أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المرصد السياسي 2372

المعركة ضد «داعش»: الميليشيات الشيعية ومساعي التحالف الدولي

مايكل نايتس, فيليب سميث, و پي. جي. ديرمر

متاح أيضاً في English

11 شباط/فبراير 2015


"في 6 شباط/فبراير 2015، خاطب مايكل نايتس، فيليب سميث، و پي. جي. ديرمر منتدى سياسي في معهد واشنطن. والسيد نايتس هو زميل ليفر في المعهد ومؤلف الدراسة التي أصدرها المعهد "الرحلة الطويلة: إعادة تفعيل التعاون الأمني الأمريكي في العراق". والسيد سميث هو باحث في جامعة ميريلاند، ومؤلف الدراسة التي أصدرها المعهد "الجهاد الشيعي في سوريا وآثاره الإقليمية". أما السيد ديرمر فهو عقيد متقاعد في الجيش الأمريكي وكان قد خدم في دورات عمل متعددة في الشرق الأوسط، من بينها اثنان في العراق. وفيما يلي ملخص المقرر لملاحظاتهم."

 

مايكل نايتس

من الممكن أن تتكلل الحرب على تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» («داعش») في العراق بالنصر، وتسير الولايات المتحدة حالياً بخطىً بطيئة نحو النصر. ولكن، وفقاً لنظام المعركة المتبع حالياً لدى القوات العراقية، يتركز معظم جنودها في بغداد وحولها. ويمكن نشر أقل من 10 آلاف جندي على مسافات بعيدة في حين تفتقر القوات العراقية عموماً إلى عناصر تتمتع بفعالية قتالية. إن جميع هذه العوامل تجعل من برنامج التدريب والتجهيز الذي تؤمنه الولايات المتحدة لتسعة ألوية خطوةً حيوية للعمليات المستقبلية ولا سيما العملية المرتقبة لاستعادة الموصل.

وفي حين يشير المسار الحالي إلى أنه سيتم دحر تنظيم «داعش» الذي يعرف أيضاً باسم «الدولة الإسلامية» في نهاية المطاف، إلا أن السؤال الرئيسي الذي يطرح نفسه هو: "ماذا لو هزمنا «داعش» وخسرنا العراق في طور ذلك؟" فالميليشيات العديدة التي تحارب تنظيم «الدولة الإسلامية» بدعمٍ من إيران تملك القدرة اللازمة للتغلب على القطاع الأمني في العراق، ما يؤدي إلى تحويل العراق إلى وكيل لإيران شبيه بـ «حزب الله». وكما حدث في مؤتمر يالطا عام 1945، تجد الولايات المتحدة اليوم نفسها في خضم حرب حيث يتعين عليها طرح أسئلة صعبة حول كيفية انتهاء الحرب، وسبب خوضها، وهوية حلفائها، وكيف سيتصرف هؤلاء الحلفاء بعد انتهاء النزاع. ومع أن المعركة الجارية في العراق تستحق العناء، إلا أنها معقدة وتزداد تعقيداً في ضوء النفوذ الإيراني المكثف.

إن الانقسام والتنافر بين حلفاء الولايات المتحدة في العراق واقعٌ ملحوظ. لذلك يجدر بواشنطن أن تقيّم بعناية مواقفها حيال مختلف الميليشيات [والقوات العسكرية] الناشطة في العراق، بدءً من قوات البيشمركة الكردية وصولاً إلى قوات الحشد الشعبي الوطني (الإيراني). وفي حين اعتادت الولايات المتحدة تفضيل الجماعات السنية أمثال الأكراد، إلا أن جميع الميليشيات قادرة على التسبب في المزيد من عدم الاستقرار إذا ما تُركت بلا حسيب أو رقيب.

إن انخراط الميليشيات الشيعية على وجه التحديد يشكل خطراً لسبيين، الأول هو أن مشاركتها ستُطيل الحرب على تنظيم «الدولة الإسلامية» لما ستسببه من احتكاكات وتقويض لدور القوات الكردية، والثاني هو أنه إذا عملت هذه الجماعات دون رقابة، فسوف تضعف الاستقلال الاستراتيجي التي تتمتع به العراق. وتتخطى هذه الجماعات الحدود القومية وتحظى بدعم إيراني كبير، ناهيك عن امتلاكها القدرة على الحلول محل بغداد في احتكارها للقطاع الأمني في العراق. ويكمن الحل في العمل مع الشيعة المعتدلين في القيادة العراقية العليا الذين يدركون خطر هذه الجماعات. فهؤلاء الوزراء الشيعة يؤيدون وحدة العراق وليس الطائفية أو النفوذ الإيراني المتزايد. ويتضح هذا الموقف من خلال إقرار "مشروع قانون الحرس الوطني" مؤخراً، مع أن تنفيذه لن يمرّ بلا تحدٍّ من قبل «منظمة بدر» والميليشيات التي تسعى إلى استغلال مشروع القانون والتقليل من شأنه.

يجدر بالذكر أن لواشنطن حلفاء في العراق تستطيع العمل معهم، لكن عليها التغلب على طهران في أدائها لدور الشريك الأمني. لذا يجب على الولايات المتحدة أن تظهر التزامها من خلال خطة إعادة ارتباط طويلة الأمد مع الحكومة العراقية، معززة بعمليات إعلامية تروج للدور الإيجابي الذي تلعبه الولايات المتحدة في النزاع. فخسارة العراق لصالح إيران ستعني خسارة شريكٍ إقليمي حيوي، ولتفادي حدوث مثل هذه النتيجة يستلزم قيام جهود متضافرة لمنع وقوع مثل هذا التطور. وإجمالاً، فإنّ هزيمة «داعش» وضبط أمن العراق سيتطلبان حشد قوات الأمن العراقية بشكل ضخم، وإثبات التزام الولايات المتحدة تجاه العراق بشكل واضح، والإطاحة بالتأثير الإيراني على القطاع الأمني في العراق.

فيليب سميث

عموماً، لم يسترعِ الجهاد الشيعي في سوريا الانتباه حتى الآن. فالميليشيات الشيعية في سوريا تمثل شبكة جهادية عبر وطنية تسيطر عليها إيران وتستقطب المقاتلين من مختلف أنحاء الشرق الأوسط فضلاً عن أوروبا وأفريقيا. وحيث يبلغ عددها بضعة آلاف، تملك هذه الميليشيات هيكلية تجنيد متقدمة ومفتوحة وفعالة عبر شبكة الإنترنت تعمل على استغلال وسائل التواصل الاجتماعي والصور المتطرفة. وهذه الجماعات قائمة منذ سنوات عديدة، وتناصر المصطلح السياسي في الفكر الشيعي المعروف بـ "ولاية الفقيه"، وتتلقى التدريب المتطور في إيران، وتخضع لسيطرة طهران المباشرة. وتنخرط في تكتيكات وحشية لا تختلف عن تلك التي يتبعها تنظيم «الدولة الإسلامية».

بدأت فكرة هذا الجهاد مع التهديد الذي شكله المقاتلون السنة على المقامات الشيعية المقدسة في سوريا - وخصوصاً مقام "السيدة زينب" قرب دمشق - والذي كان الذريعة لدخول النزاع. ووفقاً لهذه الفكرة، تشكل الجماعات السنية المتطرفة جزءاً من مؤامرة أكبر بين الولايات المتحدة وإسرائيل هدفها شن الحرب على الشيعة في سوريا من خلال إيجاد معاقل آمنة لـ تنظيم «القاعدة». وتروّج إيران نفسها على أنها حامية لجميع الشيعة، فضلاً عن الأقليات الأخرى في المنطقة التي تستهدفها التنظيمات السنية التكفيرية. وفي حين لعبت إيران دوراً محورياً في تنمية هذه الجماعات الشيعية والحفاظ عليها، إلا أنها حرصت على التقليل من أهمية غايتها الجيوستراتيجية بإبقاء نظام بشار الأسد في السلطة.

وقد ظهرت شبكة معقدة بل مترابطة من الميليشيات الشيعية في سوريا، من ضمنها "حاملو الراية" الإيرانية أي «حزب الله» اللبناني و «منظمة بدر»، بالإضافة إلى فصائل صغيرة من الحركات الصدرية على غرار «لواء اليوم الموعود» والجماعات المتبقية من حرب العراق مثل «عصائب أهل الحق». إلا أن الميليشيات الشيعية الأكبر حجماً والأكثر تأثيراً تقع خارج سوريا، ومن بينها، «لواء أبو فضل العباس» الذي يضم الشبكة الكبرى في سوريا، وله عدة تنظيمات مرتبطة به وجماعات منشقة تعمل تحت قيادته.

وقد لعبت شبكة الميليشيات الإيرانية دوراً فعالاً في ضمان استمرار حكم دمشق والأسد لتسيطر فعلياً على الحكومة السورية في سياق ذلك. فقد فتحت جبهة جديدة في الجولان ضد إسرائيل، وتغلغلت في الحكومة العراقية، وروّجت إلى حد كبير للدعاية الإيرانية عن كون الجمهورية الإسلامية لاعباً إقليمياً قوياً مسؤولاً عن حماية الشيعة. وإذا استندنا إلى تجارب الماضي، فستسعى إيران إلى توسيع نطاق نفوذها في جميع أنحاء دول المشرق ودول الخليج. والحقيقة المؤسفة في الشرق الأوسط اليوم هي أن الجهاد الشيعي الذي ترعاه إيران باقٍ في المستقبل المنظور.

پي. جي. ديرمر

لا تعكس الأعمال الأمريكية دائماً الواقع المعقد للانقسامات التاريخية المتعددة في الشرق الأوسط، تلك المنطقة التي لا يمثل فيها نظام الدولة القومية الواقع الرئيسي بصورة دائمة. ويشكل برنامج التدريب والتجهيز الأمريكي عاملاً رئيسياً في هذا السياق، وهو مسعى يواجه العديد من التحديات الخطيرة. فكل من «داعش» وشبكة الميليشيات الشيعية تشكل تهديداً خطراً ومنظّماً يملك الأسلحة الحديثة والتكنولوجيا المتطورة والمراكز المحصّنة.

إن الطريقة المثلى لمحاربة تنظيم «الدولة الإسلامية» تستلزم تقييم الوضع، أولاً وقبل كل شيء على المستوى الاستراتيجي وليس التكتيكي. وهذا يعني أخذ التصدعات الطائفية في الشرق الأوسط في عين الحسبان - لا سيما الانقسامات بين العرب والإيرانيين، وبين السنة والشيعة. فخلال حرب العراق بعد عام 2003، تم تخفيف حدة هذا الانقسام من خلال المحاولات التي بذلتها الحكومة الجديدة لتوظيف التكنوقراطيين في المناصب العسكرية والمراكز العليا في المجتمع المدني بدلاً من أفراد الأحزاب الفاسدة ("البعث" وغيره) والمؤيدين للطائفية. ومع ذلك نجح نفوذ الأحزاب الدينية وإيران في التغلغل في النهاية داخل الحكومة العراقية.

ونظراً إلى هذه المعطيات الأساسية، يبقى السؤال المطروح على واشنطن هو كيفية تحديد الطريقة المثلى للتصرف في هذه البيئة. ويزداد التحدي تعقيداً بسبب طبيعة النزاع الدينية. فقد عملت الولايات المتحدة في الماضي إلى جانب حركات سيئة السمعة في العراق، ولكنها توخت الحذر حين دخلت العوامل الطائفية في اللعبة كما حدث مع الحركات الصدرية في بدايات المعارك التي وقعت في البصرة وبغداد عام 2008.

من هنا، تحتاج الولايات المتحدة إلى الالتزام بشدة في اللعبة الكبرى القائمة في الشرق الأوسط، فلا تكتفي برؤية التهديد الذي يشكله «داعش» بل تنظر كذلك إلى الشبح الأكبر المتمثل في تنامي نفوذ الجمهورية الإسلامية وهيمنتها الخبيثة. فإيران قادرة على بسط نفوذها على مختلف أنحاء المنطقة مستخدمةً أدوات مختلفة كـ «فيلق القدس» التابع لـ «الحرس الثوري الإسلامي» وشبكتها الميليشياوية. يتعين على الولايات المتحدة أن تتغلب على خصومها الإيرانيين من حيث النفوذ والتأثير، وتنخرط بقوة في العراق من أجل تقويض النفوذ الإيراني فيه.

وأخيراً، يجب على واشنطن أن تفهم أن هذه المعركة تُربَح في العواصم لا في الأرباض. لذلك يجب أن تركز أولوياتها على بغداد ودمشق والرياض، وليس على كوباني أو الموصل. ولا يمكن أن تستمر الانتصارات في ساحة المعركة دون انخراط دبلوماسي متواصل ومكثف مع شركاء الولايات المتحدة في المنطقة. إن تحويل العراق في مرحلة ما بعد تنظيم «الدولة الإسلامية» إلى شريك أمني مستقر وراسخ للولايات المتحدة يشكل أحد أكبر التحديات المقبلة.

 

أعد هذا الملخص إيان داف.