أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المرصد السياسي 2089

إرادة الجمهورية الإسلامية في البقاء: المقاومة النووية المحتملة، والثورة الاجتماعية غير المحتملة

سعيد جولكار و مهدي خلجي

متاح أيضاً في English فارسی

12 حزيران/يونيو 2013


"في 7 حزيران/يونيو 2013، خاطب سعيد جولكار ومهدي خلجي منتدى سياسي في معهد واشنطن. والسيد جولكار هو زميل في "مركز روبرتا بافيت للدراسات الدولية والمقارنة" في جامعة نورث وسترن. والسيد خلجي هو زميل أقدم في المعهد ومنتج سابق في "هيئة الاذاعة البريطانية" وخدمة الأخبار الفارسية التابعة للحكومة الأمريكية. وفيما يلي ملخص المقرر لملاحظاتهما؛ بالإمكان متابعة كلمة السيد خلجي بأكملها عبر شريط الفيديو أعلاه."

 

سعيد جولكار

تواجه النظم غير الديمقراطية بصفة عامة ثلاثة تهديدات أساسية تمثل خطراً على بقائها وهي: التهديدات من أعلى (الانقلابات)، ومن أدنى (الانتفاضات الشعبية)، ومن الخارج (التدخل الأجنبي). لقد نجحت جمهورية إيران الإسلامية في البقاء على ما يزيد عن ثلاثة عقود وكان الفضل في ذلك يرجع في جزء كبير منه إلى قدرتها على مواجهة كل من هذه التهديدات.

إن الاستراتيجية الأكثر فاعلية التي ينتهجها النظام لتحييد أي انقلابات محتملة هي موازنة القوة العسكرية من خلال هيكل متوازٍ. فلقد عمل تأسيس "فيلق الحرس الثوري الإسلامي" الإيراني في عام 1980 على حماية القيادة ضد أي تهديد من الجيش النظامي. وبعد انتهاء الحرب بين إيران والعراق في نهاية الثمانينات، أحكم النظام سيطرته على الجيش والأجهزة الأمنية من خلال تعزيز ثلاثة هياكل متوازية للقيادة: "مركز القيادة العامة للقوات المسلحة"، "وممثلي المرشد الأعلى"، وجهاز مكافحة التجسس.

واليوم تضرب جذور الهيكلين الأخيرين بعمق داخل الدولة، حيث هناك العديد من الأفراد من كل منهما مدمجين في وحدات صغيرة عبر كافة فروع القوات المسلحة والشرطة. ويعمل كل من الهياكل الثلاثة كموازن للهيكل الآخر. ويكون ممثلو المرشد الأعلى عادة من الملالي، ويشرف الضباط من الجيش النظامي على جهاز مكافحة التجسس، لذا فإن كليهما يعمل كثقل موازنة ضد "فيلق الحرس الثوري الإسلامي" النخبوي. وفي غضون ذلك، يكون "مركز القيادة العامة للقوات المسلحة" مسؤولاً أمام المرشد الأعلى من خلال رئيس مكتبه العسكري، المنحدر من قوات "الباسيج" شبه العسكرية. ومن خلال هذه الآليات، لا يزال آية الله علي خامنئي يحظى باليد العليا على "فيلق الحرس الثوري الإسلامي".

كما يستخدم النظام حوافز لمنع الانقلابات. ومن خلال إشراك أفراد الأمن في المشاريع التجارية وغيرها من الشؤون الاقتصادية، فإنه يحد من رغبتهم في القيام بانقلاب عسكري.

وفي سبيل مواجهة تهديد الانتفاضات الشعبية، قام النظام بتطبيق استراتيجية لتنظيم وحشد الأنصار مع إرباك خصومه وتشتيتهم في وقت واحد. ومن خلال شبكة "الباسيج" وغيرها، لا تحشد طهران أنصارها الأساسيين (النشطين والمحتملين) فحسب، بل تستوعب الناس وتجعلهم على الحياد بين المعارضة والموالاة من خلال إتاحة مزايا ملموسة لهم. وبمجرد انضمامهم إلى شبكات النظام تقوم آلة الدعاية بدفعهم نحو استيعاب الأيديولوجيات الإسلامية وإثنائهم عن معارضة الحكومة.

وفي سبيل مواجهة التهديدات الخارجية، وسعت الجمهورية الإسلامية وجودها عبر أنحاء العالم، لا سيما في الفناء الخلفي لأعدائها المفترضين، الولايات المتحدة وإسرائيل. ويتضمن ذلك الحفاظ على نفوذها في سوريا ولبنان وكوبا وفنزويلا وبوليفيا. ومن أجل تشكيل محور المقاومة هذا، يسعى النظام إلى تحدي أمريكا وإسرائيل مع ردعهما في الوقت ذاته عن مهاجمة إيران. ويطلق النظام على هذه الاستراتيجية "صعود المقاومة". وفي أعقاب الصراعات المسلحة، عادة ما تحاول الحكومات الغربية ترسيخ عملية لنزع سلاح الجماعات العسكرية وتسريحها وإعادة دمجها في المجتمع. أما هدف إيران فهو النقيض تماماً -- فهي تحاول دمج الناس وحشدهم وتسليحهم.

ومن غير المرجح أن يتغير موقف إيران في المستقبل القريب، لكن هناك مساحة للتفاؤل على المدى البعيد. ورغم تطرف قادتها، إلا أن البلاد هي أيضاً موطن لبعض النخب السياسية الأكثر انفتاحاً في المنطقة. فدعم الشعب الإيراني للمبادئ الليبرالية، والعدد الكبير من المثقفين في البلاد، وعدم التعاطف واسع النطاق مع أسلمة المجتمع كل ذلك يبشر بالخير في المستقبل -- إلا أن ذلك لن يحدث في الوقت الذي يستمر خامنئي في سدة الحكم.

 

مهدي خلجي

تعاظم دور آية الله خامنئي في الاقتصاد الإيراني والسياسة الخارجية للبلاد بشكل حاد على مر السنين. فعندما تم تعيينه مرشداً أعلى في عام 1989، كان سياسياً ضعيفاً إلى حد ما -- وفي الواقع أن ذلك كان السبب الرئيسي وراء تعيينه. فقد كانت النخبة في الجمهورية الإسلامية آنذاك تؤمن بأنه لا يمكن إيجاد بديل بحجم وقامة روح الله الخميني الراحل، وبالتالي فإن منصب المرشد الأعلى سيصبح منصباً شكلياً. وفي ظل هذا التفكير، سيصبح الرئيس أعلى سلطة في النظام -- وفي الواقع أن الرئيس أكبر هاشمي رفسنجاني كان الشخصية الأكثر قوة في إيران لدى تعيين خامنئي. ففي مذكراته لعام 1989، روى رفسنجاني كيف أن خامنئي جاء إليه في وقت سابق من ذلك العام يشكو إليه من أن دوره الجديد كمرشد أعلى هو "رتيب وممل للغاية"، الأمر الذي يبرز مدى ضعف المنصب آنذاك مقارنة بالرئاسة.

وفي أعقاب الحرب بين إيران والعراق، أراد مسؤولو "فيلق الحرس الثوري الإسلامي" أن يلعبوا دوراً في المجتمع السياسي في البلاد. فقد وافق خامنئي ورفسنجاني على السماح بأن يصبح "الحرس الثوري" أكثر مشاركة في الاقتصاد الإيراني، وجعل المرشد الأعلى يشرف على العملية بما يتماشى مع دوره الدستوري كرئيس لـ "فيلق الحرس الثوري الإسلامي". وبمرور الوقت، أعاد خامنئي تشكيل "الحرس الثوري" ليصبح الكيان الأكثر قوة في البلاد. وفي غضون ذلك، قرر رفسنجاني التركيز على الوضع الاقتصادي، وعدم ترك أمر إدارة "الحرس الثوري" فقط إلى المرشد الأعلى، بل أيضاً إدارة أجهزة الاستخبارات والهيئة القضائية والتلفزيون والمنافذ الإذاعية التابعة للدولة. ومن خلال سيطرة خامنئي على الأسلحة والسجون والدعاية، تمكن من إضعاف جميع الفاعلين السياسيين الآخرين. وأثناء فترة ولاية رفسنجاني الثانية أصبح خامنئي المرجعية النهائية حول كافة القضايا الكبرى، حيث كان الرئيس يراقب القطاعات التي كان المرشد الأعلى قد رسخ فيها نفوذه بالفعل. وقد خضع الرؤساء اللاحقون لسلطة خامنئي منذ لحظة توليهم السلطة، رغم انتخابهم بشعبية كبيرة.

واليوم أصبح خامنئي يؤمن بقوة أن الغرب لم يعترف مطلقاً بشرعية الجمهورية الإسلامية. وهو يرى أن العداء بين إيران والولايات المتحدة عداء حقيقي ومتأصل وقائم منذ مولد الجمهورية الإسلامية، كما يتضح من العقوبات الأمريكية القائمة منذ فترة طويلة. ويعتقد أيضاً أن الحرب بين إيران والعراق لم تكن صراعاً مع بغداد إلى حد كبير، بل مع الغرب.

وفيما يتعلق بالأزمة الراهنة مع المجتمع الدولي، فإن أكثر ما يخيف خامنئي هو الغزو الثقافي الغربي وذلك يفوق انزعاجه من أي عقوبات اقتصادية. وهو مهووس بفكرة أن البيت الأبيض هو دائم التنسيق مع هوليوود وغوغل وآپل للوصول إلى قلوب وعقول الإيرانيين. وحقيقة منح جائزة أوسكار لأفضل فيلم لهذا العام إلى فيلم " آرغو " وقيام السيدة الأولى ميشيل أوباما بتقديم تلك الجائزة تعزز إيمان خامنئي بأن الرئيس أوباما نفسه قد كَلف وضع مخطط تفصيلي لزعزعة استقرار الجمهورية الإسلامية. وهذا يعني أن الغرب قد أخفق في تقدير قوة الفكرة والأثر الذي يمكن أن تحدثه القوة الناعمة على النظام الإيراني.

وأخيراً، فإن رفض خامنئي الكامل للتسوية -- سواءً على النطاق الدولي أم في الداخل -- يضعف سمعة النظام بين الإيرانيين حتى في الوقت الذي يساعد فيه ذلك المرشد الأعلى على بسط نفوذه. ففي عام 2009 على سبيل المثال، عرض المرشح الإصلاحي الرائد مير حسين موسوي عدم الترشح للرئاسة مرة أخرى إذا وافق خامنئي على إعادة فرز الأصوات في الانتخابات المثيرة للجدل في ذلك العام. وبدلاً من الموافقة على طلبه، أصر المرشد الأعلى بأن مرشحه هو الذي فاز، ورفض عرض موسوي، بل وضعه في وقت لاحق رهن الإقامة الجبرية في المنزل لفترة طويلة لا تزال مستمرة حتى اليوم. إن سياسة عدم التنازل هذه تمثل خطورة على شرعية حكم خامنئي بل وشرعية النظام نفسه. وفي خطوة مماثلة، لم يتردد خامنئي في حرمان رفسنجاني من الترشح للانتخابات الرئاسية لهذا العام رغم الشعبية الكبيرة التي يحظى بها الأخير.

ويمتد موقف عدم التنازل هذا ليشمل أيضاً المعضلة النووية. فأثناء مناظرة رئاسية أجريت مؤخراً، انتقد المفاوض النووي الحالي سعيد جليلي، رئيس المفاوضين السابق في عهد الرئيس محمد خاتمي -- حسن روحاني لعدم إبدائه موقف قوي حيال هذه المسألة. وقد أكد روحاني أنه خلال مدته في المنصب، تمكن برنامج إيران النووي من تحقيق تقدم دون إثارة مخاطر صدور قرارات من الأمم المتحدة ضد النظام. بيد أن جليلي قال إن روحاني تجنب العقوبات على حساب إيقاف تخصيب اليورانيوم وعجز عن المقاومة. وهذا التحول من -- سياسة نووية أقل "مقاومة" إلى نهج عدم التنازل -- يتزامن بشكل مباشر مع توطيد سلطة خامنئي بمرور الوقت. ولو أنه ظل في السلطة أو نجح في بسط نفوذه بشكل أكبر خلال السنوات المقبلة، فسوف يستمر جانب المقاومة باعتباره الركيزة الأساسية لعملية صنع القرارات من جانب خامنئي حيال كافة السياسات، مما يترتب عليه عدم الاكتراث مطلقاً إلى التوصل لأي نوع من حلول الوسط.

 

أعد هذا الملخص المقرر غويف روزين.