أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

صفحات رأي ومقالات

القوقاز: حرب صغيرة وضرر كبير

متاح أيضاً في English

توركيش ديلي نيوز

8 أيلول/سبتمبر 2008


أتت محاولة جورجيا للاستيلاء على أوسيتيا الجنوبية بنتائج عكسية. ففي حرب خاطفة، قامت روسيا بإخراج الجيش الجورجي تماماً من أوسيتيا الجنوبية، وتابعت موسكو ذلك بغزوها أراضٍ جورجية أيضاً. وقد فسر الكثير من الناس في تركيا ومجتمع الحلف الأطلسي هذه الحرب على أنها نتيجة عرضية لموقف جورجيا العدواني، ثم اتخذت بعد ذلك موقفاً محايداً تجاه الصراع. ومهما كان سبب الحرب، لا يمكن تجاهل غزو روسيا لجورجيا على أنه مجرد أذية. فللحرب انعكاسات سلبية هائلة على مجتمع الحلف الأطلسي، بما في ذلك تركيا والولايات المتحدة، فضلاً عن الاتحاد الأوروبي.

دوافع روسيا

وقع أكبر تأثير للحرب على سياسات عالم الطاقة وخطوط الأنابيب. ربما قد لا تكون روسيا قوة عظمى عالمية بعد الآن، ولكنها بالتأكيد "قوة طاقة"، حيث تكمن قوة موسكو في مخزونها الهائل من النفط والغاز الطبيعي، فبالرغم من أن عدد سكان روسيا البالغ 145 مليون نسمة يساوي ضعف عدد سكان تركيا، إلا أن الاقتصاد الروسي أصغر من نظيره التركي إذا استبعد منه مساهمة قطاع الطاقة.

إن الهيمنة الضخمة لقطاع الطاقة على الاقتصاد الروسي يشكل دوافع السياسة الخارجية لروسيا. وتخدم سياسات شركة الغاز الروسية العملاقة غازبروم، والسياسة الخارجية الروسية المصالح المتبادلة لكل منهما. وتستغل روسيا أسعار الطاقة الباهظة لزيادة قوتها السياسية والعسكرية، حيث تعد صناعة الأسلحة ثاني أكبر قطاع في الاقتصاد الروسي بعد الطاقة. وتُعد سياسات الطاقة ركيزة من ركائز نهضة روسيا العسكرية والسياسية خاصة في جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق. ولكي تتمكن من النمو أكثر، تريد روسيا أن تحقق قابلية احتكار التوزيع العالمي للنفط والغاز الطبيعي من بلدان الاتحاد السوفياتي السابق.

يبدو أن هذا المنطق هو الرؤية الدافعة لجورجيا. فعندما انتهت الحرب الباردة وتم حل الاتحاد السوفياتي، تحالفت الولايات المتحدة مع تركيا لوضع برنامج عمل لنقل النفط والغاز الطبيعي المكتشفين حديثاً من حوض بحر قزوين إلى الأسواق العالمية. وقد هدفت هذه الرؤية المشتركة بين الولايات المتحدة وتركيا إلى تسويق النفط والغاز الأذربيجاني والكازخستاني والتركمنستاني إلى العالم، ليس عن طريق روسيا، ولكن عبر الممر الواصل بين الشرق والغرب الممتد على طول بحر قزوين وتركيا.

جورجيا وأرمينيا

كانت الرؤية الأمريكية – التركية ناجحة في عصر ما قبل 11 أيلول/سبتمبر حين كانت روسيا خاضعة لحكم بوريس يلتسين الغير كفء سياسياً وكانت موسكو ضعيفة اقتصادياً نظراً لانخفاض أسعار النفط والغاز الطبيعي. ودعمت الولايات المتحدة وتركيا بناء خط أنابيب النفط باكو- تفليس- كيهان وخط أنابيب الغاز باكو- تبيليسي- ارضروم كخطوة أولى على طول الممر الواصل بين الشرق والغرب. وكانت الآمال المتوخاة من المرحلة الثانية من الرؤية الأمريكية - التركية تتمثل في تمديد خطوط الأنابيب؛ شرقاً إلى كازاخستان وتركمنستان، وغرباً إلى أوروبا. وكان خط أنابيب نابوكو بين تركيا والنمسا جزءاً كبيراً من هذه الرؤية، الذي مثّل نموذجاً لسياسة الطاقة في الاتحاد الأوروبي التي من شأنها أن تسمح للأوروبيين بشراء غاز بحر قزوين للمرة الأولى بدون وساطة روسية.

إن احتلال روسيا لجورجيا قد وجه ضربة قوية لمثل هذه الخطط. فجورجيا وأرمينيا دولتان بلدان على طول الممر الواصل بين الشرق والغرب الذي يقع بين حوض بحر قزوين وتركيا. وبما أن الحدود بين تركيا وأرمينيا مغلقة، فإن هذا يجعل جورجيا البلاد الرئيسية على طول الممر. وبما أن جورجيا قد شوّهت من قبل روسيا واصبحت غير مستقرة، فمن الصعب التصوّر اليوم كيف ستقوم أية شركة طاقة بالاستثمار في تمديدات الممر الواصل بين الشرق والغرب، الذي أصبحت جورجيا الحلقة الضعيفة فيه. وباحتلالها لجورجيا، استنفذت روسيا الخطط الأمريكية - التركية لتعزيز الممر الواصل بين الشرق والغرب وجعل تركيا مركز تجاري لطاقة بحر قزوين. وقامت موسكو أيضاً عن دراية بوقف خطط الاتحاد الأوروبي لشراء الطاقة من حوض بحر قزوين من دون الاضطرار إلى اللجوء إلى روسيا.

عودة إلى الاتحاد السوفياتي

كان نفوذ الغرب السياسي في دول الاتحاد السوفياتي سابقاً الضحية الثانية التي لحقت بدول الحلف الأطلسي جراء غزو روسيا لجورجيا. فمنذ تسعينيات القرن الماضي، تمكنت تركيا والولايات المتحدة من اكتساب نفوذ في دول الاتحاد السوفياتي سابقاً، وخاصة أذربيجان وجورجيا وأوكرانيا، وأسست روابط سياسية وعسكرية مع هذه الدول. والآن وقد لقنت روسيا جورجيا درساً بشأن موقفها الموالي للغرب، ستفكر أوكرانيا وأذربيجان مرتين عندما تتاح لهما الفرصة في المستقبل قبل أن تحذوا حذو الولايات المتحدة أو تركيا، على التوالي. إن غزو روسيا لجورجيا قد اثبت لدول الاتحاد السوفياتي سابقاً أن روسيا هي القوة المهيمنة في المنطقة وأنه من الأفضل لهذه الدول أن تستمع إليها.

ما دامت أسعار النفط والغاز مرتفعة، ستفرض روسيا المزيد من النفوذ السياسي والعسكري على منطقة القوقاز وحوض البحر الأسود، وسيأتي هذا النفوذ على حساب مجتمع الحلف الأطلسي. إن غزو روسيا لجورجيا تعد علامة بارزة من علامات بزوغ فجر عصر جديد. حرب صغيرة أتت بنتائج كبيرة بالفعل.

سونر چاغاپتاي

سونر چاغاپتاي هو زميل أقدم في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى وأستاذ زائر في جامعة بهجسهير، أن يتقدم بشكره إلى ميليس إفكيميك على مساعدتها له في هذه المقالة.