أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المرصد السياسي 1919

سوريا وتركيا: البُعد الخاص بـ «حزب العمال الكردستاني»

سونر چاغاپتاي

متاح أيضاً في English

5 أبريل 2012


 

"بالنظر إلى موقف أنقرة القوي رداً على قمع نظام بشار الأسد للانتفاضة السورية نجد أن العلاقات السورية التركية آخذة في التفكك."

 

ثمة اعتقاد منتشر على نطاق واسع بين جماعات المعارضة السورية بأن دمشق بدأت تسمح لـ «حزب العمال الكردستاني» - وهو جماعة مسجلة على قائمة وزارة الخارجية الأمريكية للمنظمات الإرهابية - بالعمل مرة أخرى في سوريا. وإذا عدنا إلى عام 1998 نجد أن النظام السوري كان قد كبح نشاط «حزب العمال الكردستاني» [«الحزب»] على أرضه وقطع العلاقات مع هذه المنظمة بعد أن هددت أنقرة بغزو سوريا حول نشاط «الحزب». وبعد ذلك تحسنت العلاقات بين تركيا وسوريا تمشياً مع سياسة تركيا في الشرق الأوسط التي تكون بمقتضاها "أي دولة تساعد تركيا ضد «حزب العمال الكردستاني» دولة صديقة وأية دولة تساعد «حزب العمال الكردستاني» دولة عدوة."

ومع ذلك، ففي الآونة الأخيرة ونظراً لموقف أنقرة المتشدد رداً على حملة القمع التي شنها نظام بشار الأسد ضد الانتفاضة السورية أخذت العلاقات السورية التركية تتفكك. ومما زاد من توتر العلاقة هي التقارير الواردة في الإعلام التركي عن موقف دمشق المتساهل تجاه «حزب العمال الكردستاني» وفرعه المحلي وهو «حزب الاتحاد الديمقراطي» في سوريا. غير أن نشاط «حزب العمال الكردستاني» المتجدد في سوريا لا يضر فقط بالعلاقات الثنائية بين البلدين بل يمكن أيضاً أن يحد من فعالية سياسة أنقرة ضد الأسد. غير أن واشنطن بحاجة إلى دراسة هذه المسألة واتخاذ خطوات للتعامل مع وجود «حزب العمال الكردستاني» في سوريا.

كيف أنهت أنقرة الدعم السوري لـ «حزب العمال الكردستاني»

تأسس «حزب العمال الكردستاني» في عام 1978 في وادي البقاع في لبنان الذي احتلته سوريا في ذلك الحين. وقد دعمت موسكو ذلك التطور لكي تزعزع استقرار تركيا التي كانت تمثل عضواً بارزاً في حلف شمال الاطلسي خلال "الحرب الباردة". وبإدارتهم حرباً بالوكالة ضد أنقرة بواسطة «حزب العمال الكردستاني» فإن السوفيت والسوريين قد زودوا الجماعة بالتدريب والسلاح. وقد شن «حزب العمال الكردستاني» بعض الغارات من سوريا إلى داخل تركيا، كما انخرط في هجمات إرهابية. ومع انهيار الشيوعية انتهى الدعم السوفيتي لـ «حزب العمال الكردستاني» لكن سوريا استمرت في إيواء المجموعة لكسب ثقل ضد أنقرة في النزاعات الثنائية. وعلى وجه التحديد، طالبت دمشق بمحافظة هاتاي التركية واختلفت مع أنقرة حول تقاسم مياه نهري دجلة والفرات.

وسعياً لإنهاء إيواء سوريا لـ «حزب العمال الكردستاني» سلكت تركيا في البداية طريقاً دبلوماسياً في محاولة لإقناع دمشق بإنهاء تلك السياسة. إلا أن ذلك المسار لم ينجح. فقد أنكر السوريون أنهم كانوا يؤوون «حزب العمال الكردستاني» رغم أن زعيم الجماعة عبد الله أوجلان قد أجرى مقابلات مع وسائل الإعلام الدولية من موقعه في العاصمة السورية. ثم حاولت أنقرة اتباع استراتيجية أكثر صرامة: فباستغلال انتعاش علاقتها الاستراتيجية مع إسرائيل التي تحد سوريا من الجنوب، هددت تركيا بغزو سوريا ما لم تمنع هذه الأخيرة نشاط «حزب العمال الكردستاني» في أراضيها. وقد نجح هذا النهج وطردت سوريا أوجلان إلى خارج البلاد حيث تم اعتقاله فيما بعد بواسطة ضباط أتراك وبمساعدة أمريكية وتم إيداعه السجن. كما وقعت دمشق أيضاً "بروتوكول أضنة" مع تركيا عام 1998 واعدة بإنهاء كل دعمها لـ «حزب العمال الكردستاني».

وفي السنوات التي تلت ذلك مباشرة تأكدت الاستخبارات التركية وضباط الجيش التركي من أن نظام الأسد قد توقف في الحقيقة عن إيواء «حزب العمال الكردستاني»، وفي المقابل حصل تحسن في العلاقات التركية السورية.

ظهور مشكلة «حزب العمال الكردستاني» مجدداً

منذ بدء الانتفاضة السورية في ربيع 2011، تتخذ أنقرة موقفاً حازماً ضد القمع الذي يمارسه نظام الأسد. فقد أوصت تركيا في البداية ألا يستخدم الأسد العنف، ولما لم يلق هذا الرجاء اهتماماً تبنت أنقرة خطاباً أشد لهجة تجاه الأسد وبدأت تعرض توفير لجوء لأعضاء "المجلس الوطني السوري" الذي يمثل مجموعة المعارضة. كما قدمت تركيا أيضاً ملاذاً آمناً للاجئين السوريين الفارين من الاضطهاد فضلاً عن استضافة بعض الأعضاء من مجموعة المعارضة المسلحة التي يمثلها "الجيش السوري الحر".

وفي الوقت نفسه ظهرت تقارير مفادها أن الأسد كان يسمح لـ «حزب العمال الكردستاني» و«حزب الاتحاد الديمقراطي» بالعمل داخل سوريا. وفي أواخر 2011 على سبيل المثال سمحت دمشق لـ «حزب الاتحاد الديمقراطي» بفتح ست "مدارس لغات" كردية في شمال سوريا حيث تستخدمها الجماعة الآن لغرض سياسي. وما هو أكثر من ذلك، تردد في آذار/ مارس 2012 أن «حزب العمال الكردستاني» قد نقل ما بين 1500 و 2000 من أعضائه إلى سوريا من "جبال قنديل" على طول الحدود العراقية الإيرانية حيث احتفظت الجماعة هناك بمقرات قيادتها ومعسكراتها خلال السنوات العشر الماضية.

البنية التحتية لـ «حزب العمال الكردستاني» في سوريا

تعتبر سوريا هي الدولة الإقليمية الوحيدة التي جنَّد فيها «حزب العمال الكردستاني» أعداداً كبيرة من الأكراد [خارج تركيا]. وأحد الأسباب هي أن دمشق - التي حرمت في الماضي الكثير من الأكراد من الحصول على الجنسية السورية - قد حاولت تسيير الإحباط القومي الكردي باتجاه «حزب العمال الكردستاني» وضد تركيا. ومع ذلك فمنذ بداية الانتفاضة السورية تحاول دمشق إعادة تقييم سياستها تجاه الأكراد السوريين عارضة على ما يقرب من 300000 كردي من مجردي الجنسية، الحصول على جنسية "عربية سورية" لإضعاف المعارضة. وقد تمتع «حزب العمال الكردستاني» بالدعم بين الأكراد السوريين أيضاً لأن الكثيرين من الأكراد السوريين والأتراك الذين يعيشون عبر حدود طولها 560 ميلاً هم أقارب، كما يتردد صدى الرسالة السياسية للجماعة بين المجتمعات على كلا جانبي خط الحدود.

وبناءاً على ذلك فإن ما يقدر بنحو من 20 إلى 30 بالمائة من أعضاء «حزب العمال الكردستاني» المتشددين والذي يقدر عددهم بـ 5000 شخص يُعتقد أنهم سوريون أكراد. ويتمتع هذا «الحزب» بدعم أقوى في المناطق الكردية شمال غرب سوريا قرب حلب وفي عفرين وفي "جبل الكرد" المتاخم للحدود التركية. كما أن المنطقة الكردية شمال غرب سوريا محاطة بمناطق سكنية عربية وتركمانية لكن من الممكن أيجاد مناطق سكنية كردية عبر الحدود التركية أيضاً. إن الحقيقة بأن جيرانهم الكرد الوحيدين يعيشون في تركيا قد عرَّض أكراد شمال غرب سوريا لانتقالات كردية من تركيا من بينها تلك من «حزب العمال الكردستاني».

ولدى دمشق العديد من الأسباب لسماحها لـ «حزب العمال الكردستاني» و«حزب الاتحاد الديمقراطي» أن يكونا نشطان من جديد وهي كما يلي:

• استخدام الأسد للجماعة لقمع المتظاهرين الأكراد مثلما حدث في عفرين في شباط/ فبراير 2012. وفي 29 آذار/ مارس أفادت وكالة رويترز أن المعارضة السورية قد اتهمت «حزب الاتحاد الديمقراطي» بـ "العمل كأداة تنفيذية لدى الأسد" من خلال قمع المظاهرات في المناطق الكردية.

• تجمعت المعارضة السورية الكردية في أغلبها حول "المجلس الوطني الكردي"، وعليه، فمن خلال تعزيز صورة «حزب العمال الكردستاني» يأمل النظام أن يدق إسفيناً في هذه الوحدة ويعرض بديلاً يعيد توجيه الغضب الكردي نحو أنقرة.

• ربما يكون «حزب العمال الكردستاني» مفيداً في إحباط التدخل المحتمل عبر الحدود من جانب تركيا لوقف القمع السوري أو بعبارة أخرى خلق مصيدة. وربما يحدث مثل هذا التدخل في محافظة إدلب شمال غرب سوريا التي شهدت عدداً كبيراً نسبياً من الإصابات في صفوف المدنيين لكنها أيضاً تشمل عفرين و"جبل الكرد". وهكذا فالتدخل التركي هنا يمكن أن تكون له آثار مرتدة بما يجبر أنقرة على التصدي للتمرد الذي يقوده «حزب العمال الكردستاني» في تلك التضاريس الجبلية بالمنطقة. والأكثر من ذلك أن ارتباط "جبل الكرد" بـ "جبال أمانوس" عبر الحدود التركية يوفر لـ «حزب العمال الكردستاني» و«حزب الاتحاد الديمقراطي» سبيلاً إلى وسط تركيا. ولـ «حزب العمال الكردستاني» خبرة واسعة في التجول عبر هذه التضاريس وكان قد استخدمها في الماضي لنقل إرهابيين إلى داخل تركيا.

 

إن المخاوف من الآثار "المرتدة" والحاجة إلى بناء تحالف دولي ضد دمشق سوف تخفف على الأرجح من الموقف التركي الأكثر تشدداً في الوقت الحالي. ومع ذلك فإن سياسة أنقرة نحو سوريا ربما تصبح أكثر تصلباً على المدى البعيد. وتقول تقارير المخابرات التركية الأخيرة إنه على الرغم من وعد النظام بإنهاء جميع نشاطات «حزب العمال الكردستاني» في سوريا إلا أن الأسد قد بدأ يسمح لهذا «الحزب» بالعمل حتى قبل انتفاضة ربيع 2011. ويتردد أن رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان مقتنع أن مثل هذه الخطوة تؤكد خداع الأسد لتركيا واستهانته بسياسة تركيا ما قبل الانتفاضة التي تمثلت بالحفاظ على علاقات ودية مع دمشق.

ومن جانبه فإن «حزب الاتحاد الديمقراطي» الذي لم يكن قد انضم إلى "المجلس الوطني الكردي" أو "المجلس الوطني السوري" يمكن أن يستفيد من النزاع الحاصل بين أنقرة ودمشق. فهذه الجماعة تنقل أعضاء مسلحين إلى سوريا وتبني قاعدة سياسية هناك. كما أن «حزب الاتحاد الديمقراطي» يضع نفسه في موضع جيد للاستفادة من السقوط المرجح للأسد على أمل أن يصبح لاعباً رئيسياً في القضية السورية الكردية القومية وهي القضية التي يكتنفها بشكل فريد أسلحة ومسلحون. وفي الوقت نفس فإنه بالتعاون مع الأسد يبدو أن «حزب العمال الكردستاني» يصطف مع السياسة السورية التي تتبناها إيران وروسيا في محاولة لكسب ود رعاته السابقين.

ونظراً للكيفية التي تُجسِّد بها قضية «حزب العمال الكردستاني» آراء الأتراك تجاه جيرانهم فإن التقارير الإعلامية عن النشاط المتجدد لـ «حزب العمال الكردستاني» في سوريا يمكن أن تساعد على حشد الرأي العام التركي لدعم سياسة أقوى تجاه الأسد. وخلال العام الماضي كانت مثل هذه التقارير نادرة لكن الوجهة الأقوى المناهضة للأسد التي يتم حالياً تبنيها في تركيا يمكن أن تغير هذا الواقع. وأثناء اجتماع "أصدقاء الشعب السوري" في 1 نيسان/ أبريل في اسطنبول عبَّر أردوغان عن معارضته الثابتة للأسد. ويمكن لواشنطن أن تعتبر عدد الأخبار التي يوردها الإعلام التركي عن دعم الأسد لـ «حزب العمال الكردستاني» و «حزب الاتحاد الديمقراطي» مقياساً للغضب التركي المتصاعد واستعداد أنقرة للتحرك ضد الأسد.

وتحتاج واشنطن أيضاً إلى دراسة وجود «حزب العمال الكردستاني» و«حزب الاتحاد الديمقراطي» في سوريا. وحيث يصل الربيع إلى "جبال قنديل" المرتفعة في العراق فإن لدى «حزب العمال الكردستاني» الآن قدرة تكتيكية على نقل المزيد من المسلحين من العراق وإلى داخل سوريا ليعزز وجوده في سوريا، وفي الوقت نفسه يتفادى عملية تركية مرتقبة عبر الحدود في منطقته. وفي المسعى لمعالجة وجود «حزب العمال الكردستاني» و«حزب الاتحاد الديمقراطي» في سوريا فمن الممكن أن يتكوّن شركاء الولايات المتحدة من أنقرة والجماعات السورية الكردية والمعارضة السورية، والأهم من ذلك التعاون مع القيادة العراقية الكردية التي لها في الوقت نفسه تأثير على السوريين الأكراد وعلاقات قوية مع أنقرة. ويمكن للأفكار المكتسبة من هذه الدراسة أن تساعد على تخفيف المخاوف التركية من الوقوع في فخ، وتوفر لتركيا وحلفائها حيزاً لأخذ زمام المبادرة في سياستهم تجاه سوريا.

 

سونر چاغاپتاي هو مدير برنامج الأبحاث التركية في معهد واشنطن.