أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المرصد السياسي 2325

أول مستعمرة لـ «الدولة الإسلامية» في ليبيا

هارون ي. زيلين

متاح أيضاً في English

10 تشرين الأول/أكتوبر 2014


يواصل تنظيم «الدولة الإسلامية»/«داعش» هجماته في العراق وسوريا، وفي الوقت نفسه يكتسب باطراد دعماً من أفراد وجماعات في جميع أنحاء العالم. وقد يكون التطوّر الأكثر أهمية [الذي طرأ أخيراً هو الإعراب الذي صدر] من قبل جماعة جهادية عالمية جديدة نسبياً نشأت في ليبيا باسم «مجلس شورى شباب الإسلام» [عن تأييدها لهذا التنظيم]، وأعلنت أيضاً في نهاية الأسبوع الماضي بأن مدينة درنة تُعتبر الآن جزءاً من "خلافة" «الدولة الإسلامية». وعلى الرغم من أنّ قادة «داعش» لم يعلّقوا على هذا الإعلان ولم "يضمّوا" المدينة رسمياً إلى «الدولة الإسلامية»، تبيّن خطوة «مجلس شورى شباب الإسلام» («المجلس») نهجاً للتوسّع يُحتمل اعتماده في المستقبل يختلف عن نموذج تنظيم «القاعدة» [القاضي بمنح امتيازات لتنظيمات مختلفة في جميع أنحاء العالم]. ويمكن أن توضِّح هذه الخطوة أيضاً كيف أنّه قد لا تكون هناك أيّ أهمية للحدود الوطنية والمساحات المتجاورة فيما يتعلق بالكيفية التي سيوسّع بموجبها تنظيم «داعش» خلافته إلى ما هو أبعد من بلاد الشام وبلاد مابين النهرين.

من هو «مجلس شورى شباب الإسلام»؟

في 4 نيسان/أبريل، أعلن تنظيم «مجلس شورى شباب الإسلام» عن وجوده عندما نزلت عناصره الملثمة إلى شوارع درنة - مدينة يبلغ عدد سكانها حوالي 80,000 نسمة وتقع على ساحل البحر المتوسط ​​على بُعد 150 كيلومتر تقريباً شرق بنغازي. وأعلن أولئك الملثمين، الذين كانوا يرتدون الزيّ العسكري، ويقودون الشاحنات، ويلوّحون بقاذفات قنابل تدفعها الصواريخ، والمدافع الرشاشة، ومدافع مضادة للطائرات، أنهم سيشكّلون القوة الأمنية الجديدة في المدينة ويطبّقون فيها حكم الشريعة. ويقيناً، لا يشكل «مجلس شورى شباب الإسلام» التنظيم المتمرد الوحيد القائم في درنة، كما أنه لم يتمكن من احتكار التحكّم بشؤون المدينة منذ نيسان/أبريل. بيد، في الوقت الذي لا يُعرف الكثير عن قادة الجماعة وأعضائها الفرديين، من الواضح أنّها حاولت الالتزام برسالتها الأصلية.

في 13 أيار/مايو، بدأ «المجلس» بإجراء دوريات أمنية في أجزاء من درنة، وبحلول منتصف آب/أغسطس، كان قد سيطر على مستشفى "الهريش"، في خطوة تذكّرنا بالكيفية التي قام  بها الفصيل الجهادي الآخر، كتائب «أنصار الشريعة في ليبيا»، بتأمين مستشفى "الجلاء" في بنغازي، مما جعل هذه الكتائب تظهر كجماعة تتمتع بحسن النية بعد معارضة الكثير من المدنيين لها في أعقاب الهجوم الذي وقع على القنصلية الأمريكية عام 2012. وعلاوةً على ذلك، ففي 18 أيار/مايو، بدأ «مجلس شورى شباب الإسلام» بملء صفحته الرسمية على موقع الـ "فيسبوك" ببيانات من لجنته الشرعية عن أفراد - من بينهم أعضاء في الحكومة الليبية "المرتدة" وقوات متمردة أخرى، وعينة عشوائية من المواطنين - كانوا  قد "تابوا" وانضموا إلى صفوف الجماعة، وهو تكتيك يستخدمه أيضاً تنظيم «الدولة الإسلامية». ومنذ ذلك الحين، تمّ نشر بيانات عن حوالى مائة أو أكثر من هؤلاء الأفراد. بالإضافة إلى ذلك وفي 12 آب/أغسطس، نزل كثيرون من أعضاء «مجلس شورى شباب الإسلام» إلى الشوارع للمطالبة بتطبيق الشريعة، في حين نشرت لجنة الشريعة أطروحة معادية للديمقراطية على شبكة الإنترنت بتاريخ 20 آب/أغسطس.

وفي الوقت نفسه، بدأ «المجلس» بتطبيق "الحسبة" (المساءلة) في درنة، مطالباً الأفراد بتفسير سلوكهم "غير الإسلامي،" وكان ذلك يتمّ أحياناً من خلال الاقتصاص غير القانوني. على سبيل المثال، نشر التنظيم على صفحاته على وسائل التواصل الاجتماعي في 1 حزيران/يونيو و 30 آب/أغسطس كيف قام بمصادرة مخدرات وكحول. وبدأت الجماعة أيضاً بتطبيق "الحدود" الشرعية (عقوبات جنائية بموجب الشريعة) في منتصف تموز/يوليو، وتمادت في ذلك إلى حدّ أنها نفّذت إعداماً علنياً في ملعب لكرة القدم في 18 آب/أغسطس ، يذكّر بعمليات الإعدام التي نفّذتها حركة طالبان. وقد جلبت تلك الإجراءات سمعة سيّئة لـ «المجلس» بين بعض السكان، ولكنها زرعت أيضاً خوفاً كبيراً في قلوبهم.

«مجلس شورى شباب الإسلام» و «الدولة الإسلامية»

فضلاً عن استخدامه أيقونية «داعش»، وأبرزها راية التنظيم السوداء، أصدر «مجلس شورى شباب الإسلام» أيضاً بياناً في 22 حزيران/يونيوأظهر فيه دعمه لـ «الدولة الإسلامية» وزعيمه أبو بكر البغدادي. ومن جملة ما قال فيه: "لزاماً علينا نحن في مجلس شورى شباب الإسلام، نصرة هذه الدولة الإسلامية المظلومة، التي عاداها القريب و البعيد سواءً من الكفار، أو المنافقين، أو مرضى النفوس". وتابع البيان: "فدولة الإسلام باقية - بإذن الله - لأنه ما كان لله دام واتصل، وما كان لغيره انقطع وانفصل".  

وقد جاء ذلك البيان قبل الإدعاء الرسمي الذي صدر في 3 أكتوبر/تشرين الأول، والذي اعتبر الأراضي التي يسيطر عليها «مجلس شورى شباب الإسلام» في مدينة درنة جزءاً من الخلافة، تلك الأراضي التي أطلق عليها فيما بعد اسم "ولاية درنة" التي هي جزءاً من «الدولة الإسلامية». وقد يكون إصدار هذا الإدعاء الأخير قد جاء رداً على مزاعم تحدّثت عن إرسال «داعش» مؤخراً 15 من عناصرها من سوريا إلى درنة. وللاحتفال بالإعلان، نظّم «مجلس شورى شباب الإسلام» منتدىً في "جامع الصحابة" باسم "الخلافة على منهاج النبوة،" وهو شعار كان تنظيم «الدولة الإسلامية» يستخدمه في العام الماضي. وقد شارك المئات من الناس في تلك الفعالية. فبالإضافة إلى الخُطب والألعاب الترفيهية للأطفال، كشف المنتدى عن عَلَم «داعش» وسيارات تابعة لـ «مجلس شورى شباب الإسلام» كُتبت عليها عبارة "الشرطة الإسلامية"، بالإضافة إلى كلمة "الحسبة" بالخط العريض على القسم العلوي من بعض السيارات، بينما كُتبت عبارة "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" على القسم السفلي منها وفي نص أصغر من سابقاتها من الكلمات. كما قدّم المنظمون أيضاً "نشيداً" نشرته "مؤسسة أجناد للإنتاج الإعلامي"، التي هي المنفذ الإعلامي التابع لـ تنظيم «الدولة الإسلامية».

وفي خضمّ أجواء الاحتفال موضع الحديث، لم يكن الجميع في درنة راضياً عن ذلك التحول في الأحداث. وفي 7 تشرين الأول/أكتوبر، أعرب الفصيل المتمرد الرئيسي «كتيبة شهداء ابوسليم» - إلى جانب بعض السكان المحليين - عن عدم رضاه عن إعلان «مجلس شورى شباب الإسلام»، بقوله أنه لن يعلن "البيعة" مطلقاً إلى أي شخص خارج ليبيا. ويعتقد إنّ الجماعتيْن متورطتان في معركة ضروس في أجزاء من درنة، الأمر الذي خلّف العديد من القتلى والجرحى في الأسابيع القليلة الماضية. وتُلقي مثل هذه التطورات ظلالاً من الشك على إمكانية استدامة مشروع «مجلس شورى شباب الإسلام»؛ يتعيّن على هذا التنظيم أن يشحذ المزيد من القدرات إذا أراد لولايته التابعة لـ "الخلافة" أن تستمرّ على المدى الطويل. ولكن مع ذلك، لا يمكن تجاهل تاريخ درنة المليء بالعلاقات مع حركات جهادية في بلدان أخرى. فعلى سبيل المثال، عندما عثرت القوات الأمريكية في العراق على قائمةً بأسماء المقاتلين المتمردين الأجانب في البلاد عام 2007، كان 52 من الليبيين الـ 112 المذكورين على تلك القائمة من درنة.

نموذج جديد؟

على الرغم من غياب البيانات الرسمية من «داعش» بشأن هذه المسألة، قد تشكّل المناورة التي قام بها «مجلس شورى شباب الإسلام» في ليبيا نموذجاً لاستحواذ تنظيم «الدولة الإسلامية» مستقبلاً على أراضٍ خارج قاعدته في العراق وسوريا. ولا تزال قدرات القيادة والسيطرة موضع أسئلة، حيث قد تكون هناك حاجة إلى تلك القدرات لتحقيق سيناريو مشابه، فضلاً عن الشؤون اللوجستية المترتبة على حشد مقاتلين أجانب وشبكات تيسير على نطاق واسع. وسيختلف هذا النموذج أيضاً اختلافاً هائلاً عن طريقة عمل تنظيم «القاعدة» في الماضي، إذ كان هذا الأخير يعتمد بالأساس على الامتيازات [التي منحها] للمنظمات المحلية المستقلة.

ومهما يترتّب عن الإعلان الذي أصدره «مجلس شورى شباب الإسلام»، فإنه يسلط الضوء على الجاذبية المستمرة التي تتمتع بها «داعش» في أنحاء كثيرة من العالم خارج حدود العراق وسوريا، وعلى كادر المقاتلين الأجانب المتوفّر في تلك البلدان وحولها. يتعيّن على الحكومات في مختلف أنحاء العالم أن تدرك أنه لا يمكن تجاهل «داعش» أو غضّ النظر عنها، وأن الجماعة غير محدودة في بقعة جغرافية معيّنة. بل على العكس من ذلك، يبدو أنّ تنظيم «الدولة الإسلامية» يبعث الصحوة في قلوب الكثير من أتباعهه المحتملين في مختلف أصقاع الدنيا.

 

هارون ي. زيلين هو زميل ريتشارد بورو في معهد واشنطن ومؤسس موقع jihadology.net .