أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المرصد السياسي 2213

مفتاح الضغط على الأسد هو "قرار مجلس الأمن رقم 2118"

أندرو جيه. تابلر

متاح أيضاً في English

21 شباط/فبراير 2014


في 16 شباط/فبراير، وصلت محادثات السلام السورية في جنيف إلى طريق مسدود حيث صادر نظام الأسد الممتلكات الشخصية لمفاوضي المعارضة، كما أن الممثل الخاص للأمم المتحدة الأخضر الإبراهيمي وجه اللوم إلى دمشق واتهمها بالمسؤولية عن الإخفاق في تحديد موعد للجولة القادمة من المحادثات. وقد اتهم الإبراهيمي النظام بأنه يرفض معالجة الأساس الذي تقوم عليه المحادثات وهو: التوصل إلى مرحلة انتقالية سياسية عن طريق المفاوضات. وقد أضحى جلياً الآن أنه لا يراود الرئيس بشار الأسد شعور بالحاجة إلى المضي في المفاوضات، سواء كان ذلك التوصل إلى حل سياسي لإنهاء الأزمة أو وصول المساعدات الإنسانية والإجلاء من المناطق المحاصرة من قبل النظام. وبالمثل، يرفض مؤيدو الأسد في روسيا ممارسة أي ضغوط عليه من أجل الوفاء بالتزاماته السياسية بموجب "بيان جنيف" من عام 2012. ووفقاً لسفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة سامانثا باور، بلغت حصيلة القتلى السوريين أثناء فترة انعقاد جولات المحادثات الأخيرة ما يناهز 5000 قتيل، في ما وصفته بأنه "أكثر الفترات دموية على الإطلاق طوال عمر الصراع".

ومما يزيد الأمور سوءاً هو تباطؤ النظام السوري المتعمد في التخلص من أسلحته الكيميائية، حيث لم يتم نقل سوى 11 في المئة فقط من الشحنة الأولى إلى خارج البلاد حتى الآن. وفي 30 كانون الثاني/يناير، ذكرت السلطات الأمريكية أن النظام السوري قد "راجع" إقراراته الأولية لـ «منظمة حظر الأسلحة الكيميائية»، معلناً رفضه تدمير مواقع الأسلحة الكيميائية الاثني عشر التي أعلن عنها.

وبالنظر إلى كل ذلك، تُظهر هذه المستجدات أن الأسد لا يمارس فقط ألاعيب ملتوية وقاسية للتشبث بالسلطة، بل يعمل أيضاً على تصعيد الأزمة. فمن خلال حرب التجويع التي يشنها ضد المعارضة وعرقلته التوصل إلى حل سياسي، يضمن الأسد بقاء البلاد في حالة دائمة من التقسيم، فضلاً عن قيام ملاذات إرهابية على كلا الجانبين. ومن خلال عدم إيفائه بالتزاماته تجاه «منظمة حظر الأسلحة الكيميائية»، فإنه يهدد بتأجيج الصراع - إذ أنه كلما طالت مدة بقاء هذه الأسلحة في البلاد، زادت احتمالية استخدام النظام لها مرة أخرى أو وقوعها في أيدي الجماعات الإرهابية. وباختصار، يشكل الوضع تهديداً واضحاً للأمن الإقليمي والدولي.

ولذلك، ينبغي على الولايات المتحدة قلب الطاولة على الأسد باستخدامها قرار سوريا من شهر أيلول/سبتمبر، بالتوقيع على "اتفاقية الأسلحة الكيميائية" كورقة ضغط لضمان امتثاله في مسألتين أخرتين هما: الانتقال السياسي على النحو المبين في "بيان جنيف"، وتوصيل المساعدات الإنسانية/إجلاء المدنيين. ورغم ضعف الاتفاق في أروقة مجلس الأمن الدولي بشأن مسألة المساعدات الإنسانية، إلا أن الامتثال لقرارات «منظمة حظر الأسلحة الكيميائية» و "بيان جنيف" كلاهما منصوص عليه في نفس وثيقة مجلس الأمن: "القرار رقم 2118"، الذي يجب تنفيذه بموجب تدابير "الفصل السابع": مثل فرض العقوبات واستخدام القوة في أعقاب صدور قرار "الفصل السابع" اللاحق. إن مواصلة ممارسة الضغط الآن استناداً إلى "القرار رقم 2118" سوف تخلق معضلة تترتب عليها نتائج مفيدة، تتمثل بإجبار موسكو على كشف ما إذا كانت غير قادرة على استدراج نظام الأسد نحو التخلص من برنامج أسلحته الكيميائية والتفاوض حول الانتقال السياسي، أو مجرد غير راغبة بذلك. ومن شأن هذه المنهجية أن تعمل أيضاً على إعداد الرأي العام الأمريكي نحو مواجهة عسكرية محتملة مع الأسد هذا الصيف بسبب رفضه التخلص من المواد الكيميائية.

قرار واحد، مسألتان حساسيتان

كما ذكر الإبراهيمي، تعثرت محادثات السلام بسبب رفض نظام الأسد مناقشة "هيئة الحكم الانتقالية" على النحو المبيّن في إطار "بيان جنيف"، و "خطة العمل من أجل سوريا" التي حازت على قبول دولي وتمت الموافقة عليها من قبل الولايات المتحدة وروسيا ومنصوص عليها في "القرار رقم 2118". وبدلاً من ذلك، قدّم النظام حلاً سياسياً قسرياً يتمحور حول "إعادة انتخاب" الأسد لولاية ثالثة مدتها سبع سنوات، بعد انتهاء ولايته الحالية في 7 تموز/يوليو؛ بيد إن ذلك يُضمن له من الناحية العملية الفوز في الانتخابات المزورة المقرر إجراؤها في ربيع هذا العام. وهذا أمر غير مقبول على الإطلاق بالنسبة للمعارضة. وفي ضوء عجز النظام عن استعادة كافة الأراضي التي فقدها [ناهيك عن] السيطرة  عليها، فمن شأن هذا الحل أن يجعل من المستحيل إعادة توحيد سوريا تحت قيادة مركزية، الأمر الذي يؤدي إلى تقسيم البلاد بصورة دائمية على غرار ما حدث في الصومال.

وفي الوقت نفسه، وفقاً لما ورد على لسان سفير الولايات المتحدة لدى «منظمة حظر الأسلحة الكيميائية» روبرت ميكولاك في 30 كانون الثاني/يناير - فإن الجهود التي يبذلها النظام لإزالة "المواد الكيميائية والسلائف الكيميائية الأساسية" قد "ضعفت بشدة وتوقفت" من ناحيتين على الأقل. أولاً، لم يتم نقل سوى نسبة صغيرة فقط من الشحنة الأولى إلى ميناء اللاذقية لكي يتم نقلها بعد ذلك إلى خارج سوريا وتدميرها في وقت لاحق. ومن المفترض أن تكون تلك الشحنة قد شملت 500 طن من أكثر المواد الكيميائية سمية، مع شحنة أخرى مكونة من 700 طن كان مقرراً نقلها بعد ذلك. وقد جاء تقييم ميكولاك غير مفاجئ بالمرة: حيث أشارت [بعض] التقارير إلى أن الشحنات كانت صغيرة بشكل ملحوظ لبعض الوقت، مما دفع الأسد إلى إلقاء اللوم - في المقابلة التي أجراها مع "وكالة فرانس برس" في كانون الثاني/يناير - على «منظمة حظر الأسلحة الكيميائية» بسبب "البطء" في توفير المعدات اللازمة لذلك. وقد جاء هذا عند الإشارة إلى طلبات سوريا الحصول على معدات إضافية بسبب "مخاوف أمنية" في منطقة القلمون على طول الطريق السريع إم 5 (M- 5) شمال دمشق، الذي يتم من خلاله نقل شحنات الأسلحة الكيميائية. وقد وصف ميكولاك تلك المخاوف كـ "عديمة الأساس" قائلاً بأنها تظهر "عقلية المساومة وليس العقلية الأمنية"، حيث من المعلوم بالفعل أن النظام وحليفه «حزب الله» قد عززا موقفهما بصورة كبيرة في تلك المنطقة.

ثانياً، إن الأمر الأكثر مدعاة للقلق هو سعي دمشق لمراجعة إقرارها الأولي لـ «منظمة حظر الأسلحة الكيميائية» من أجل الإبقاء على مواقع الأسلحة الكيميائية الاثني عشر التي أعلنت عنها، على ما هي دون أي تأثير. ويرغب النظام الآن في جعل تلك المواقع "معطلة" عن طريق "إغلاق أبواب المنشآت وبناء حواجز داخلية"- وهي تدابير قالت عنها واشنطن بأنه "يمكن عكسها بسهولة في غضون أيام"، وبالتالي فهي أقل بكثير من التزام سوريا الأصلي بـ "تدمير المواقع مادياً على النحو المنصوص عليه في «الاتفاقية» والسوابق لتنفيذ ذلك المطلب". وقد جاء الاقتراح عقب تصريح الأسد في مقابلته مع "وكالة فرانس برس" بأن التزام سوريا الوحيد كان "إعداد وجمع البيانات وتوفير السبل لوصول المفتشين". وأضاف أن "الأمور المتبقية ترجع إلى أطراف أخرى".

وقد أشار الطلب المتعلق بالمواقع إلى أن دمشق كانت تتراجع عن التزاماتها بموجب "القرار رقم 2118" و "اتفاقية تدمير الأسلحة الكيميائية"، التي انضم إليها النظام في العام الماضي تحت تهديد استخدام القوة العسكرية الأمريكية. ورداً على ذلك، صرح ميكولاك أن الولايات المتحدة كانت على استعداد "لاستكشاف نهج" يتم بمقتضاه هدم أسطح سبع حظائر طائرات مقواة تُستخدم كمواقع كيميائية. أما مواقع الأسلحة الكيميائية الخمس المتبقية فهي كائنة تحت الأرض؛ وعلى الرغم من أن ميكولاك أشار إلى أنها تمثل "مشكلة تدمير أكثر تعقيداً،" فقد أوصى بهدم بوابات الأنفاق وإضعاف "السلامة الهيكلية" للأنفاق عند "منعطفات رئيسية".

استخدام "القرار رقم 2118" لإعادة الأسد إلى طاولة المفاوضات

لعل السبيل الأمثل لمنع الأسد من تصعيد الأزمة وهيمنته على المرحلة الانتقالية هو ممارسة الضغط عليه للالتزام بالجدول الزمني للتخلص من الأسلحة الكيماوية وتدمير المواقع الكيميائية. إن نقل المزيد من الشحنات إلى خارج سوريا سيمنع وقوع سلاح استراتيجي كان النظام قد استخدمه مراراً وتكراراً، فضلاً عن منعِه من الوقوع في الأيادي الخاطئة. بيد أن هناك سبباً آخراً مقنعاً لدفع الأسد نحو "القرار رقم 2118" ألا وهو: أن النظام جعل نفسه عرضة للهجوم من جبهات أخرى من خلال مماطلته في كل ما يخص «منظمة حظر الأسلحة الكيميائية». فالتركيز على الجهد المبذول بغية التخلص من الأسلحة الكيماوية في سوريا سيساعد واشنطن على تحديد موقفها على وجه دقيق، ليس فقط بالنسبة لنظام الأسد، بل بالنسبة لموسكو أيضاً. ويمكن أن يسير تسلسل هذه الاستراتيجية على النحو التالي:

1. ممارسة ضغط دبلوماسي حول "القرار رقم 2118" المتعلق بتدمير الأسلحة الكيميائية فضلاً عن تشكيل هيئة حكومية انتقالية كما هو محدد في "بيان جنيف". لعل موضوع الأسلحة الكيماوية هو المشكلة السورية الوحيدة التي يوجد بشأنها اتفاق واضح في مجلس الأمن الدولي فيما يتعلق بالخطوات التي يتعين على الأسد اتخاذها، كما أن العملية الانتقالية الموضحة في "بيان جنيف" قد لقيت ترحيباً دولياً واسعاً. فالتأكيد على هذين الأمرين من خلال التركيز على الامتثال لـ "القرار رقم 2118" سيجبر النظام على الالتزام ببرنامج العمل المحدد ويوجهه بعيداً عن محاولته تبرير هجومه ضد المدنيين كأسلوب من الحرب على "الإرهاب". وفي الوقت نفسه، يجب على الحكومة الأمريكية أن تواصل الضغط لمساندة مشاريع قرارات الأمم المتحدة الحالية التي تتعلق بالمساعدات الإنسانية وإجلاء المدنيين استجابة للزيادة الأخيرة في معدلات العنف واستمرار محاصرة ما يقرب من200,000  سوري من جانب النظام. وفي ضوء الحاجة الملحة لهذا الأمر، ينبغي أن يكون لأي من هذه القرارات نتائج واضحة في حالة عدم الامتثال له.

2. ممارسة ضغط عام ضد النظام وفقاً لتأخره في تنفيذ "القرار رقم 2118". من خلال تسليط الضوء على نحو متزايد على وابل الهجمات التي شنها نظام الأسد في الآونة الأخيرة ضد المعارضة، يمكن لواشنطن بناء الضغط ليس فقط على دمشق، بل على موسكو أيضاً، محددة نهائياً وعلى نحو حاسم ما إذا كانت روسيا سوف تقنع الأسد بالوفاء بالتزاماته بشأن التخلص من الأسلحة الكيماوية والاتجاه نحو التحول السياسي. بالإضافة إلى ذلك، فإن مثل هذه المنهجية سوف تثير حفيظة موسكو على الصعيد الإنساني.

كما يمكن لأي حملة ضغط دبلوماسية وعلنية أن تبني دعماً للولايات المتحدة من قبل المعارضة بعد أن كان هذا الدعم والتأييد في أدنى معدلاته العام الماضي عندما قررت إدارة أوباما تأجيل شن الهجمات العقابية بعد ورود بعض التقارير بأن النظام قد استخدم الأسلحة الكيماوية ضد المدنيين. وهذه النوايا الحسنة قد تُستخدم بدورها في الحصول على ضمانات من الثوار -- على طول الطريق القلمون - اللاذقية -- بعدم مهاجمتهم قوافل الأسلحة الكيماوية أو تعرضهم لها. ومن شأن هذا النهج أن يعزز الانطباع الجيد الذي أظهره موقف واشنطن الدبلوماسي القوي في محادثات السلام الأخيرة، وعلى وجه الخصوص في استبعاد إيران عن طاولة [المفاوضات] إلا إذا وافقت على "بيان جنيف".

إعادة النظر في محدودية القوة العسكرية المباشرة

لم يغير نظام الأسد مساره بشكل جذري حتى الآن، إلا عندما واجه تهديداً حقيقياً باستخدام القوة العسكرية الأمريكية في الخريف الماضي. إن هذا يشابه التحول الذي حصل في نظرة الأسد في ظل الضربات العسكرية الإسرائيلية ضد القوافل التي حاولت نقل الأسلحة الاستراتيجية إلى «حزب الله». ولذلك فمن المهم أن تشدد واشنطن على نقطة كان قد أبرزها الرئيس أوباما ألا وهي: أن الهجمات الأمريكية على سوريا قد تأخرت العام الماضي، ولم تلغى، فقط لأن واشنطن أرادت التعرف على مدى استعداد النظام للوفاء بالتزاماته بموجب "القرار رقم 2118". إن تبني هذا المسار لن يكون فقط مفيداً في شرعنة استخدام القوة العسكرية ويخلق ضغطاً نحو التحرك، بل سيسهم أيضاً في إعداد الرأي العام الأمريكي بشأن ضرورة توجيه ضربة عسكرية محدودة في حال فشل دمشق في الوفاء بالموعد النهائي للتخلص من برنامج أسلحتها الكيماوية وهو 30 حزيران/يونيو، الأمر الذي سيكون مرجحاً على نحو متزايد.

ولا يتعلق الأمر فقط بكَوْن المصداقية الأمريكية على المحك: فمن خلال تصعيده للعنف، وعدم احترامه للمفاوضات الحقيقية، وتمسكه بترسانته الكيميائية، ضمن نظام الأسد كَوْن الأزمة السورية مثار تهديد للولايات المتحدة وحلفائها في أوروبا والشرق الأوسط على نحو متزايد. كما أن التوقيت السياسي الداخلي يضيف المزيد من الإلحاح على المسألة: فمن المحتمل أن يواجه الرئيس أوباما مزيداً من النقد من الحزب الجمهوري حول مسألة تعامله مع الأزمة ولن تتوافر لديه أية إجابات سهلة في أي وقت قريب؛ إن هذا الضغط يطل برأسه الآن بالفعل من خلال سباق انتخابات الكونغرس ذات النتائج المتقاربة، والتي يمكن أن تُنهي سيطرة الديمقراطيين على مجلس الشيوخ، ومعها قدرة الرئيس على الإدارة بفعالية أكبر خلال العامين المقبلين. وفي الوقت نفسه، تنخفض التكلفة الاقتصادية والسياسية النسبية للتدخل العسكري باستخدام أسلحة تعويضية (مثل صواريخ كروز) بينما تتزايد المخصصات المالية والعسكرية التي تقع على عاتق واشنطن للحد من المعاناة الإنسانية الآخذة في الازدياد في سوريا. وحيث تدخل الأزمة السورية عامها الرابع الشهر المقبل، فإن التعامل الآن بفعالية مع سلوك نظام الأسد من خلال الضغط عليه لتنفيذ "القرار رقم 2118" - واحتمال اتخاذ قرار إنساني جديد - هو الخطوة الصحيحة، سياسياً وأخلاقياً على حد سواء، لمواجهة هذه الأزمة.

 

أندرو جيه. تابلر هو زميل أقدم في برنامج السياسة العربية في معهد واشنطن.