أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المرصد السياسي 2068

استقالة فياض: التضحية بباني دولة

ديفيد ماكوفسكي

متاح أيضاً في English

16 نيسان/أبريل 2013


في يوم السبت الماضي، قدم رئيس وزراء السلطة الفلسطينية سلام فياض استقالته من منصبه في ظل توترات بينه وبين الرئيس محمود عباس وحركة «فتح» الحاكمة. وفي الوقت الراهن، سوف يستمر كقائم بأعمال رئيس الوزراء، ولكن تركه منصبه -- متى سيتحقق -- قد يمثل صفعة للفلسطينيين، لا سيما من حيث حجم المساعدات الدولية التي يحصلون عليها بعد أن يكون غير مسؤولاً عن تصريف أمور الدولة.

فياض المنقذ

تلقى فياض تدريبه كاقتصادي في الولايات المتحدة وعمل في "صندوق النقد الدولي" لمدة أربعة عشر عاماً، وأصبح وزير مالية السلطة الفلسطينية في عام 2002 بناء على طلب من الدول المانحة التي كانت قلقة من تحويل إسهاماتها إلى الفساد. وما أن تولى منصبه حتى جعل السلطة الفلسطينية تغير منهجها عما كان متبعاً أثناء نهاية عهد عرفات، حينما كان يتلقى أفراد الأمن رواتبهم من حقائب ورقية مليئة بالنقود. وقد أصر فياض على أن يكون لكل موظف حساب مصرفي وأن تسدد رواتبهم في المواعيد المحددة.

وبعد أن استولت «حماس» على غزة في عام 2007، أصبح فياض رئيساً للوزراء. ومنذ ذلك الحين تميزت فترته ببناء المؤسسات، بما في ذلك في المجالات المالية والأمنية -- وهو منهج أصبح معروفاً باسم "الفياضية". وقد أصبح التعاون الأمني ​​مع إسرائيل شيئاً طبيعياً. ومع تراجع العنف وعودة النظام إلى الشوارع، أزالت إسرائيل العديد من نقاط التفتيش في الضفة الغربية، في حين بنت السلطة الفلسطينية1,700  برنامج للتنمية المجتمعية و 120 مدرسة و 50 عيادة صحية و 3 مستشفيات. وتم تعبيد طرق يزيد طولها عن 1,000  ميل كما تم تركيب 850 ميلاً من أنابيب المياه. وفي عام 2011، أصدر "البنك الدولي" تقريراً يشير إلى أن الفلسطينيين بنوا مؤسسات وبنية تحتية تليق بدولة.

وعلى وجه الخصوص، كان اعتناق فياض لمبدأ الشفافية الاقتصادية -- والتي شملت تدقيق حسابات بقيادة الولايات المتحدة -- عاملاً مساعداً في جذب المزيد من المساعدات الدولية. وعلى الرغم من الركود الاقتصادي العالمي العميق، ذكر "صندوق النقد الدولي" أن النمو في الضفة الغربية بين عامي 2008 و 2010 وصل إلى 9 في المائة. ووفقاً لـ المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية" برئاسة خليل الشقاقي، بلغ الدعم الجماهيري لحكومة فياض 53 في المائة -- بدءاً من النصف الثاني من عام 2011 -- متقدماً بفارق 19 نقطة عن حكومة «حماس» في غزة. إلا أن عناصر داخل التيار السائد في حركة «فتح» اعتبروا فياض منافساً لعباس، ونظروا إليه كسياسي مستقل لا ينتمي إلى الحركة، والذي قد قد يحل محلهم في النهاية من ناحية السيطرة على السلطة الفلسطينية بعد فترة عباس.

فياض الضحية

على الرغم من النجاح الأولي الذي حققه فياض، إلا أن التراجع الاقتصادي الأخير في الضفة الغربية كانت له تكلفته. وقد ادعى أمين مقبول أمين سر "المجلس الثوري لحركة «فتح»"، أن فياض استقال لأنه "فشل في إدارة الأزمات الاقتصادية، وورط السلطة الفلسطينية في ديون ضخمة بلغت قيمتها 1.5 مليار دولار، ولم يكن قادراً على توفير الرواتب في الوقت المحدد." ويناسب هذا النقد اسلوب قائم منذ فترة طويلة، استغلت فيه النخب السياسية لـ حركة «فتح» رئيس الوزراء المستقيل سلام فياض بإيقاعه ضحية للمشاكل الاقتصادية الفلسطينية، ويعود ذلك جزئياً إلى الاستياء من جهوده الرامية إلى تقييد المحسوبية والفساد.

بيد أن اتهام فياض بأنه السبب وراء التراجع الاقتصادي الأخير أمر يشوبه الكثير من التهور. وعلى أي حال، كان قد حذر مراراً وتكراراً من أن مساعي عباس لإعلان الدولة الفلسطينية في مجلس الأمن الدولي (أيلول/سبتمبر 2011) والجمعية العامة للأمم المتحدة (تشرين الثاني/نوفمبر 2012) سوف تدفع واشنطن إلى قطع المساعدات كما ستحفز إسرائيل على وقف تحويل عائدات الضرائب الفلسطينية. وفي الخريف الماضي، كسر يده في اجتماع مع أعضاء من حركة «فتح» أثناء ضربه بعنف على الطاولة، عندما كان يدافع بقوة عن رأيه بأن التوجه إلى الأمم المتحدة أمر غير مسؤول ما لم تكن هناك الاحتياطيات الكافية لتغطية التباطؤ في المساعدات. ووفقاً لـ "البنك الدولي"، تشكل المساعدات الخارجية 14 في المائة من "الناتج المحلي الإجمالي" الفلسطيني، و 22 في المائة من الوظائف في القطاع العام.

وبحسب التنبؤات، توقف بعض التمويل في أعقاب حملة الحصول على إعلان الدولة الفلسطينية، ولم يكن بالإمكان سداد الرواتب بكاملها لـ 150,000  من موظفي السلطة الفلسطينية  لعدة أشهر. إلا أن عباس لم يتحمل مسؤولية هذه التطورات. وبدلاً من ذلك، دعا بسام زكارنة رئيس "نقابة العاملين في الوظيفة العمومية"، إلى قيام اضرابات وقاد احتجاجات خارج مكتب فياض. وكونه عضواً في "المجلس الثوري لحركة «فتح»"، يُعرف عن زكارنة بأنه مقرباً من عباس. وفي حين كان فياض قد قدم استقالته منذ أواخر شباط/فبراير، إلا أنه استمر في البحث عن أرضية مشتركة لوضع حد للمأزق. وعندما استقال وزير المالية نبيل قسيس في آذار/مارس بسبب عدم القدرة على سداد الرواتب، قبل فياض استقالته وفقاً لـ "القانون الأساسي الفلسطيني". إلا أن عباس رفض قبول استقالته. ثم أشار فياض إلى رغبته في عودة قسيس، شريطة اتباع الرئيس الفلسطيني القانون عن طريق إعادة تعيينه رسمياً. إلا أن عباس رفض ذلك الطلب.

وأثناء زيارة الرئيس الأمريكي أوباما الشهر الماضي، حولت واشنطن مساعدات مالية للسلطة الفلسطينية بقيمة 500 مليون دولار، كما استأنفت إسرائيل تحويل عائدات الضرائب، الأمر الذي سمح دفع رواتب السلطة الفلسطينية بأكملها. إلا أن التشاحن السياسي ظل قائماً. وعلى الرغم من أن عباس قد أبلغ وزير الخارجية الأمريكي جون كيري في الأيام الأخيرة بأنه يريد بقاء فياض في منصبه إلا أن عزام الأحمد مساعد أقدم للرئيس عباس [وعضو اللجنة المركزية لحركة  «فتح»] أخبر إحدى القنوات الفضائية العربية يوم السبت بأن واشنطن تمارس ضغوطاً على عباس وتسعى إلى "إذلال" السلطة الفلسطينية. وحول استقالة فياض قالت المسؤولة الفلسطينيية حنان عشراوي "كانت هناك حملة علنية للغاية تحاول تشويه سمعة [فياض]، وقد أصبح ضحية الجميع، إن الهجمات على فياض أصبحت شخصية وتطاولت على شخصه."

تداعيات رحيل فياض

هناك سؤال رئيسي حول ما إذا كان رحيل فياض سوف يقلل الثقة الدولية في الشفافية الاقتصادية الفلسطينية ويُجدد مخاوف إساءة استخدام الأموال. وإذا كان رئيس الوزراء الجديد صديقاً لعباس، فسوف تزداد تلك المخاوف على الأرجح. ورغم استمرار التكهنات، إلا أنه لم يتم تسمية أي مرشح. وإذا لم ينجح خليفة فياض في طمأنة المانحين الأمريكيين والأوروبيين، فسيكون من المثير للانتباه معرفة ما إذا كانت قطر ستتقدم لملء ذلك الفراغ في التمويل. وحتى الآن، قُدمت معظم مساعدات الدوحة إلى الفلسطينيين لحركة «حماس».

وعلى جبهة المصالحة، من غير المرجح أن يعمل رحيل فياض على التقريب بين «فتح» و «حماس». ورغم أن «حماس» لا تثق منذ زمن طويل بالتعاون الأمني مع إسرائيل الذي ركز عليه فياض، إلا أن الجماعة صرحت بالفعل أن استقالته لن يكون لها أي تأثير. ومن جانبهم، قال كبار مسؤولي السلطة الفلسطينية أن المصالحة أمر مستحيل ما دامت «حماس» تهدف إلى السيطرة على "منظمة التحرير الفلسطينية".

وعلى نطاق أوسع، يمكن أن يؤثر رحيل فياض على قدرة السلطة الفلسطينية على تجنب الاضطرابات التي اجتاحت العالم العربي منذ عام 2011. إن العودة إلى اقتصاديات ما قبل فياض وتأسيس نظام سياسي أكثر سلطوية سيكونان وصفة مثالية لحدوث كارثة في الضفة الغربية. ووفقاً لذلك، ينبغي على واشنطن وغيرها من الجهات المانحة أن تنظر في مطالبة الفلسطينيين بفتح نظامهم السياسي وتمكين تشكيل أحزاب قوية. وهذا يمكن أن يساعد في الحد من التلاعب والسماح للمستقلين، ممن هم على شاكلة فياض -- الذي قد يبقى لاعباً رئيسياً على الساحة السياسية حتى بعد تنحيه -- بأن يعربوا علناً عن اختلافاتهم ويتنافسوا على فرص متكافئة.

إن رحيل حليف تثق به الولايات المتحدة قد يؤثر أيضاً على جهود كيري لإحياء محادثات السلام الإسرائيلية الفلسطينية. وعلى الرغم من أن فياض لم يشارك في المفاوضات، إلا أن تركيزه على الحكم الديمقراطي والشفافية منح شعوراً بالطمأنة بشأن المسار الداخلي المستقبلي لدولة فلسطينية. وبالإضافة إلى ذلك، يأمل كيري في تعزيز مشاريع اقتصادية عديدة في الضفة الغربية، وهو أمر قد يصعب فعله بدون شريك موثوق مثل فياض. كما سيتطلب الأمر مزيداً من العناية حتى لا يذهب التعاون الأمني مع إسرائيل أدراج الرياح في ظل غياب فياض.

وأخيراً، فإن الاستقالة ما هي إلا رسالة تذكير بقانون العواقب غير المقصودة. لقد حجبت الولايات المتحدة الأموال للاحتجاج على قرار عباس بالتوجه إلى الأمم المتحدة، إلا أن رئيس السلطة الفلسطينية كان قادراً على استغلال هذا الإجراء والتضحية بفياض بدلاً من ذلك.

 

ديفيد ماكوفسكي هو زميل زيغلر المميز ومدير مشروع عملية السلام في الشرق الأوسط في معهد واشنطن.