أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المجهر السياسي 127

الارتقاء إلى مستوى التحدي الإيراني: القدرات العسكرية لدول "مجلس التعاون الخليجي" والتعاون الأمني الأمريكي.

مايكل نايتس

متاح أيضاً في English

حزيران/يونيو 2013


تعيش شعوب دول "مجلس التعاون الخليجي" [دول "الخليج العربية"] في منطقة مضطربة تعج بالصراعات. فبالإضافة إلى قربه من دول غير مستقرة معرضة للصراعات مثل العراق واليمن والآن سوريا، يواجه "مجلس التعاون الخليجي" تهديداً من إيران وهي إحدى القوى الإقليمية الطموحة التي تسعى للحصول على أسلحة نووية. ورغم أن الولايات المتحدة لا تزال ملتزمة بشكل كبير بتأمين الاستقرار لدول "الخليج العربية" ودورها الحيوي في تصدير الهيدروكربونات (النفط والغاز) إلى الاقتصاد العالمي، فإن خفض الإنفاق الدفاعي وإعادة التوازن للاستراتيجية العالمية الأمريكية تجاه آسيا ربما يفضي إلى تخفيض عدد القوات الأمريكية المنتشرة في الخليج حتى لو ازداد التهديد الإيراني يوماً بعد يوم. فما الذي يمكن أن يسد هذه الفجوة؟

ويركز هذا المقال على التعاون الأمني مع جيوش دول "مجلس التعاون الخليجي" باعتباره النهج الأكثر فاعلية والأكثر عملية أيضاً للحفاظ على الاستقرار الإقليمي في منطقة الخليج الفارسي. فلا يوجد حل سريع أو بسيط لأمن الخليج كما لا يمكن حماية دول "الخليج العربية" فقط من خلال الإعلان عن توسيع حجم الحماية الأمريكية له. وبدلاً من ذلك، فإن النطاق الكامل لما يتم اتخاذه من إجراءات عسكرية ودبلوماسية يظل ضرورياً لكبح جماح القوة الإيرانية. وبما أن الاحتفاظ بوجود عسكري أمريكي كبير لا يعتبر حلاً دائماً على المدى الطويل، فينبغي على الولايات المتحدة الاستفادة من القدرات العسكرية المتزايدة لدول "مجلس التعاون الخليجي" ومضاعفتها. ويرى كاتب هذه السطور أن تصميم هيكل أمني جديد للمنطقة ربما لا يكون السبيل الأكثر وعداً الذي ينبغي المضي فيه لأن دول "الخليج العربية" لا تزال تفضل استخدام الجيش الأمريكي كـ "ركن أساسي" في دفاعاتها، والذي يعتبر النموذج الواعد والفعال إلى حد ما لا سيما من حيث موارد الولايات المتحدة. وربما يكون العمل مع المؤسسات القائمة -- الجيوش الفردية لدول "مجلس التعاون الخليجي" -- والاعتراف بإمكانياتها الفردية والجماعية الخيار الأفضل على المدى القريب لاستراتيجية الولايات المتحدة في المنطقة.

وبالتالي، يلقي هذا المقال نظرة جديدة على إمكانية أن تكون بلدان "الخليج العربية" شركاء عسكريين للولايات المتحدة. وعلى عكس الصورة الراكدة والبالية التي التصقت في الأذهان، فإن جيوش دول الخليج العربي تزداد ديناميكية يوماً بعد يوم، مدفوعة بالتكنولوجيات التحويلية والآراء الناشئة حول القومية والتعليم في "مجلس التعاون الخليجي". إن مقارنة جيوش دول "الخليج العربية" بالقوات المسلحة الأمريكية يعتبر أمراً غير مفيد حيث إن دولاً قليلة جداً قد تعكس نتائج إيجابية جراء هذه المقارنة. إلا أن الأمر الأكثر نفعاً في هذا السياق هو مقارنة قدرات القوة العسكرية لدول "مجلس التعاون الخليجي" الرئيسية -- السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت وسلطنة عمان -- بتلك الخاصة بشركاء واشنطن العسكريين من أوروبا وآسيا. واستناداً إلى عينة من مقاييس تقاسم الأعباء العسكرية التي استعرضناها في هذه الدراسة، وجدنا أن دول "الخليج العربية" تأتي في مرتبة جيدة كشركاء عند مقارنتها بدول حليفة للولايات المتحدة مثل تركيا وبريطانيا واستراليا وكوريا الجنوبية وتايوان وألمانيا.

وربما لا تكون دول "مجلس التعاون الخليجي" حليفة عسكرية مثالية إلا أنها عاقدة العزم لأن تكون كذلك وهي تستثمر أموالاً طائلة في مجال الدفاع. كما أن قدراتها تزداد يوماً بعد يوم بسبب النضج المستمر الذي تشهده مؤسساتها العسكرية من ناحية والتغييرات التكنولوجية التي عظمت من قوتها وقللت من نقاط ضعفها من ناحية أخرى. والأهم من ذلك هو أن دول الخليج تعتبر بمثابة حليفة رئيسية لأنها اختارت المشاركة بشكل فعال مع الجانب الأمريكي في الجهود لاحتواء إيران على المستوى العسكري. فعلى مدار العقد الماضي حوّل قادة ومسؤولون خليجيون تركيزهم من تجنب النزاع إلى ردع التوسعات الإيرانية، وإذا تطلب الأمر الدفاع بشكل فعال عن المنطقة بالتعاون مع حلفاء دوليين. إن التزام الولايات المتحدة المستمر بالتعاون الأمني هو السبيل الأكثر فعالية للحفاظ على هذا الاتجاه.

أولويات التعاون الأمني

يرى كاتب هذه السطور أن تطوير قدرات عسكرية مناسبة وقوية داخل دول "مجلس التعاون الخليجي" ربما يكون ممكناً تماماً إذا رُكزت الجهود على المهام الأكثر أهمية لاستكمال ما تتمتع بها الولايات المتحدة من قدرات ولردع إيران. ومن الممكن أن يتم دعم تطور هذه القدرات في كافة أرجاء دول "الخليج العربية" بدلاً من التركيز المحدود على واحد أو اثنين من المعجزات العسكرية (على سبيل المثال، دولة الإمارات العربية المتحدة). وسيقلل القيام بذلك من احتمالية أن يصبح الجيش الأمريكي معتمداً بشكل كامل على حليف إقليمي واحد قد يختار الانسحاب من مواجهة مستقبلية مع إيران. ويذكر أن "مجلس التعاون الخليجي" قد اتخذ خطوات واسعة في ثلاث مجالات دفاعية من الممكن للولايات المتحدة أن تستمر في دعمها وتشكيلها:

الأمن الداخلي والدفاع المدني وحماية البنية التحتية الحيوية. تعتبر دول "الخليج العربية" في غاية الاتقان في مهام الأمن الداخلي مثل مكافحة الإرهاب وأمن الحدود والأمن الصناعي. أما فيما يخص الدفاع المدني فهو مجال تحتاج فيه دول "مجلس التعاون الخليجي" دعماً إضافياً من الولايات المتحدة.

الإنذار المبكر المشترك والدفاع الجوي والصاروخي المتكامل. توفر دول "الخليج العربية" المزيد من أنظمة القذائف والرادار غالية الثمن واللازمة لحماية المنطقة مع استمرار كون الولايات المتحدة المزود الرئيسي للأنظمة ومحور التكامل في مركز الدفاع الصاروخي لـ "مجلس التعاون الخليجي". وهناك حاجة إلى تدخل الولايات المتحدة لتوجيه دول "الخليج العربية" نحو الوصول إلى حلول كاملة ومتكاملة وبعيداً عن الإفراط في الطموح أو التنافس في الحصول على هذه القدرات.

الدفاع عن "المناطق الاقتصادية الحصرية" والمياه الإقليمية والموانئ. تحتاج دول "مجلس التعاون الخليجي" إلى الانتقال من الدفاع الساحلي إلى القيام بدوريات على مدى مياهها الإقليمية بشكل كامل بما فيها "المناطق الاقتصادية الحصرية". كما أن بناء الثقة للقوات البحرية لدول "الخليج العربية" خطوة بخطوة قد يكون مفتاحاً للتعاون الأمني مع الولايات المتحدة. وبعد شروعها بالفعل في تدريبات تنسيق الحروب البحرية، ينبغي على الولايات المتحدة مواصلة جهودها وتوسعيها من خلال وضع برنامج تدريبي بحري واسع النطاق مشابهاً لـ برنامج "مكتب مدير البرنامج" -- "«برنامج تحديث الحرس الوطني السعودي»" (OPM-SANG)  وشراكتها بين القطاع العام والخاص على المدى الطويل لتدريب "الحرس الوطني السعودي" وتطويره.

وبجانب المهام الدفاعية الأساسية لجيوش دول الخليج العربي، هناك مجموعة من المهام الدفاعية الأكثر حساسية التي ربما يسعى "مجلس التعاون الخليجي" إلى إنجازها في العقد القادم. وعلى الرغم من أنها تسعى لتحقيق أهدافها الدفاعية ظاهرياً -- مثل تسهيل مرور ناقلات النفط عبر مضيق هرمز -- فإن هذه المهام تشمل انتهاج أسلوب هجوم تكتيكي عند استخدام اسلوب الدفاع على المستوى الاستراتيجي. فعلى سبيل المثال فإن تحرير مضيق هرمز من أي معوقات إيرانية قد يدفع دول "الخليج العربية" إلى اتخاذ إجراءات ضد القوات المسلحة الإيرانية الأمر الذي يهدد اندلاع نزاع مكتمل الأركان مع طهران. وفي واقع الأمر يستثمر "مجلس التعاون الخليجي" في أنظمة الأسلحة الدفاعية مثل صواريخ كروز طويلة المدى التي تطلق من الجو والقادرة على ضرب طهران إلى جانب تحقيق أهداف استراتيجية أقرب، في الوقت الذي يُدرس فيه جلب أنظمة دفاع أخرى مثل الغواصات الهجومية. وبالنسبة للولايات المتحدة، فإن السؤال الشامل هو كيف يمكن لواشنطن أن توفر لدول "الخليج العربية" الوسائل لانتهاج أسلوب هجومي تكتيكي للدفاع عن الوضع الراهن دون العمل على مفاقمة التوترات العسكرية أو خلق ديناميكية أقل استقراراً في المنطقة؟

وسوف تحتاج دول "مجلس التعاون الخليجي" الطمأنينة في السنوات العاصفة المقبلة، عندما تقترب إيران أو حتى تعلن عن امتلاكها قدرات أسلحة نووية. وسوف يكون من المهم الحفاظ على وجود عسكري أمريكي واضح يحظى بتغطية إعلامية دورية جيدة في بلدان "الخليج العربية" بما في ذلك برامج التدريب مع القوات. كما أنه ينبغي على الولايات المتحدة ودول "مجلس التعاون الخليجي" القيام بإجراء مناورات دفاعية جوية وصاروخية في آن واحد وبانتظام لتعزيز الالتزام الأمريكي تجاه دول الخليج وبناء الثقة والمهارات داخل دول "الخليج العربية". كما ينبغي أن تكون مناورة عرض القوة السنوية مشابهة لمناورات "ٌReforger" التي تقوم بها قوات حلف شمال الأطلسي والتي مارس من خلالها المشتركون التعزيز العسكري الأمريكي لأوروبا من الولايات المتحدة القارية خلال الحرب الباردة. وفي واقع الأمر ينبغي على الولايات المتحدة السعي للعمل بقدر الإمكان مع قوات "مجلس التعاون الخليجي" في العديد من العمليات متعددة الجنسيات وبشكل مثمر وفعال.

وبالإضافة إلى ذلك ومن بين العناصر الهامة لأي جهد مبذول في التعاون الأمني في دول "الخليج العربية" هو التمويل الحكومي الأمريكي المستمر والدعم المقدم لـ "المبيعات العسكرية الأجنبية" و"التمويل العسكري الأجنبي" و"المواد الدفاعية الزائدة" بالإضافة إلى برامج "التدريب والتعليم العسكري الدولي". وقد استفادت دول "مجلس التعاون الخليجي" جميعها من نصائح الولايات المتحدة بشأن قضايا تتعلق بالاستدامة مثل توفير الموارد للصيانة وقطع الغيار ومخزونات الأسلحة. وفي المستقبل يمكن للطرف الناصح والمرشد التأكد من أن دول "الخليج العربية" قد بنت توافقاً حول سياسات شراء الأسلحة كلما كان ذلك ممكناً وهو الذي من شأنه أن يقلل من احتمالية دخول دول الخليج في برامج تطوير قوة عسكرية مترامية الأطراف ومكلفة تظل فرص نجاحها ضئيلة. وبصفة عامة يمكن للولايات المتحدة أن تدعم الفكر الإبداعي والعلاقات التقدمية بين القطاعين العام والخاص في مجال الدفاع في دول "مجلس التعاون الخليجي". وإذا تمت الاستفادة من التكنولوجيا بشكل صحيح مع مواءمتها للمتطلبات العملية الحقيقية، فمن الممكن أن تحدث تحولاً في الإمكانيات العسكرية لدول "الخليج العربية". فعلى سبيل المثال، يمكن لدول "مجلس التعاون الخليجي" أن تظهر باعتبارها رائداً في الحرب الروبوتية متجاوزة بذلك جيلاً كاملاً من القدرات البشرية بعيدة المنال -- مثل السفن التي تتخذ "إجراءات مضادة للألغام" -- وذلك عن طريق تبني أنظمة تشغيل عن بعد أو أنظمة شبه مستقلة لتنفيذ حرب مضادة للغواصات أو المراقبة أو القيام بأدوار تتعلق بـ "إجراءات مضادة للألغام". ومن الممكن أن يقوم القطاع الخاص بتشغيل مثل هذه الأنظمة بشكل مبدئي مع نقل العمليات إلى عناصر من دول "الخليج العربية" بمرور الوقت.

ومن حيث مجالات التركيز المحددة للمساعدة الأمنية ينبغي أن تكون الأولوية الأولى هي استمرار الدعم الأمريكي لحماية البنية التحتية الحساسة والدفاع المدني والأمن السيبراني في المنطقة. وهناك حاجة أيضاً إلى التدخل المستمر للولايات المتحدة في مجال الدفاع الصاروخي والجوي للمساعدة في التخطيط للتأقلم المستقبلي مع مخزون الدفاع الصاروخي لدول "مجلس التعاون الخليجي" وضمان جاهزية ترسانات الصواريخ الاعتراضية من خلال استثمار قوي في الصيانة وقطع الغيار التي يقوم بها برنامج "المبيعات العسكرية الأجنبية" في الولايات المتحدة وتستمر في دفعها العلاقة العسكرية الوثيقة المتبادلة القائمة بين القوات المسلحة. كما أن مشاركة الولايات المتحدة هو أمر حيوي أيضاً للحفاظ على التعاون الهام للغاية بين دول "الخليج العربية" في مجال الدفاع الجوي والصاروخي. ويمكن أن يوجه التدخل الأمريكي دول "مجلس التعاون الخليجي" نحو إيجاد حلول تكميلية ومتكاملة وبعيداً عن المبالغة في الطموح أو التنافسية في الشراء.

كما يمكن للولايات المتحدة أن تنظر أيضاً في أمر وضع خطة شاملة للتعاون الأمني وذلك لتشكيل وتطوير القوات البحرية في دول "مجلس التعاون الخليجي" على وجه الخصوص. وفضلاً عن ذلك، يرى كاتب هذه السطور أن بإمكان القوات البحرية في دول "الخليج العربية" أن تمثل مجتمعة حليفاً بحرياً مفيداً للولايات المتحدة والمجتمع الدولي إذا تم تحقيق الاستفادة المثلى من مواردها. وعلاوة على ذلك، يمكن تقديم أسباب وجيهة لإنشاء "مركز إقليمي للتميز" في "الإجراءات المضادة للألغام". كما يمكن للمرء أن ينظر أيضاً في تطوير برامج تدريبية بحرية واسعة النطاق كتلك الخاصة بـ "«برنامج تحديث الحرس الوطني السعودي»" الذي حوّل "الحرس الوطني السعودي" إلى القوة العسكرية الأكثر قدرة في المملكة.

 

مايكل نايتس هو زميل ليفر في معهد واشنطن، ومتخصص في الشؤون العسكرية والأمنية للعراق وإيران وليبيا واليمن ودول الخليج. وقد اضطلع ببحوث واسعة عن الدروس المستفادة من العمليات العسكرية الأمريكية في الخليج منذ عام 1990.