أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

مذكرات سياسية 9

سيناء: جبهة جديدة

إهود يعاري

متاح أيضاً في English

10 كانون الثاني/يناير 2012


منذ انسحاب إسرائيل من قطاع غزة في عام 2005 واندلاع الثورة المصرية في العام الماضي برزت شبه جزيرة سيناء كبؤرة ساخنة جديدة في الصراع العربي الإسرائيلي المعقد مع بنية تحتية إرهابية متمددة تجعلها جبهة أخرى لمواجهة محتملة. فالبدو الآن في وضع يجعلهم يبدؤون الأزمات التي لا تريدها إسرائيل أو مصر، في حين يؤثرون في الوقت نفسه على الصراع ضد «حماس». هناك حاجة إلى اتخاذ تدابير للحيلولة دون الانهيار التام للأمن في شبه الجزيرة والمناطق المحيطة بها وتجنب بروز دويلة بدوية مارقة ومسلحة وتقليص خطر انهيار السلام الإسرائيلي المصري تحت وطأة الضغوط من حدود سيناء الوعرة.

 

ملخص تنفيذي

تبلغ مساحة سيناء 61000 كم مربع أو ثلاثة أضعاف مساحة إسرائيل تقريباً. وما تزال شبه الجزيرة نطاقاً راكداً عبر معظم الفترات بمنأى عن حالات الثوران الكبرى في منطقة الشرق الأوسط. ويُشكل البدو المحليون الذين يزيد عددهم الآن على 300000 شخص ما يقرب من 70 بالمائة من مجموع السكان أما الباقون فهم من الفلسطينيين (10 بالمائة) والمهاجرين من عبر قناة السويس (10 بالمائة) و سلالات منحدرة من البوسنيين والأتراك وغيرهم من المستوطنين من الفترة العثمانية وخاصة في العريش (10 بالمائة). وخلال حروب ما بعد 1948 بين إسرائيل ومصر لم يشارك البدو في القتال على الرغم من أن كلا الجانبين كان قد نجح في تجنيد بعض أفراد القبائل لأغراض استخباراتية و - بشكل أقل تكراراً - لعمليات سرية وراء الخطوط الأمامية.

ومع ذلك، ففي الآونة الأخيرة بدأ سكان سيناء يحوّلون المنطقة إلى لاعب شبه مستقل في الساحة الإقليمية حيث يضطلع البدو لأول مرة بدور مستقل في تحديد السيطرة على شبه الجزيرة وعلاقاتها مع المناطق المجاورة. ونتيجة لذلك تبرز سيناء بسرعة كبؤرة ساخنة جديدة في الصراع العربي الإسرائيلي المعقد مع بنية تحتية إرهابية متوسعة تجعلها جبهة أخرى لصدام محتمل. فالبدو الآن في وضع يجعلهم يؤثرون على العلاقات الإسرائيلية المصرية ويبدؤون أزمات لا تريدها أي من الحكومتين بينما يؤثرون في الوقت نفسه على الصراع بين إسرائيل و«حماس».

إن خطر الانفجار على الحدود بين إسرائيل ومصر والتي يبلغ طولها 240 كم قد أصبح مصدر قلق دائم مع خطورة مضافة بأن التطورات المحلية في سيناء يمكن أن تفتت السلام الثنائي الهش مع مصر. وعلاوة على ذلك، هناك أجزاء من سيناء بدأت الآن تشبه امتداداً للساحة الفلسطينية حيث إن ثمة مجموعات معينة تُبرم علاقات عسكرية وسياسية وأيديولوجية واقتصادية وثيقة مع قطاع غزة المجاور. وبما أن السلطات المصرية كانت مترددة في فرض سيطرتها على شبه الجزيرة أصبحت «حماس» تنظر إلى المنطقة باعتبارها ميدان نفوذ لها فوصلت إلى السكان المحليين وكشفت باستمرار عن ثقة متنامية في قدرتها على الحصول على حرية مناورة كبيرة لأنشطتها هناك.

شبكات إرهابية ناشئة

في الآونة الأخيرة، وسَّع عدد متزايد من الشبكات الإرهابية وجوده وأنشطته في أنحاء كثيرة من سيناء. وتمثل هذه الشبكات عصابات تهريب قديمة تحولت جزئياً إلى الإرهاب، وفصائل بدوية تشكلت حديثاً تعتنق الفكر السلفي الجهادي، ومنتمين لمنظمات فلسطينية في غزة بما في ذلك «حماس» و«الجهاد الإسلامي» و"لجان المقاومة الشعبية" و"جيش الإسلام" الذي تمثله عشيرة دغموش.

وكشفت السلطات المصرية أيضاً عن تغلغل «حزب الله» لسيناء وأسرت العديد من أفراد التنظيم. وفي عام 2010 أصدرت ضدهم أحكاماً بالسجن لمدة تصل إلى خمس عشرة سنة. غير أن معظم هؤلاء النشطاء قد تمكنوا من الهرب من سجونهم أثناء الثورة المصرية حيث تلقى قائد الخلية الشيعي اللبناني سامي شهاب ترحيب الأبطال من قبل زعيم «حزب الله» حسن نصر الله وذلك لدى عودته إلى بيروت في شباط/فبراير 2011.

وقد استمرت مصر في إنكار التقارير التي تفيد بوجود تنظيم «القاعدة» في سيناء. وفي آب/أغسطس 2011 ظهر إعلان عن إقامة "إمارة شبه جزيرة سيناء" المزعومة من قبل تنظيم «القاعدة» على المواقع الرسمية لهذه الشبكة الإرهابية لكن الإعلان قد حُذف بسرعة. وقد كانت المنشورات التي تحمل هذا الإعلان توزع أيضاً حول العريش في شمال ساحل سيناء. وقد كرر الإعلان نفسه شكاوى البدو القديمة من سلوك قوات الأمن المصرية ودعا إلى النضال ضد اليهود. وفي 20 كانون الأول/ديسمبر أعلن بيان آخر إقامة جماعة جديدة منتمية لـ تنظيم «القاعدة في سيناء» وهي "أنصار الجهاد" لتكون مكرسة للنضال ضد "اليهود."

ويكشف تحليل هجمات 18 آب/أغسطس التي قُتل فيها ثمانية إسرائيليين وجُرح واحد وثلاثون أن جميع النشطاء الاثنى عشر كانوا من سكان سيناء حيث إن أربعة منهم كانوا في مهمة تفجير انتحارية. وقد كانت تلك أول حالة يخترق فيها نشطاء من سيناء، دولة إسرائيل ويرتدون أحزمة ناسفة بغرض قتل إسرائيليين. وقد كانت تلك أيضاً المرة الأولى التي أُطلقت فيها صواريخ مضادة للطائرات محمولة على الكتف من سيناء ضد مروحيات إسرائيلية. وبالإضافة إلى ذلك، عكست تلك العملية الفاصلة عزم البدو على شن هجوم في الجوار القريب لموقع "قوات الأمن المركزي" المصرية رقم 421 (الذي يقع شمال إيلات). وقد دعت الخطة الأولية إلى إخفاء الرهائن في سيناء أو نقلهم عبر أنفاق رفح إلى غزة.

لقد كان هجوم آب/أغسطس أيضاً خروجاً عن النمط الذي رسخته عمليات البدو الإرهابية السابقة التي هدفت جميعها إلى ضرب أهداف داخل سيناء وليس إسرائيل.

ففي أوائل التسعينيات من القرن الماضي اشتبك السلفيون في مصادمة شرسة مع الطرق الصوفية الراسخة سابقاً في سيناء. وأدت تلك المواجهة إلى حدوث انشقاقات داخل الوحدات القبلية والعائلية مما قوض من البنية الاجتماعية للكثير من المجتمعات البدوية. وقد ساهمت شبكات التهريب - التي تقوم بأنشطة واسعة وظهرت في منتصف العقد الأول من هذا القرن - بصورة أكثر في حلحلة التراتبية التقليدية حيث حولت السلطة الفعلية من المشايخ القبليين إلى الإسلاميين وزعماء العصابات. واليوم يجد المرء في جميع أنحاء سيناء معسكرات سلفية جديدة مؤلفة من البدو الذين تركوا قبائلهم ليعيشوا حياتهم اليومية وفقاً لمعتقداتهم الإسلامية الجديدة.

وعلى الصعيد العملياتي يعتمد الجهاديون السلفيون على بنية تحتية واسعة تخدم صناعة التهريب، فضلاً عن وجود تنظيمات إرهابية فلسطينية في شبه الجزيرة. وفي وقت مبكر من عام 1995، بعد وقت قصير من إقامة السلطة الفلسطينية، باشرت «حماس» نشاطاً سرياً في سيناء لا سيما في صفوف السكان الفلسطينيين في منطقة رفح/العريش الساحلية. وسرعان ما حذا «الجهاد الإسلامي» وجماعات أخرى حذوها. وقد حفر العديد من النشطاء أنفاقاً تحت "ممر فيلادلفيا" الذي تسيطر عليه إسرائيل مما سمح بنقل الأسلحة من سيناء إلى غزة. ولم تكن القوات الإسرائيلية قادرة بتاتاً على تدمير كافة الأنفاق وعلى الأخص في الضواحي المكتظة بالسكان في رفح. وبالإضافة إلى ذلك، غالباً ما ترسل «حماس» نشطاء عبر الأنفاق إلى سيناء ومنها إلى داخل إسرائيل والضفة الغربية متحاشية بذلك الرقابة الإسرائيلية الصارمة في المعابر الحدودية والحواجز الأمنية المحيطة بغزة نفسها.

غير أن الفوران الحقيقي في مثل هذا النشاط قد أتى بعد فك الارتباط الاسرائيلي عن غزة في عام 2005 وإخراج القوات لاحقاً من الحدود بين سيناء وغزة. وقد زاد حجم التجارة المحظورة وتهريب الأسلحة ليصل إلى معدلات جديدة، بل وأصبحت قطاعات أكبر من سكان شمال سيناء مرتبطة بغزة وواقعة تحت النفوذ السياسي والأيديولوجي لـ حركة «حماس» وأمثالها. ورغم أمنية رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك أريئيل شارون الصامتة بأن تتحمل القاهرة مسؤولية غير رسمية عن شؤون قطاع غزة إلا أن الانسحاب الإسرائيلي هو الذي سمح لـ «حماس» بتصدير نفوذها إلى داخل الأراضي المصرية.

وحيث كانت الزيادة الهائلة في عدد الأنفاق - حيث وصل عددها إلى ما لا يقل عن 1200 في ذروتها - هي المحفز، فقد كان التوسع في أنشطة «حماس» ومنظمات فلسطينية أخرى في سيناء [قد سجل عصراً جدياً] لم يسبق له مثيل. وفي الحقيقة كان تدفق الأسلحة يتحرك في الغالب عكسياً حيث تأتي أسلحة من غزة إلى سيناء. وفي أواخر عام 2010 وقبل الإطاحة بمبارك كانت «حماس» تقوم بالفعل بنقل صواريخ ثقيلة طويلة المدى لأماكن تخزين سرية في سيناء، بما في ذلك صواريخ غراد وصواريخ القسَّام ذات المدى الأوسع. وفي 6 تشرين الأول/أكتوبر من ذلك العام ضُرب ميناء إيلات الإسرائيلي ومثيله الأردني في مدينة العقبة بوابل من الصواريخ التي أطلقت من سيناء. وقد وقعت الهجمات على الرغم من التحذيرات المصرية الشديدة اللهجة لـ «حماس» بألا تستخدم شبه الجزيرة كمنصة لشن الهجمات على إسرائيل. وفي ردٍ أصبح منذ ذلك الحين هو القاعدة، تجاهل قادة «حماس» العسكريون الطلب المصري ثم أنكروا المسؤولية لاحقاً.

وقد استمرت «حماس» في زرع نشطائها في جميع أنحاء شبه الجزيرة سواء بين المجموعات الفلسطينية في ممر العريش/رفح أو في المخيمات البدوية.

واليوم يتركز عدد كبير من نشطاء «حماس» العسكريين بصفة دائمة في سيناء ويعملون مجندين وجواسيس ودعاة لـ «حماس». كما أنشأت «حماس» أيضاً مكتباً عملياتياً سرياً في القاهرة فضَّلت السلطات المصرية أن تتجاهله. وهذا المكتب متصل بقيادة «كتائب عز الدين القسَّام» في غزة و "المجلس العسكري" لـ «حماس» في دمشق. وبالإضافة إلى ذلك، استمرت «حماس» وحركة «الجهاد الإسلامي» الفلسطينية وغيرهما من الفصائل تنقل بعض ورشها التفجيرية - التي تنتج صواريخ محلية الصُّنع وقذائف ومدافع الهاون وعبوات ناسفة وغيرها - من غزة إلى سيناء في الأشهر الأخيرة.

وشبكة «حماس» في سيناء مسؤولة أيضاً عن نقل أسلحة إلى غزة معظمها مهرب من إيران عبر السودان إلى مصر، ومن هناك يتم نقلها عبر قناة السويس وعن طريق شبه الجزيرة. وقد كانت الأسلحة تأتي أيضاً في بعض الأحيان من دول البلقان. إن هذا التدفق للأسلحة والذي يشمل صواريخ فجر-3 وفجر-5 المتقدمة القادرة على الوصول إلى مشارف تل أبيب قد أضيف إليه معدات مهربة من ليبيا مثل الصواريخ الروسية المتطورة من طراز SA-14 و SA-16 و SA-18 المضادة للطائرات والتي يمكن أن تشكل تهديداً على الطائرات الإسرائيلية ومطار إيلات. وقد أصبحت صواريخ الجيل الثالث المضادة للدبابات متاحة أيضاً في المنطقة ويمكن استخدامها لاستهداف مدينة إيلات وكذلك القرى القريبة من الشريط الحدودي بل والسفن التي تبحر عبر مضايق تيران عند مدخل خليج العقبة. وعلى نطاق أوسع، يقدر مصدر بدوي أن العدد الإجمالي للأسلحة في شبه الجزيرة بما لا يقل عن 100000 قطعة من جميع الأنواع.

وهذا المزيج من الشبكات الإرهابية الفلسطينية والبدو الجهاديين السلفيين قد حول شبه الجزيرة إلى ملاذ آمن للإرهابيين ذوي الأسلحة الثقيلة والمتطورة. ووفقاً لإحدى التقديرات المصرية فإن المنطقة هي الآن مأوى لما يقرب من 1600 جهادي سلفي مسلح.

قوة البدو المتنامية

لقد تسارع بشكل كبير انتشار المعاقل الإرهابية في سيناء وبروز الميليشيات القبلية المسلحة تسليحاً جيداً بسبب انهيار قوات الشرطة المصرية في جميع أنحاء شبه الجزيرة خلال الثورة. وقد طارد البدو المسلحون في أساطيل من شاحنات الـ "پيك آب" والدراجات البخارية أفراد "الأمن المركزي" واضطروهم إلى التخلي عن قواعدهم والفرار. وقد نُهبت مستودعات الأسلحة والذخائر وأُحرق العديد من مراكز الشرطة. وقد قُتل ما لا يقل عن 100 شخص، الكثير منهم من رجال الشرطة، في الاشتباكات التي وقعت في كانون الثاني/يناير- شباط/فبراير 2011. وسرعان ما أكد البدو هيمنتهم على محافظة شمال سيناء، ومنذ ذلك الحين لم تتمكن السلطات المصرية من استئناف العمليات بشكل فعال في مراكز الشرطة الثلاثة عشر في المنطقة.

وفي الأشهر التي تلت الإطاحة بمبارك عزز البدو وضعهم من خلال المزيد من الأعمال العدائية. فقد فجر رجال القبائل خطوط أنابيب الغاز التي تزود إسرائيل والأردن بالغاز في عشر مناسبات مختلفة مما تسبب في انقطاعات طويلة في تدفق الغاز وخسارات تقدر بصورة متحفظة بحوالي 80 مليون دولار. وكانت بعض المتفجرات التي زُرعت في محطات الضخ أو على طول خط الأنابيب متطورة للغاية. فعلى سبيل المثال في إحدى الحالات نُفذت الهجمات بحنكة عالية بحيث تدمر الخط الواصل إلى إسرائيل بدون تعطيل نظيره الواصل إلى الأردن.

وفي الماضي اتهم مسؤولون مصريون في شبه الجزيرة، البدو بأنهم "يهود سيناء" معبرين عن عدم ثقتهم في ولائهم السياسي ومُلمحين إلى علاقاتهم الودودة مع الإسرائيليين الذين كانوا يسيطرون على المنطقة ما بين 1967 و 1982.

وعلى الرغم من زيادة التوترات والصدامات المسلحة، لم يُبذل قط أي جهد منتظم لكبح ظهور اقتصاد بدوي مواز يرتكز على التهريب وأشكال أخرى من التجارة غير المشروعة. وبحلول نهاية عام 2011 قُدر الحجم السنوي لهذا الاقتصاد الأسود بما يزيد عن 300 مليون دولار.

وقد تحولت شبكات التهريب إلى ميليشيات واسعة التنقل وكبيرة الحجم ومجهزة تجهيزاً جيداً بأحدث وسائل الاتصالات. وتتمدد العقود التجارية لهذه الشبكات بسرعة وبعمق داخل مصر وليبيا وغيرهما. فعلى سبيل المثال شمل أحد المشروعات استيراد أسمنت من تركيا وإفراغ حمولته من قوارب في ميناء العريش الصغير ثم تهريبه إلى غزة. وتحتفظ الشبكات أيضاً بخطوط أنابيب تضخ البنزين عبر الأنفاق إلى غزة حيث وصلت الأسعار ذات مرة إلى أربعة أضعاف نظيرتها في سيناء.

وفي الحقيقة فإن ازدهار التهريب قد ربط بدو سيناء اقتصادياً بغزة الواقعة تحت حكم «حماس». وحيث ينمو الاعتماد التبادلي بين المنطقتين فقد أعقب العلاقات الاقتصادية نفوذٌ سياسي وأيديولوجي. فقد أصبح البدو أكثر تعاطفاً مع القضية الفلسطينية وعقيدة «حماس» وأشد عدائية تجاه إ

ABCDEFG