أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المرصد السياسي 2168

الدعوة للتمرد ضد «حماس» في غزة

إهود يعاري

متاح أيضاً في English

8 تشرين الثاني/نوفمبر 2013


اختارت حركة جديدة يُطلق عليها "تمرد غزة" ["حركة تمرد على الظلم"] يوم 11 تشرين الثاني/نوفمبر، الذي يصادف الذكرى التاسعة لوفاة زعيم "منظمة التحرير الفلسطينية" السابق ياسر عرفات، لتنظيم احتجاجات جماهيرية، بما في ذلك إضرابات واعتصامات، تهدف إلى انهاء حكم «حماس» في قطاع غزة. ورغم أن العديدين يقولون إن حركة "تمرد"، التي تشكلت بصفة أساسية خارج غزة، لا تمتلك سوى قدرات محدودة للغاية لكي تشكل خطراً على «حماس»، إلا أنها تمثل التهديد الداخلي الأكثر أهمية الذي يواجهه الفرع الفلسطيني لـ جماعة «الإخوان» على الإطلاق. وفي الواقع تأخذ «حماس» هذا التهديد على محمل الجد تماماً.

يشار إلى أن "تمرد غزة" هي حركة غامضة تتألف من نشطاء شباب لم يكونوا معروفين سابقاً، وكانت قد شُكلت في شهر نيسان/أبريل الماضي، واستفادت من موقع التواصل الاجتماعي الفيسبوك وغيره من برامج شبكات الإعلام الاجتماعية. وقد ظهرت الجماعة بالتوازي مع حركة "تمرد" المصرية، التي قادت المظاهرات التي ساعدت في النهاية على اسقاط الرئيس محمد مرسي. وبحلول آب/أغسطس، وحيث تشجعت من نجاح نظيرتها المصرية، تحرك مؤسسو "تمرد غزة" - الذين شوهدوا في لقطات فيديو مرتدين الأقنعة - للتعبير عن مطالبهم ووضعوا الخطوط العريضة لمسار عملهم.

مطالب من القيادة في غزة

تشمل المطالب الرئيسية لـ "تمرد غزة"، كما وردت في الإعلانات المختلفة، بما في ذلك رسالة إلى الأمين العام لجامعة الدول العربية، مطالبة «حماس» بسماحها الفوري بتشكيل لجنة انتخابات "دون أي إعاقة أو تأخير" تتولى التنظيم السريع لإجراء انتخابات عامة تحت إشراف عربي وإسلامي دولي. وكان من المقرر انتهاء الإنذار الأخير لحركة "تمرد" في 8 تشرين الثاني/نوفمبر. وبشكل أوسع نطاقاً، أصدرت حركة "تمرد" بيانات عديدة تتهم «حماس» بإهمال مصالح الشعب الفلسطيني، بما في ذلك "حق حرية التعبير والتنظيم السياسي الذي يكفله الدستور". ونددت الحركة أيضاً بالانقلاب الذي جلب «حماس» إلى السلطة في قطاع غزة في حزيران/يونيو عام 2007. وعلاوة على ذلك، تتهم "تمرد" حركة «حماس» بإفساد كافة محاولات الوصول إلى مصالحة مع الفصائل الفلسطينية المنافسة، وتحملها المسؤولية عن معاناة أهالي قطاع غزة، وإعطاء الأولوية لبقائها السياسي على الاحتياجات العامة للشعب الفلسطيني.

ويعمل بعض نشطاء "تمرد غزة" من مصر، حيث يلقون دعماً من الأحزاب السياسية المحلية المعارضة لجماعة «الإخوان المسلمين»، وتعاطفاً من معظم وسائل الإعلام القائمة في القاهرة، وموافقة ضمنية من السلطات الحالية. إن مثل هذا الدعم يعكس المشاعر المعادية لـ «حماس» المنتشرة في البلاد في أعقاب إقالة الرئيس مرسي واتهامات متكررة بأن «حماس» تدعم سراً الإرهابيين في سيناء واحتجاجات «الإخوان المسلمين» العنيفة في المحافظات الأخرى. ومن أبرز الأسماء ضمن العدد القليل نسبياً من النشطاء الذين تم الإفصاح عنهم - حازم الصوراني الذي ينتمي إلى عشيرة مهمة في غزة، وختام الفرا عضوة في عشيرة هامة في خان يونس، وأحمد الأفغاني وإياد أبو روك. وقد عقد بعض هؤلاء الأفراد اجتماعات عامة في الدقهلية وأماكن أخرى من مصر تحت رعاية سياسيين محليين.

ومن جانبها، كانت «حماس» تتعامل مع هذا التحدي بجدية في السر، رغم التقليل من أهميته في العلن. على سبيل المثال، هدّد وزير داخلية «حماس» والمسؤول عن الأمن الداخلي فتحي حماد في عدة مناسبات بالرد على أي مظاهرات تجري في غزة باستخدام القوة القصوى. ففي جلسة مغلقة للقيادة العليا للحركة، اقتبست وسائل الإعلام من حماد قوله "أريدكم أن تطلقوا النار على رأس أي شخص يخرج ضد حكمنا ولا أريد إصابات". وتدعي التقارير نفسها أن القيادي المخضرم في حركة «حماس» محمود الزهار تدخّل بسرعة لكي يوضح أن حمد لم يعني حرفياً إطلاق النار على الناس بل "منع عودة الفلتان إلى غزة وضبط الشارع جيداً". وبغض النظر عن صحة تلك التقارير المتداولة، التي لا يمكن التحقق من صحتها، تم تنفيذ عدد من حالات الاعتقالات الوقائية في الأسابيع القليلة الماضية وتحذير بصراحة بعض المشتبه في تعاطفهم مع "تمرد" بعدم المخاطرة. وقد تعرض شخص لإطلاق نار في ساقيه وتم إخلاؤه إلى أحد المستشفيات الإسرائيلية.

وعلاوة على ذلك، وفي مواجهة هذا التهديد، نقلت «حماس» المسؤولية الكاملة عن حفظ الاستقرار في قطاع غزة من جهاز الأمن الداخلي التابع لها بزعامة محمد دبابش إلى "كتائب عز الدين القسام" - الجناح العسكري للحركة - التي يتولى قيادتها فعلياً في الوقت الراهن يحيى السنوار والشخص المراوغ محمد ضيف. وكان قد أطلق سراح السنوار من سجن إسرائيلي في العام الماضي، بعد أن قضى فترة طويلة في السجن، كجزء من صفقة الافراج عن الجندي الاسرائيلي جلعاد شاليط. وهكذا سوف يشرف الذراع العسكري لـ «حماس» على ميادين غزة في 11 تشرين الثاني/نوفمبر. ومن المتوقع أن تقوم كوادر "القسام" بدوريات في الشوارع بدلاً من الشرطة المحلية.

وغني عن البيان أن [قيادة] السلطة الفلسطينية وآخرون في حركة «فتح» مشغولين في الوقت الراهن بجهودهم الهادفة لإثارة القلاقل لـ «حماس». فرئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس ومساعدوه يدركون تماماً الأزمة الحالية التي تواجه «حماس» - (انظر المرصد السياسي 2111) - والسخط المتزايد بين أهل غزة. ومن بين الأسباب الرئيسية وراء هذه التعاسة إغلاق معظم الأنفاق التي تربط رفح بسيناء، وجفاف الدعم المالي من إيران وقطر والمملكة العربية السعودية وغيرها من المصادر، والصراع المرير داخل القيادات العليا لـ «حماس». وبدورها، أفضت هذه المستجدات إلى حدوث انقطاعات متواصلة في الكهرباء، ونقص الوقود، وعدم توفر الأسمنت ومواد البناء الكافية، وتأخير دفع الرواتب للموظفين في القطاع العام. وبما يعكس استياءً لا يقبل الشك تجاه حكم «حماس» في غزة أن استطلاعاً للرأي - بالطبع، يجب أن يفسر بحذر شديد - أظهر أن أقل من 48 في المائة من سكان غزة يدعمون الآن القيام بـ "ثورة" في القطاع، بالمقارنة مع 37 في المائة عام 2012. ووفقاً لآخر الإحصائيات، قد تصل البطالة في قطاع غزة إلى 43 في المائة بحلول نهاية هذا العام - وخاصة بين الشباب الذين بلغوا سن العمل.

تأييد غير ظاهر من شخصيات رفيعة المستوى

هناك ثلاثة لاعبون رئيسيون في حركة «فتح» منخرطون في جهود هادئة لتشجيع سكان غزة على النزول إلى الشوارع ضد حكم «حماس» في قطاع غزة.

الأول هو عضو اللجنة المركزية لحركة «فتح» عزام الأحمد، الذي كان الشخص المسؤول في المفاوضات الفاشلة التي جرت حول المصالحة مع «حماس» على مدى السنوات الأربع الماضية. ويسعى الأحمد إلى مساعدة أعضاء «فتح» الذين لا يزالون في قطاع غزة على إعادة تنظيم صفوفهم لاتخاذ إجراءات فعلية. ومع ذلك، فقد تَعَرقَل هذا الجهد بسبب خلافات وانقسامات لا نهاية لها داخل فصائل «فتح» المختلفة في غزة، والتي تعمل جميعها تحت إشراف دقيق من «حماس». وقد تم ردع "اللجنة القيادية العليا" لحركة «فتح» في القطاع بقيادة زكريا الأغا الطاعن في السن، من شن أي معارضة مفتوحة لـ «حماس». وحتى الآن، لم تتمكن «فتح» من الاتفاق بالإجماع على قيادة جديدة لإدارة شؤونها في غزة.

والجهد الثاني يأتي بقيادة مدير "جهاز المخابرات العامة" للسلطة الفلسطينية اللواء ماجد فرج، الذي يحاول حشد الدعم لتدبير اضطرابات مناهضة لـ «حماس». وقد جاءت جهوده بصفة أساسية رداً على أنشطة "مجلس الضفة الغربية" التابع لـ «حماس» والذي يسعى - من قطاع غزة - إلى إعادة تأسيس الهياكل السياسية والعسكرية للحركة في الضفة الغربية. وتجدر الإشارة هنا إلى أنه تم التعرف على هوية بعض المتحدثين باسم "تمرد غزة" كونهم من سكان الضفة الغربية.

أما الجهد الثالث فيديره الرجل القوي السابق في قطاع غزة محمد دحلان - الذي اختلف مع عباس ويعمل الآن من دبي بدعم كامل من ولي العهد محمد بن زايد آل نهيان. وفي حين ينخرط دحلان في الهجمات الحاقدة ضد السلطة الفلسطينية، التي تتركز أساساً على الفساد والتنازلات غير الضرورية إلى إسرائيل، إلا أنه يحرص أيضاً على الاحتفاظ بأتباعه بين أهل غزة من أجل الدخول في سباق مقبل على خلافة عباس. ومنذ أن كان رئيساً لـ "جهاز الأمن الوقائي" في غزة، احتفظ دحلان - الذي هو لاجئ من مخيم خان يونس للاجئين - بجزء من قاعدة نفوذه في المنطقة.

وتقوم جميع هذه الحملات الثلاث غير المنسقة - التي تهدف إلى الإضعاف بصورة أكثر من قبضة «حماس» على قطاع غزة - بإرسال مبالغ كبيرة من المال إلى غزة لتمويل الاحتجاجات.

الاحتمالات

من الصعب جداً التنبؤ بما سيحدث في 11 تشرين الثاني/نوفمبر إذا التزمت "تمرد" بدعوتها الحالية إلى تنظيم تظاهرات جماهيرية. وسوف يتم نشر قوات «حماس» في جميع أنحاء قطاع غزة كما ستصدر تحذيرات صارمة للسكان بالابتعاد عن أي محاولة "للتسبب في الفوضى". ومن الواضح أن العديد من الناس سوف يفضلون تجنب العقاب من «حماس»، إذا كان ذلك ممكناً، وسوف ينتظرون رؤية ما ستسفر عنه الأحداث في ذلك اليوم. وبالتالي، فمن الأهمية بمكان أن تعمل "تمرد" وحلفائها على إقناع أعداداً كبيرة من السكان بالنزول إلى الشوارع في وقت مبكر - يُفضل بعد صلاة الظهر - لكي تظهر حقيقة التحدي الذي تواجهه «حماس». ومع ذلك، ليست هناك مؤشرات في هذه المرحلة توحي في الواقع بانطلاق أي مظاهرات حاشدة في أي مكان في غزة. ومع هذا، إذا جرأ المتظاهرون على تحدي هذه التوقعات والنزول إلى الشوارع، فسوف يخاطرون بمواجهة قوات «حماس» التي لن تتردد في الرد بالأسلحة النارية.

 

إهود يعاري هو زميل ليفر الدولي في معهد واشنطن ومعلق لشؤون الشرق الأوسط في القناة الثانية في التلفزيون الإسرائيلي.