أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

صفحات رأي ومقالات

«الإخوان المسلمون» من المعارضة إلى السلطة

اريك تراجر

متاح أيضاً في English

فاذُم

صيف 2013


خلال العقد الذي أعقب هجمات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر، غالباً ما أدى بحث المحللين الغربيين عن بديل "إسلامي معتدل" لـ تنظيم «القاعدة»، إلى إرشادهم نحو جماعة «الإخوان المسلمين»، التي كانت تصريحاتها الرافضة للإرهاب واعتناقها السياسات الانتخابية مغرية. وبالتالي، فإن الكثير من الأدبيات التي نتجت عنها والتي روجت للفكرة المفترضة بأن «الإخوان» هي جماعة "ديمقراطية" و "تنبذ العنف" بطبيعتها، قد تركت جميعها المجتمع الدولي غير مستعد تماماً للواقع غير الديمقراطي والعنيف للغاية الذي يتجلى الآن في حكم «الإخوان المسلمين» لمصر.

ومع ذلك، فلحسن الحظ لم يسِر جميع المحللين وراء هذه الأوهام. ففي ثنايا كتابها الرائع -- "«الإخوان المسلمون»: من المعارضة إلى السلطة"، تعرض أليسون بارجتر جرعة من الواقعية نحن في أمس الحاجة إليها، حيث توازن أليسون في هذا الكتاب بين ما يخرج عن «الإخوان» من تأكيدات نبيلة وبين ما يقومون به من تصرفات عدائية. ففي معرض شرحها للتاريخ المبكر لـ «الإخوان المسلمين» في مصر وما تلي ذلك من انتشار في الشرق الأوسط وأوروبا، تُصور بارجتر منظمة تواجه مأزق مستمر [يُخيّر] بين توسيع قاعدته عبر مد جسور التواصل مع الآخر أو ترسيخ قاعدته من خلال نهج أكثر تشدداً. وكما تخبرنا بارجتر فإن «الإخوان المسلمين» اعتنقوا بصفة دائمة تقريباً النهج الأخير مفضلين بشكل كبير اتباع الاتجاه "المحافظ" على الاتجاه "الإصلاحي".

ويرجع هذا المأزق إلى العقود الأولى من نشأة «الإخوان المسلمين». فوفقاً لما ذكرته بارجتر، فإن المرشد العام المؤسس حسن البنا الذي أسس جماعة «الإخوان المسلمين» في عام 1928 "قد كافح للتوازن بين الانخراط مع المؤسسة الحاكمة [في مصر] وبين إرضاء تابعيه". وفي هذا السياق، فإن التنازلات العديدة التي قدمها البنا للسلطات مثل دعمه على مضض "المعاهدة البريطانية المصرية" من عام 1936 التي أعطت شرعية للوجود البريطاني في مصر قد أدت إلى استياء كبير بين عدد من أشد المتحمسين من أعضاء «الجماعة». ولترويضهم سمح البنا بإنشاء تنظيم داخلي شبه عسكري عرف باسم "التنظيم السري" الذي عبر عن التزام المنظمة بالجهاد وشارك في العديد من أعمال العنف السياسي. وتشير بارجتر، وهي محقة في ذلك، إلى أن هذا القرار يطعن في وجهة النظر الشائعة بأن البنا يعتبر "منارة الاعتدال" ذلك لـ "رغبته المستمرة في ضم المزيد من العناصر المقاتلة في داخل حركته". كما أنه كان خطأ فادحاً: فبعد شهرين من قيام أحد شباب «الإخوان» بإطلاق الرصاص على رئيس الوزراء محمود النقراشي وأدى إلى مقتله، فإن البنا نفسه قد اغتيل في شباط/فبراير عام 1949.

كما أن فكرة تفوق متطرفي «الجماعة» على مفكيرها الإصلاحيين يكرر نفسه بصورة دائمة في سرد بارجتر وإن كان في صور مختلفة. على سبيل المثال في خمسينيات القرن العشرين نجح أعضاء من "التنظيم السري" في إحباط محاولة "المرشد العام" الثاني حسن الهضيبي بحل الجهاز شبه العسكري. وفي النهاية أسفر موقف «الإخوان» المواجه لنظام عبدالناصر الصاعد والذي كان يعارض ما جُبل عليه الهضيبي من نزعات أكثر تصالحية، عن اتخاذ إجراءات صارمة بشكل واسع طالت العديد من قادة التنظيم سواء كان ذلك بالحبس أو النفي.

وفي التسعينيات، عارض قادة «الإخوان» المتشددون الذين كان العديد منهم من أقطاب "التنظيم السري" مطالبات شباب «الجماعة» بالانخراط بشكل أكبر في اتخاذ إجراءات لا تتشبث بالفكر والأيديولوجية الإسلامية وإجراء انتخابات داخلية أكثر شفافية. وعندما رد شباب «الإخوان» في نهاية المطاف بإنشاء حزب سياسي خاص بهم أطلقوا عليه اسم "الوسط"، قامت «الجماعة» بفصلهم. وفي وقت لاحق، عندما رفض إصلاحيو «الإخوان» مسودة "برنامج" عام 2007 الذي نص على منع المرأة والأقباط من الترشح للانتخابات إلى جانب نصوص أخرى مثيرة للجدل، قام متشددو «الجماعة» بفصل أحد كبار إصلاحيي المنظمة من "مكتب الإرشاد" وتركيز قيادتها على ما يسمى بـ "التيار القطبي".

وهذا لا يعني أنه كانت للراديكاليين دائماً اليد العليا في «الجماعة». فخلال الثمانينيات، وافق "المرشد العام" عمر التلمساني على طلب الإصلاحيين للمشاركة في الانتخابات البرلمانية، وخرجت «الجماعة» عن المألوف وذلك من خلال تحالفها وتنسيقها مع أحزاب غير إسلامية خلال المعترك الانتخابي عامي 1984 و1987. إلا أن بارجتر تشير إلى أن هذه الفترة تصادفت مع الإجراءات القمعية التي تبناها نظام مبارك والتي أرسلت العديد من متشددي «الإخوان» إلى المنفى. وعندما عادت هذه الرموز في أوائل التسعينيات عادت «الجماعة» بسرعة إلى سابق عهدها.

وعلى الرغم من أن بارجتر تصور بدقة الصراع الدائر بين الفصيلين المتنافسين داخل جماعة «الإخوان»، إلا أن التمييز بين "الإصلاحيين" و"المحافظين" يبدو في الحقيقة أكثر ضبابية من سردها. على سبيل المثال، في الوقت الذي تصف فيه "المرشد العام" السابق مهدي عاكف بأنه "أكثر تعاطفاً مع الجناح الإصلاحي" وأن نائب المرشد الحالي محمود عزت هو من "كبار التقليديين" في «الجماعة»، فإن الأخير والسابق تجمعهما صلة نسب، حيث أن عاكف هو والد زوجة عزت. وعلى نحو مواز، فعلى الرغم من أن بارجتر تصف مراراً وتكراراً الزعيم السياسي الحالي لـ «الإخوان» عصام العريان بأنه "إصلاحي"، إلا أنها لم تستطع توفيق هذا الوصف مع الصعود المستمر للعريان داخل التنظيم على الرغم من هيمنة "المحافظين" على قيادة «الإخوان».

وفي الغالب، يشوب هذه الفروق نوع من الضبابية لأن مفهوما "الإصلاحيين" و"المحافظين" لا يختلفان في الأساس إلا في الأساليب والتكتيكات. وفي واقع الأمر، في ثنايا السرد الذي قامت به بارجتر، يسعى "الإصلاحيون" إلى المشاركة السياسية المباشرة ويرغبون في الانخراط مع غير الإسلاميين لتوسيع قاعدتهم. وعلى النقيض من ذلك يتخوف "المحافظون" من أن هذا النهج سيقلل من المصداقية الإسلامية لـ جماعة «الإخوان» ومن ثم سيقوض من تكاملها التنظيمي. ومع ذلك يشترك كلا الاتجاهين في النهاية في نفس الرؤية الأيديولوجية: هم يسعون إلى أسلمة المجتمع كخطوة أولى نحو تأسيس الدولة الإسلامية وفي النهاية تكوين "دولة إسلامية عالمية" وفقاً لما ذكره نائب "المرشد العام" خيرت الشاطر. ولهذا السبب فإنه حتى هؤلاء "الإصلاحيين" الشبان التي فصلتهم «الجماعة» عام 1996 لتشكيلهم حزب "الوسط" هم الآن أقرب شركاء «الإخوان» في البرلمان. ولم يختلف الفريقان إلا في توقيت تكوين الحزب من قبل «الإخوان» وليس في الأهداف التي ينبغي أن يتبناها.

ومع ذلك وعلى الرغم من استمرارها لحوالي خمسة وثمانين عاماً، لا تزال الأيديولوجية التي تتبناها جماعة «الإخوان» غامضة بشكل ملحوظ. وكما تشير بارجتر بشكل صحيح، لم ينبع عن «الجماعة» سوى "مفكر حقيقي" واحد -- وهو المُنظِّر الراديكالي سيد قطب -- بينما لم يترك المرشدون الأعلى بما فيهم حسن البنا إلا قدراً ضئيلاً من الأعمال الأدبية. وفي الغالب كان هذا قراراً تكتيكياً: وتكتب بارجتر "غياب التفاصيل ما هو إلا وسيلة متعمدة لحماية «الإخوان» من التحزب".

ومع هذا، فكلما أجبرت الظروف «الإخوان» على توضيح مواقف معينة، فإن «الإخوان» عادة ما تبنوا مواقف متشددة تماماً. وكما تلاحظ بارجتر، أن جماعة «الإخوان المسلمين» دعمت التفجيرات الانتحارية التي استهدفت الأمريكان في العراق وتلك التي استهدفت الإسرائيليين وتعتقد أن الشريعة ينبغي أن تسبق الحريات الفردية وتروج لعدم التسامح مع غير المسلمين بالإضافة إلى الشيعة. وبعبارة أخرى، فإن المحتوى الأيديولوجي لـ جماعة «الإخوان» بقدر ما هو معروف الآن هو عبارة عن سلسلة من الأفعال التلقائية المحرضة للجماهير، ولا ترقى إلى كونها إطاراً فكرياً يتناول هدفها المعلن المتمثل في "تطبيق الشريعة"، ناهيك عن بيان تفاصيله.

ويقيناً أن هذه الأفعال التلقائية قد سمحت لـ جماعة «الإخوان» بأن "تقدم نفسها باعتبارها الصوت المعبر والحقيقي الذي من الممكن أن ينقل الإسلام إلى جوهر كل منحى من مناحي الحياة" كما تقول بارجتر، ولهذا السبب استطاعت «الجماعة» تحقيق الفوز في الانتخابات البرلمانية التي أعقبت الثورة في كل من تونس ومصر. ومع ذلك، فإن هذه الأفعال التلقائية لا تشكل فلسفة حكم، مثلما أن القدرة على الفوز في الانتخابات لا تعكس بالضرورة التأهل للحكم. وفي الوقت نفسه، لا تزال النزعات "المحافظة" داخل جماعة «الإخوان المسلمين» دون أي تغيير يذكر. فبدلاً من أن تتبني منهجية مد جسور التواصل مع الآخر التي يتبناها "التيار الإصلاحي"، استمرت في إعطاء الأولوية للجانب التنظيمي المتمثل في توطيد السلطة. ولطالما تسببت هذه النزعة "المحافظة" في حدوث انشقاقات داخل صفوف «الإخوان»، فإنها تغضب الآن المجتمع الأوسع الذي يتزايد تمرده ضد حكمهم.

 

إريك تراجر هو زميل الجيل القادم في معهد واشنطن.