أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المرصد السياسي 1986

اليوم التالي: الرد على هجوم إسرائيلي على إيران

مايكل آيزنشتات

متاح أيضاً في English

27 أيلول/سبتمبر 2012


"للتخفيف من الآثار السلبية، ستحتاج واشنطن إلى اتخاذ عدد من الخطوات قبل قيام هجوم إسرائيلي وبعده، وقد تتعارض بعض تلك الخطوات مع غرائزها وأفضلياتها."

 

على الرغم من أن هجوم عسكري إسرائيلي ضد برنامج إيران النووي بعيداً من أن يكون مؤكداً، إلا أن العواقب المحتملة بالنسبة للولايات المتحدة واضحة. إن تطوراً كهذا سيشكل تحديات رئيسية من ناحية إدارة الأزمات، وربما يوفر فرصاً لتعزيز مصالح الولايات المتحدة.

سيكون التحدي المباشر لوقوع هجوم عسكري إسرائيلي هو الحد من التصعيد من خلال تقييد حرية طهران في التصرف، والتقليل من الأضرار الناجمة عن انتقامها وإبعاد «حزب الله» ووكلاء إيرانيين آخرين عن النزاع. وعلاوة على ذلك، فمن خلال تحجيم الخيارات التصعيدية من جانب إيران في الخليج الفارسي قد تستطيع واشنطن منع حدوث ارتفاع طويل الأجل في أسعار النفط. وذلك يمكن أن يساعد بدوره على الحفاظ على الدعم الدولي للجهود المبذولة لمنع طهران من الحصول على أسلحة نووية.

ولتحقيق هذه الأهداف، ستحتاج واشنطن إلى اتخاذ عدد من الخطوات سواء قبل القيام بهجوم أو بعده مباشرة ويجب أيضاً أن تكون مستعدة للرد بسرعة على الحسابات الخاطئة - من قبلها أو من قبل أصدقاء وخصوم  على حد سواء - فضلاً عن غيرها من التبعات غير المقصودة التي قد تُعقِّد من الجهود الدبلوماسية عقب الهجوم.

وبالنسبة لإدارة أوباما، هناك تحدي إضافي يتمثل في الإعداد لحدث تحاول الإدارة بوضوح تجنبه دون أن تظهر إما "متواطئة" في الأعمال الإسرائيلية (على حد تعبير رئيس هيئة الأركان الأمريكية المشتركة الجنرال مارتن ديمبسي) أو قد تبدو غير راغبة في دعم حليف وثيق في وقت الشدة. وفي أعقاب الهجوم ستحتاج واشنطن إلى كبح غضبها من الحكومة الإسرائيلية وقصره على مهمة إدارة الأزمة بطريقة تعزز من المصالح الأمريكية وتقوي مكانة الولايات المتحدة في نظر شركائها الإقليميين.

العمل مع إسرائيل لمنع التصعيد

سوف يكون الحد من الخسائر الإسرائيلية نتيجة انتقام إيراني عنصراً رئيسياً في أي مساعي ترمي إلى الحد من تقييد التصعيد عقب الهجوم. لقد نجحت إسرائيل خلال بعض النزاعات السابقة (على سبيل المثال، خلال حرب الخليج عام 1991)، في امتصاص وابل من الصواريخ والقذائف والهجمات الإرهابية دون القيام بأي عمل انتقامي، على الأقل عندما كانت الخسائر البشرية الناتجة عن ذلك قليلة. وبناءاً على ذلك، يجب أن تكون الولايات المتحدة مستعدة لتعزيز الدفاعات الصاروخية الإسرائيلية بصورة سريعة بصورايخ من طراز SM-3S وصواريخ أرض جو دفاعية من نوع "ثاد"، وصواريخ باتريوت من نوع PAC-2s، بهدف الحد من الخسائر الناجمة عن الصواريخ الإيرانية، وربما صواريخ «حزب الله» بعيدة المدى.

وقد يرغب بعض مسؤولي الإدارة الامريكية في الحفاظ على مسافة مدروسة بين الولايات المتحدة وإسرائيل عقب الهجوم الإسرائيلي من أجل إثبات عدم موافقتهم على ذلك العمل، لكن حتمية منع المزيد من التصعيد عن طريق نشر دفاعات صاروخية بصورة سريعة يجب أن تطغى على كافة الاعتبارات الأخرى (باستثناء الحاجة إلى نشر مثل هذه الأنظمة للدفاع عن مرافق الولايات المتحدة في الخليج). كما ستحتاج واشنطن إلى العمل مع أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية وغيرها في جميع أنحاء العالم لإحباط الهجمات الإرهابية الانتقامية ضد المصالح الأمريكية (للحد من إمكانية تورط الولايات المتحدة في المعمعة)، فضلاً عن هجمات ضد أهداف إسرائيلية ويهودية (للحد من المزيد من العمل العسكري الإسرائيلي).

وعلى الرغم من أنه من غير المرجح أن تستمر الإجراءات الرئيسية المرتبطة بهجوم إسرائيلي أكثر بكثير من يوم واحد أو يومين، فقد يقرر الجيش الإسرائيلي شن هجمات إضافية ضد أهداف لم يلحق بها الضرر المطلوب أثناء الهجوم الأولي. وقد يشكل ذلك تحديات إضافية للعلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وخاصة إذا اعتقدت واشنطن أنها قد تجنبت حدوث تصعيد كبير بعد توجيه الضربة الأولى. ومثل هذه السيناريوهات تبرز الحاجة إلى إجراء مشاورات ثنائية وثيقة في جميع مراحل الأزمة، بقيام صناع السياسة الأمريكيين والإسرائيليين بمقارنة المزايا التي قد تحققها الهجمات الإضافية مقابل احتماليات التصعيد نظراً للوضع على أرض الواقع.

بعث رسالة إلى إيران

لواشنطن قدرة محدودة على التأثير على حسابات طهران، ولكن بإمكانها أن تنجز بعض الأمور قبل وقوع أي هجوم من أجل تقييد حرية النظام في شن عمل عسكري والحد من قدراته على الرد. وتشمل هذه:

·         إبلاغ طهران بصورة هادئة بأنه في أعقاب الاستفزازات الأخيرة - أي مؤامرات لاغتيال السفير السعودي في واشنطن في العام الماضي وموظفي السفارة الأمريكية في أذربيجان في وقت سابق من هذا العام، وكلاهما مرتبط بطهران - بأن الولايات المتحدة سوف ترد على الهجمات المستقبلية التي تنفذها إيران أو وكلاؤها على مصالحها بطريقة قوية. وينبغي أن تكرر هذه الرسالة الآن حتى إذا تم نقلها في الماضي.

·         تكثيف المراقبة على عملاء الاستخبارات الإيرانيين - المشتبه بهم والمؤكدين - العاملين خارج البلاد وإظهار ذلك التدقيق البالغ بصورة واضحة إلى طهران. واذا كان النظام يعلم أن وكلاءه يخضعون للمراقبة، فقد يكون أقل استعداداً لاستخدامهم للقيام بأعمال انتقامية. وفي أعقاب وقوع هجوم إسرائيلي مباشر ينبغي على واشنطن أن تأخذ هذا النهج خطوة أخرى إلى الأمام وتضغط على الحكومات الحليفة للإعلان بأن العملاء الإيرانيين هم أشخاص غير مرغوب فيهم.

·         الحفاظ على وجود بحري وجوي قوي في الخليج للحد من الخيارات العسكرية أمام إيران عقب وقوع الهجوم. وبالإضافة إلى ذلك، ينبغي على الولايات المتحدة أن تغير مواقع حاملتي الطائرات التابعتين لها في الخليج الفارسي وتنقلهما إلى خليج عمان، حيث ستكونان أقل عرضة لهجوم إيراني مفاجئ وفي وضعية أفضل لشن حملة "من الخارج إلى الداخل" لاستعادة حرية الملاحة في مضيق هرمز. ومع ذلك، ينبغي على واشنطن أن تستمر في الحفاظ على وجود بحري في الخليج الفارسي، سواء لطمأنة حلفائها أو لحرمان طهران من القدرة على الإدعاء بأنها طردت القوات الامريكية.

·         إقناع الحلفاء والشركاء - وخاصة أولئك الذين يعتمدون على نفط الخليج - بتحذير طهران من مغبة عرقلة شحنات النفط. وبقيامهم بذلك ينبغي عليهم أن يذكّروا طهران بأن خسارتها للحرب مع العراق ترجع في المقام الأول إلى اتخاذها العديد من الإجراءات (بما في ذلك "حرب الناقلات") التي صرفت المجتمع الدولي عنها. كما يجب أن يكونوا مستعدين للإفراج عن كميات كبيرة من النفط من احتياطياتهم الاستراتيجية للحد من الارتفاع المحتمل في أسعار النفط. 

وعقب الهجوم ينبغي على واشنطن أن تؤكد على أن السبب المباشر للأزمة كان رفض طهران تبديد الشكوك المستمرة حيال الطبيعة السلمية لبرنامجها النووي. ومن ثم يجب على الولايات المتحدة وشركائها التأكيد على رغبتهما في مساعدة طهران على التمتع بمزايا التقنية النووية للأغراض السلمية، شريطة أن توضح طهران القضايا العالقة بشأن برنامجها وتوافق على الضمانات الكافية. وبالإضافة إلى ذلك، يجب على واشنطن أن تعمل على ردع طهران عن الخروج أو الانسحاب من "معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية"، مذكِّرة النظام بأن المجتمع الدولي قد اكتشف جهودها السابقة لبناء منشآت تخصيب سرية، وأنها سوف تواجه عقوبات أشد لو فعلت ذلك مرة أخرى، وأن الانسحاب من "معاهدة حظر الانتشار النووي" ليس خياراً قانونياً في ضوء انتهاكها المحتمل لالتزاماتها المنصوص عليها في المعاهدة.

تهميش «حزب الله»

لإيران القدرة على إلحاق قدر كبير من الضرر بمفردها عند وقوع أي هجوم عليها. أولاً، يرجح أن تخترق بعض الصواريخ الإيرانية الدفاعات الصاروخية الإسرائيلية (رغم أنه تجدر الإشارة إلى أن الصواريخ العراقية الإحدى وأربعين التي أصابت إسرائيل في عام 1991 قد أدت إلى وفاة مواطن واحد فقط). ثانياً، يرجح أن تنجح بعض الهجمات الإرهابية التي ترعاها إيران، على الرغم من أن النظام قد أظهر في الآونة الأخيرة درجة من عدم الكفاءة في هذا المجال. ثالثاً، تستطيع إيران أن تحدث أزمة في أسواق النفط العالمية من خلال تهديد شحنات النفط في الخليج، على افتراض رغبتها في اختراق الحظر الدولي المفروض في هذا الصدد.

بيد أن قدرة إيران على إلحاق الضرر قد تتضاعف بشكل كبير لو أنها أقنعت «حزب الله» بالانضمام إلى المعركة. على سبيل المثال، تستطيع المنظمة استخدام مخزونها الذي يشمل أكثر من 50,000 صاروخ لقصف إسرائيل من لبنان، مما قد يشعل حرباً في بلاد الشام. كما تستطيع شن هجمات إرهابية ضد أهداف أمريكية أو إسرائيلية أو يهودية في الخارج. وقد صرح مؤخراً زعيم «حزب الله» الشيخ حسن نصر الله بأن رد الحركة على أي هجوم إسرائيلي سوف يعتمد على الظروف. ورغم أنه صرح بعد ذلك (ربما استجابة لتحريض إيراني) بأن «حزب الله» سوف ينتقم بطريقة ما، إلا أن الجماعة لا تزال تعاني من آثار حربها مع إسرائيل عام 2006 وتواجه ضغوطاً داخلية بسبب الجرائم التي يرتكبها راعيها الآخر، نظام الأسد في سوريا. ومن ثم، فسوف يحاول «حزب الله» على الأرجح تجنب خوض حرب أخرى.

يجب على واشنطن أن تساعد «حزب الله» على البقاء في الهامش في أي صراع محتمل من خلال البيان الهادئ بأن أي عمل انتقامي بالنيابة عن إيران يرجح أن يزيد الدعم الإقليمي والدولي لاتخاذ تدابير مضادة. وتشمل هذه المساعدة شن هجمات عسكرية إسرائيلية قوية تتسبب في إلحاق أضرار بعيدة المدى بالجماعة، وفرض عقوبات تقيّد بشكل كبير من أنشطتها لجمع الأموال والأنشطة التنظيمية في أوروبا وفي أماكن أخرى، وبذل جهود أمريكية لإعاقة الإمدادات القادمة من إيران (على الرغم من أن «حزب الله» لديه بالفعل ما يكفي من الصواريخ لعدة صراعات كبيرة)، وتوجيه المزيد من الدعم القوي لقوات المعارضة في سوريا.

الحفاظ على الدعم الدولي

من بين أقوى مصادر القلق من قيام هجوم إسرائيلي هو أنه قد يقوض الدعم الدولي لمنع امتلاك إيران للسلاح النووي. ففي مثل هذه الظروف، تستطيع طهران أن تعيد بناء بنيتها التحتية النووية المدمَّرة في ظل قيود قليلة أو دون وجود قيود على الإطلاق، بما في ذلك ضوابط الرقابة على الصادرات التي أبطأت برامج أجهزة الطرد المركزي والصواريخ لديها.

وفي هذا الصدد، قد يكون الهجوم الإسرائيلي أقل إزعاجاً من الهجوم الأمريكي. لقد بذلت واشنطن جهوداً علنية كبيرة لتحذير إسرائيل من مغبة ذلك المسار، لذا فإن الهجوم الأمريكي قد يبعد تلك الدول التي تعاونت مع فرض العقوبات الأمريكية على اعتقاد أن الهدف منها كان الحيلولة دون قيام عمل عسكري. وعلاوة على ذلك، فإن الهجوم الإسرائيلي الناجح الذي يُرجِّع البرنامج النووي الإيراني سنوات عديدة إلى الوراء قد يزيد من الحافز لدى المجتمع الدولي لمنع طهران الثائرة من الحصول على القنبلة النووية، حيث أن تلك التطورات قد تعجل قيام أزمة أكثر خطورة في وقت لاحق. والمفارقة عندئذ هي أن الهجوم الإسرائيلي قد يزيد من كل من رغبة طهران في الحصول على الأسلحة النووية وإصرار المجتمع الدولي على منعها من القيام بذلك. وهذا الإصرار قد يأخذ شكل التطبيق الأكثر صرامة لضوابط الصادرات الحالية المفروضة على المواد الحساسة والمواد ذات الاستخدام المزدوج التي هي ذات أهمية للبرنامج النووي.

وأخيراً، فإن أي تهديدات أو محاولات إيرانية لعرقلة الاقتصاد العالمي عقب الهجوم ستكون محفوفة بالمخاطر بالنسبة للجمهورية الإسلامية. فمن ناحية، إذا نجحت واشنطن في ردع العمليات الانتقامية الإيرانية في الخليج أو الحد من آثارها، فإن الدعم الدولي لفرض الرقابة والعقوبات على الصادرات الرامية إلى الحيلولة دون امتلاك إيران للقنبلة النووية قد يظل دون أي تأثير. ومن ناحية أخرى، لو تمكنت طهران من زعزعة استقرار الخليج، فقد يؤدي ذلك إلى ابتعاد أنصارها عنها، وتعزيز عزيمة تلك الدول التي تعمل على منعها من الحصول على القنبلة النووية (بما في ذلك روسيا والصين)، وضمان إحداث الهجوم الإسرائيلي لأكبر قدر من التأثير على قدرة النظام على إعادة البناء.

الخلاصة

 نظراً لأن أي هجوم عسكري إسرائيلي على إيران سيكون خطوة محفوفة بالمخاطر مع وجود احتمالات كبيرة للتصعيد، فإن تسوية الأزمة النووية دبلوماسياً يُعد الحل الأفضل إلى درجة كبيرة. بيد أنه حتى مع استمرار واشنطن في تحذير إسرائيل من مغبة تلك الخطوة، فمن المستحسن اتخاذ تدابير تهدف إلى التخفيف من الآثار السلبية لذلك الهجوم، والحيلولة دون حدوث المزيد من التصعيد، وإعاقة جهود إيران لإعادة بناء برنامجها النووي.

 

مايكل آيزنشتات هو مدير برنامج الدراسات العسكرية والأمنية في معهد واشنطن.