصلة عمل "المناطق الصناعية المؤهلة" المنشأة داخل مصر لبناء تعاون اقتصادي بين مصر وإسرائيل والوصول إلى السوق الأمريكية. وبطبيعية الحال، فإنه في جميع هذه النواحي -- والكثير غيرها -- سيكون لمصر الأكثر إسلاموية تداعيات ضارة خطيرة على العلاقات الأمريكية المصرية.

المصالح الأمريكية والسياسة الأمريكية

عند مواجهة التحدي الإسلامي نحو الديمقراطية في مصر، من الضروري بالنسبة للحكومة الأمريكية أن توجد توازناً حكيماً بين تيقظها للمخاطر التي تشكلها «الجماعة» وحلفاؤها على المصالح الأمريكية الحيوية من جانب، وتزويد «الجماعة» من جانب آخر بهدية سياسية في شكل بيانات أو إجراءات وقائية قد تحفز المصوتين، الذين هم خلاف ذلك غير مبالين برسالة «الجماعة» على الخروج ودعم الحركة.

وعلى الجانب السري، يجب على الإدارة الأمريكية أن تتعاطى مع "المجلس الأعلى للقوات المسلحة" المصرية حول المخاوف الأمريكية بحيث لا يتم اتخاذ قرارات فنية حول صياغة عملية انتخابية من شأنها أن تقوي دون قصد الاحتمالات السياسية لـ «الجماعة». وبالإضافة إلى ذلك، يجب علينا أن نشاطرهم المعلومات حول التمويل الأجنبي للجماعات والأحزاب والحركات الإسلامية مع الانتباه إلى عزل التجربة الديمقراطية في مصر عن المصالح الشائنة للقوى الخارجية.

ومن الناحية العلنية، من المهم أن تبعث الإدارة الأمريكية برسالة واضحة إلى النخبة السياسية وجمهور الناخبين في مصر بشأن شكل مصر التي يمكن أن نتصورها شريكاً لنا. وعلى نطاق واسع، يمكن خدم المصالح الأمريكية على أفضل وجه من خلال دعم التحول إلى حكومة مصرية:

• تُظهر من خلال الأفعال التزامها بالحريات العالمية المتعلقة بالتعبير والتجمع والفكر والدين والصحافة الحرة؛ وتُشجع الحرية الدينية وتمارس سياسات التسامح الديني على كافة الأقليات وتفرض قيامها؛ وتدعم حقوق الشعب في التواصل بحرية، بما في ذلك من خلال الإنترنت، بدون تدخل؛ وتكافح التطرف بكافة أشكاله، بما في ذلك التطرف القائم على الدين؛

• تمثِّل، من خلال الأعراف والممارسات الديمقراطية (بما في ذلك الانتخابات الحرة والنزيهة للرئيس والبرلمان)، الطموحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المشروعة لشعبها وتسعى جاهدة، بكافة الطرق العملية إلى الوفاء بها؛

• تحترم سيادة القانون ومؤسسات العدالة؛ وتعترف بالأهمية الحيوية للقضاء المستقل؛ وتكافح الفساد على كافة مستويات الحكومة؛

• تفي بالتزاماتها الدولية، بما في ذلك (على سبيل المثال لا الحصر) حرية الإبحار عبر قناة السويس؛ والسلام مع إسرائيل وتوسيع نطاق السلام عبر المنطقة؛ ومكافحة التطرف والإرهاب؛ واتخاذ قرار سلمي لحل الصراع في السودان (بما في ذلك الاعتراف بالتقسيم)؛ وكافة الالتزامات والواجبات الأخرى الواردة في المعاهدات الواقعة على عاتق عضو في الأمم المتحدة مُحب للسلام.

• تأكيد شراكتها الثنائية مع الولايات المتحدة لدعم الأمن والسلام في الشرق الأوسط وأفريقيا والبحر المتوسط.

هذه هي مصر التي تستحق الدعم السياسي الكامل والمساعدات المالية من الولايات المتحدة، بما في ذلك المساعدات الاقتصادية والعسكرية. ومع بدء المصريين اتخاذ خيارات سياسية بشأن قيادتهم المستقبلية وتوجههم الاستراتيجي، يجب على واشنطن أن تبعث برسالة واضحة مفادها أنها تقف مستعدة لتوفير تلك المساعدات إلى حكومة يمكنها تعزيز هذه المبادئ والعمل تجاه تنفيذها على أرض الواقع. إن الحكومة المصرية التي تقودها جماعة «الإخوان» أو توجهها أو تكون مصدر إلهامها لن تفي بهذا الغرض.

ولإعطاء هذه المبادئ السياسية تأثيراً سياسياً حقيقياً، سيكون من المهم أن تعمل الإدارة الأمريكية الآن على خلق حوافز لتشجيع المصريين على اختيار القيادة التي تمكن الولايات المتحدة أن تبني معها علاقة خاصة، أي مصر التي توجهها المبادئ المبينة أعلاه. ومن بين الحوافز التي ينبغي على واشنطن دراستها: فتح باب المفاوضات للتوصل إلى اتفاق للتجارة الحرة؛ وتوسيع برنامج "المناطق الصناعية المؤهلة"؛ وتوفير قرض مبكر للحكومة المصرية مضمون بالأصول التي تمت مصادرتها من فترة مبارك؛ وإحداث زيادة كبيرة في المبادرات التعليمية، بما في ذلك التوسيع الهائل للبرامج بين الجامعات التي من شأنها أن تجلب الطلاب المصريين إلى الولايات المتحدة وإتاحة فرص للتعلم عن بعد للعديد منهم.