أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المرصد السياسي 2294

النزاع في غزة: إعادة حساب المعادلة السياسية - العسكرية

ديفيد بولوك, جيفري وايت, و غيث العمري

متاح أيضاً في English

25 تموز/يوليو 2014


تحميل عرض جيفري وايت (بي. دي. إف.)

تحميل عرض الشرائح للاستفتاء الذي أجراه "مركز العالم العربي للبحوث والتنمية" ("أوراد")  في الضفة الغربية في تموز/يوليو  (بي. دي. إف)

معلومات إضافية: تحليل ديفيد بولوك عن الاستطلاع الذي أُجري في حزيران عن المواقف الفلسطينية وتركيزه على الرأي العام في غزة .

في 23 تموز/يوليو 2014، خاطب جيفري وايت وغيث العمري منتدى سياسي في معهد واشنطن، أداره ديفيد بولوك. والسيد بولوك هو زميل كوفمان في المعهد ورئيس تحرير منتدى فكرة. والسيد وايت هو زميل للشؤون الدفاعية في المعهد وضابط كبير سابق لشؤون الاستخبارات الدفاعية. والسيد العمري هو المدير التنفيذي لـ "فريق العمل الأمريكي من أجل فلسطين"، وكان قد عمل سابقاً في حكومة السلطة الفلسطينية. وفيما يلي ملخص المقرر لملاحظاتهم.

 

ديفيد بولوك

يمكن استخلاص ثلاثة استنتاجات أولية حتى الآن من النزاع القائم في غزة. أولاً، أصبحت الأنفاق المؤدية إلى الداخل الإسرائيلي تشكل عاملاً هاماً في إطار الوضع الأمني. وقد يعني ذلك إعادة التفاوض على الترتيبات التي تتم على الحدود الإسرائيلية مع قطاع غزة. ثانياً، من المرجح أن تكون الحكومة الإسرائيلية على استعداد لتحسين الوضع الإنساني في غزة في حال تحسن الوضع الأمني. ثالثاً، فيما يتعلق بعملية السلام، لن تنظر الحكومة الإسرائيلية في [تقديم] أي تنازلات في الضفة الغربية دون [الحصول على] المزيد من التنازلات في غزة، وسيتوجب على مصر لعب دور رئيسي في أي محادثات سلام مستقبلية.

وفيما يتعلق بالحسابات السياسية الإسرائيلية، فإن الأزمة الحالية قد همشت أقصى اليمين وأقصى اليسار، تاركة الوسط متمكناً وموحداً حول بعض الأهداف السياسية والعسكرية. ويكمن أهم هذه الأهداف في القضاء على «حماس» وعناصر إرهابية أخرى في قطاع غزة.

أما بالنسبة للمواقف الفلسطينية، فقد أظهر استطلاع حديث للرأي أُجري في الضفة الغربية تأييد الأغلبية داخل تلك المنطقة لعملية وقف إطلاق النار الفوري، حتى ولو ضمن هامش محدود. ويشير ذلك إلى أنه بإمكان رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس استقطاب المشاعر الشعبية لجهته بتصدّر مبادرة لوقف إطلاق النار. وفي الوقت نفسه، بيّن ثلثا المستطلعين أن مواقفهم كانت أقرب لمواقف «حماس» من قربها لمواقف عباس. وبدلاً من أن يظهر ذلك أن الإستطلاع يعاني من خلل ما، فإنه يشير إلى كفاح الشعب الفلسطيني لتحقيق التوازن بين القيم المتضاربة.

وعلاوة على ذلك، رأى معظم المستطلعين أن الفلسطينيين يحققون النصر في الحرب في الوقت الراهن، إلا أنهم رؤوا أيضاً أنهم سيهزمون في نهاية المطاف. وقد يكون ذلك ناتجاً عن اعتزازهم بالنجاحات العسكرية التي تحققها «حماس» في غزة، مع إدراكهم في الوقت نفسه أن هذه النجاحات ستكون على الأرجح قصيرة المدى.

وفي إطار تقييم دور الأطراف الخارجية، ينظر الفلسطينيون بسلبية بشكل عام إلى الولايات المتحدة والأمم المتحدة وجامعة الدول العربية والحكومة المصرية. أما بالنسبة للجهات الفلسطينية المختلفة، فقد حصلت حركتا «حماس» و «الجهاد الإسلامي» على مكاسب شعبية. ورغم أن «حماس» لطالما كانت أكثر شعبية في الضفة الغربية منها في قطاع غزة، إلا أنه من المحتمل أن يكون تزايد شعبيتها في الآونة الأخيرة ناتجاً عن التعاطف معها في أعقاب الأحداث الأخيرة.

والمفارقة هي أن استطلاع للرأي أُجري في قطاع غزة قبل العمليات العدائية الأخيرة أظهر آراءً سلبية بمعظمها حول «حماس» وقدرتها على الحكم (انظر "أهالي غزة يعارضون «حماس» ويطالبون بوقف إطلاق النار"، 15 تموز/يوليو 2014). ولم يرغب الأشخاص الذين شملهم الإستطلاع أن تبدأ «حماس» بشن أعمال عدائية ضد إسرائيل، بتفضيلهم وقف إطلاق النار السابق عوضاً عن ذلك. كما أكدوا دعمهم لحركة «فتح» وقادتها بدلاً من «حماس».

 

جيفري وايت

يبدو أن أعمال العنف في غزة قد تحولت إلى حد ما إلى اشتباك مباشر. إذ يتم اللجوء إلى عمليات القنص واستعمال الصواريخ الموجهة المضادة للدبابات، في حين تستمر الضربات الجوية الإسرائيلية. كما واصلت «حماس» إطلاق الصواريخ على إسرائيل، على الرغم من أن هذه الهجمات تتباطأ في الأيام الأخيرة على ما يبدو. ونظراً إلى الظروف الحالية، يمكن للأطراف الفاعلة التوصل إلى وقف أولي لإطلاق النار في الأيام القليلة المقبلة.

يُذكر أن الأهداف السياسية الإسرائيلية في هذه العملية تكمن في إظهار إرادة قوية، وإعادة فرض الهدوء على طول الحدود، ونزع سلاح «حماس» والفصائل الأخرى في قطاع غزة، والحد من الخسائر في صفوف المدنيين الفلسطينيين. أما هدف إسرائيل العسكري فهو تقليص قدرات «حماس» على مستوى الصواريخ والانفاق مع الحد من الخسائر البشرية والأضرار في الداخل الإسرائيلي.

وتكمن أهداف «حماس» السياسية في كسر "الحصار" وتحرير المزيد من السجناء الفلسطينيين وإثبات عزيمة عسكرية قوية وإعادة التأكيد على مكانتها باعتبارها "المقاومة" الفلسطينية. ومن وجهة نظر عسكرية، تتجلى أهداف الحركة في إلحاق الضرر بإسرائيل والاستمرار بإطلاق الصواريخ بشكل متناسق وتشكيل دفاع قوي في وجه عمليات التوغل البري الإسرائيلي، فضلاً عن الحفاظ على قواتها والاحتفاظ ببعض الصواريخ الإحتياطية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تحاول إسرائيل استخدام القوة الأرضية والجوية لإجبار «حماس»على القبول بوقف إطلاق النار، وإلحاق أضرار جسيمة بالقوات العسكرية المعادية وبنيتها التحتية. ويجري العمل على تنفيذ هذه الأهداف بحذر [خوفاً من ازدياد] عدد الضحايا المدنيين.

وتقوم استراتيجية «حماس» على إظهار قدرتها على إطلاق الصواريخ  التي تطال العمق الإسرائيلي بشكل مستمر، لتبلغ أهداف بعيدة كحيفا، مع تعطيل حياة المدنيين الإسرائيليين واقتصادهم. كما وتسعى الجماعة أيضاً إلى منع التوغل البري الإسرائيلي في قطاع غزة بشكل أعمق، وإلى توجيه ضربة إلى الجيش الإسرائيلي من خلال قتل جنوده وإتلاف معداته.

ويقوم الصراع الحالي على ثلاث حملات كبرى. الأولى هي حرب الصواريخ / الحرب الجوية بين القوات الإسرائيلية و «كتائب عز الدين القسام » التابعة لـ «حماس»، بالاشتراك مع فصائل كـ «الجهاد الإسلامي» في فلسطين. إذ تتواصل عمليات إطلاق الصواريخ من غزة، إلا أن نظام «القبة الحديدية» الإسرائيلي كان ناجحاً للغاية في التصدي لهذه الضربات. كما ويتم توجيه الحملة الجوية الإسرائيلية المستمرة نحو أنظمة الصواريخ والبنية التحتية الأخرى التابعة لـ «حماس»، بما في ذلك نظام الأنفاق واسع النطاق. وعلى الرغم من وقوع ضحايا في صفوف المدنيين الفلسطينيين، إلا أن عدد الضحايا نسبة إلى الغارات يشير إلى حد كبير إلى ضبط النفس من الجانب الإسرائيلي.

وتتجلى الحملة الثانية في العملية البرية الإسرائيلية، حيث تشكل أنفاق «حماس» وعبواتها الناسفة اليدوية الصنع المخاوف الرئيسية. كما وتمت عدة مواجهات مباشرة بين القوات الإسرائيلية وعناصر «حماس»، حتى إن هذه الأخيرة قد تسللت إلى داخل إسرائيل عبر الأنفاق.

أما الحملة الثالثة فهي حرب إعلامية. فقد حرصت السلطات الإسرائيلية على تسمية جميع عمليات «حماس» بالأعمال الإرهابية، مع تسليط الضوء بقوة على فعالية العمليات العسكرية الإسرائيلية. ومن جانبها، سعت «حماس» إلى تصوير إسرائيل على أنها المعتدي.

وقد أيقنت إسرائيل أن لا سلاح الطيران ولا نظام «القبة الحديدية» كافيين للانتصار بهذه الحرب، وأنه لا مفر من وقوع ضحايا في صفوف المدنيين. وأدركت أيضاً أن تنفيذ عملية تدريجية يمنح العدو فرصة لتحضير نفسه، وأن القوات البرية ضرورية للنجاح العسكري. أما «حماس» فقد أدركت أهمية الشروع في القتال. كما أنها على علم أيضاً بالقيود الإسرائيلية بشأن السكان المدنيين في قطاع غزة، وتدرك أهمية الحرب الإعلامية.

ومن وجهة نظر عسكرية بحتة، سلط هذا الصراع الضوء على ثلاثة متغيرات في اللعبة الرئيسية وهي: نظام «القبة الحديدية»، ونجاح «حماس» النسبي في القتال القريب، ونظام الأنفاق بحماية عالية في غزة الذي يمتد جزئياً إلى إسرائيل.

 

غيث العمري

من المهم أن نلاحظ الجانب الإنساني لهذه الحرب حيث أن غالبية عظمى من الضحايا هم من المدنيين. وعلى الرغم من أن «حماس» قد انتهكت العديد من القوانين والمعايير الأخلاقية، فإن إسرائيل تتحمل أيضاً مسؤولية هذه الوفيات في صفوف المدنيين. وبغض النظر عن المسؤول، من الواضح أن وقف إطلاق النار ضروري - رغم أن هذه الأنواع من الحروب ستستمر طالما يستمر الصراع الأكبر.

وفي إسرائيل، تدرك الحكومة أهمية مصر في التوسط في حل هذا الصراع منذ البداية. كما أن قطر وحتى تركيا حاولتا تبني القضية الفلسطينية باعتبارها استراتيجية أوسع لإثبات وجودهما على الساحة السياسية الإقليمية، إلا أن مصر لا تزال اللاعب الرئيسي في هذه القضية.

وقد برزت حركة «الجهاد الإسلامي» على الساحة الفلسطينية كلاعب هام، الأمر الذي اضطر «حماس» إلى الدخول في شراكة معها. وفي الوقت نفسه، تعتقد «حماس» أنها تكتسب قوة إضافية مع استمرار الحرب، وزيادة الضحايا في صفوف المدنيين، وتصاعد الضغط على إسرائيل. إذ يتمتع قادة الحركة بأربعة أهداف رئيسية في هذه المعركة. أولاً، يحاولون كسر عزلتهم السياسية، رغم أن هذا الأمر قد فشل لأن أي طرف رئيسي لم يبدِ حتى الآن رغبته الجادة في العمل مع «حماس». ثانياً، يريدون تمكين داعميهم على الصعيد الإقليمي، رغم أنه يبدو أن هذا الأمر قد لقي فشلاً ذريعاً. ثالثاً، يريدون إثبات النجاح العسكري، الأمر الذي لم يصبح أمراً واقعاً بعد. رابعاً، يستمرون في تقديم مطالب لفتح الحدود وإطلاق سراح السجناء. وعلى نطاق أوسع، في الوقت الذي تسعى «حماس» إلى تأكيد دورها كمقاومة حقيقية، فإنها تحرص على عدم التقيد بمسؤولياتها المدنية في حين تبقى القوة الحقيقية في صناعة القرار في قطاع غزة، على غرار «حزب الله» في لبنان.

وفي الوقت نفسه، تم تمكين الرئيس عباس من خلال الحقائق السياسية للوضع، ليصبح "العنوان" الرئيسي للمسؤولين المصريين والأمريكيين. كما أنه كان قادراً على وضع الأساس لعمل السلطة الفلسطينية في غزة. ونتيجة لذلك، ينشأ إطار لوقف إطلاق النار سيتم من خلاله إعادة فتح معبر رفح والتخفيف من الحصار على القطاع. إلا أن حل مشكلة السجناء يبقى مستعصياً. وفي ظل هذه التطورات، تعود إتفاقية المصالحة بين «فتح» و «حماس» لتظهر كوسيلة مناسبة للجميع - بالإضافة إلى إعطائها الرئيس عباس ذريعة لإعادة السلطة الفلسطينية إلى غزة، فإنها تسمح أيضاً لمصر وللجامعة العربية بتجاوز «حماس» والتعامل مع محمود عباس كرئيساً للدولة الفلسطينية بكل وضوح.

وفي النهاية، إذا تم التوصل إلى وقف لإطلاق النار، من المستبعد جداً على المدى القصير استئناف عملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية الحقيقية. لكن يجب الاستمرار في تمكين السلطة الفلسطينية وتخويلها [المسؤوليات اللازمة] لإعادة ربط الشعب بالعملية السياسية ووقف خيبة الأمل المتزايدة تجاه السياسة الفلسطينية.

 

أعد هذا الملخص جافي برنهارد.