أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المرصد السياسي 1772

استعراض مكاسب مصر من معاهدة السلام مع إسرائيل

ديفيد ماكوفسكي

متاح أيضاً في English

7 مارس 2011


 

أثارت الثورة المصرية الكثير من التوقعات بشأن مستقبل معاهدة السلام وعلاقات مصر الثنائية مع إسرائيل. فطوال فترة الانتفاضة، ركز المتظاهرون بشكل كبير على الحرية السياسية دون وجود أجندة طائفية أو أيديولوجية، مما دعّم التقييمات بأن التأثير على المعاهدة سيكون محدوداً. وفي بيان عام رسمي صدر بعد فترة وجيزة من الإطاحة بحسني مبارك، أكدت «القيادة العسكرية العليا» أن "مصر ملتزمة بجميع الالتزامات والمعاهدات الإقليمية والدولية".

إلا أن الناشط الديمقراطي البارز أيمن نور، الذي كان ذات مرة أحد المتنافسين على الرئاسة المصرية، أبدى ملاحظة مخالفة لذلك. ففي أعقاب الثورة، دعا إلى إعادة التفاوض على "اتفاقيات كامب ديفيد" من عام 1978، التي كانت الأساس للمعاهدة التي وقِّعت عام 1979. وفي رأيه أن الاتفاقات قد "انتهت" وأن "على مصر أن تجري على الأقل مفاوضات حول شروط الاتفاقية".

ومن المرجح أن يكون هدف كلماته متعلقاً بالقيود المفروضة على حجم القوات المصرية وعمق وجودها في سيناء. ورغم أن الإسرائيليين يصرون على مثل هذه القيود لأن جميع الحروب التي خاضها البلدان وقعت في سيناء، إلا أن بعض المصريين يَشْكون من أن الشروط تجرح كبرياءهم الوطني. وفي الواقع، أعلن العديد من المسؤولين في جماعة «الإخوان المسلمين» بأنه ينبغي إلغاء المعاهدة برمتها، بينما دعا آخرون إلى إجراء تصويت برلماني جديد وتنظيم استفتاء وطني حول هذا الموضوع.

وعند تقييم مستقبل السلام بين مصر وإسرائيل، من المهم استعراض المكاسب التي حققتها مصر من المعاهدة على مدار العقود الثلاثة الماضية:

• استعادة سيناء وعدم خوض أي حروب. أسفرت حرب عام 1973 -- واحدة من عدة صراعات مصرية مع إسرائيل تعود جذورها إلى عام 1948 -- عن مقتل نحو 8000 مصري و2700 إسرائيلي. ومع ذلك، لم تندلع صراعات أخرى من هذا القبيل منذ معاهدة عام 1979، كما انسحبت إسرائيل من سيناء بأكملها، ومنذ ذلك الحين صمدت الاتفاقية تقلبات "السلام البارد" بين البلدين.

 

• المساعدات الأجنبية. كسبت مصر مساعدات هائلة من واشنطن من جراء السلام. إذ تتلقى القاهرة سنوياً مساعدات عسكرية أمريكية قدرها 1.3 مليار دولار ومساعدات اقتصادية تبلغ 250 مليون دولار. ووفقاً لـ «خدمة أبحاث الكونغرس» الأمريكي، حصلت مصر على 69 مليار دولار من الولايات المتحدة منذ عام 1979، بينما حصلت إسرائيل على 98 مليار دولار. وفي الواقع، كان البلدان أكبر الجهات المتلقية للمساعدات الخارجية الأمريكية منذ عام 1979.

 

• الحد من الإنفاق العسكري. تمكنت القاهرة من تقليص ميزانيتها العسكرية بشكل حاد منذ حرب عام 1973. ووفقاً للبنك الدولي، استهلكت نفقات مصر العسكرية نحو 2 بالمائة من "الناتج المحلي الإجمالي" للبلاد في عام 2009 (نحو 3.8 مليار دولار) مقارنة بأكثر من 20 بالمائة في عام 1976. إن هذا التخفيض الكبير قد أتاح المجال للقاهرة لإعادة تخصيص أموالها العسكرية لمشاريع التنمية الاقتصادية.

 

• العلاقات العسكرية الجديدة. سهّل السلام إقامة علاقة بعيدة المدى بين المؤسستين العسكريتين الأمريكية والمصرية. فمنذ توقيع المعاهدة، قدمت واشنطن للقاهرة مساعدات عسكرية بشكل مبيعات أسلحة وتحويلات، مما مكّن مصر من استبدال الأجهزة السوفيتية البالية التي حصلت عليها قبل منتصف السبعينات من القرن الماضي، حينما كانت القاهرة لا تزال تعتمد على موسكو. كما أتاحت هذه المساعدات إجراء تدريبات عسكرية مشتركة بشكل منتظم، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، والتدريب، والإنتاج المشترك للدبابات، والمشاورات العسكرية المنتظمة مع كل من الولايات المتحدة وإسرائيل.

 

• زيادة إيرادات الطاقة. حالما تم توطيد السلام، بدأت مصر بيع كميات كبيرة من النفط إلى إسرائيل؛ وبحلول عام 1995، شكلت تلك المبيعات نحو ثلث واردات إسرائيل من الوقود. ورغم أن تبادل النفط في حدوده الدنيا اليوم، إلا أن البلدين وقعا على اتفاقية للغاز الطبيعي في عام 2005. ونتيجة لذلك، بدأت مصر تزود ما يصل إلى 40 بالمائة من احتياجات إسرائيل من الغاز، ومقابل ذلك حصلت على 2 مليار دولار سنوياً. (خط الأنابيب المصري الممتد إلى الأردن تعرض للتخريب في الشهر الماضي، مما أدى إلى توقف مؤقت في صادرات الغاز إلى إسرائيل. وفي غضون ذلك، تعيّن على محطات توليد الكهرباء الإسرائيلية استخدام كميات أكبر من وقود الديزل أو الفحم. وسوف يقل اعتماد إسرائيل على الغاز المصري عندما تتوافر إمدادات إضافية من الحقول البحرية المكتشفة حديثاً قبالة سواحل إسرائيل).

 

• الدعم التجاري. وفقاً لتقرير أصدرته «خدمة أبحاث الكونغرس» هذا الشهر، تأتي ثلث الصادرات المصرية إلى الولايات المتحدة من "المناطق الصناعية المؤهلة". وكان الكونغرس الأمريكي قد اعتمد [إقامة] "المناطق الصناعية المؤهلة" عام 1996؛ إن أولى تلك "المناطق" قد وفرت للأردن إمكانية الوصول التجاري الحر إلى الأسواق الأمريكية، طالما كانت نسبة مئوية من سلعها المصدرة تشمل على مدخلات أردنية وإسرائيلية. وقد انضمت مصر -- الشريكة الأخرى الوحيدة لإسرائيل في المنطقة التي تربطها معها معاهدة سلام -- إلى ذلك النظام في كانون الأول/ديسمبر 2004. واليوم، توظف "المناطق الصناعية المؤهلة" في مصر أكثر من 120,000 مصري ولها حجم صادرات تصل قيمتها السنوية إلى ما يقرب من 763 مليون دولار من البضائع التي تصل إلى الشواطئ الأمريكية؛ ويشكل هذا الرقم ثلث جميع الصادرات المصرية إلى الولايات المتحدة.

 

• وسيط سلام. بعد حرب 1973، أصبحت الولايات المتحدة اللاعب الدبلوماسي الحاسم في المنطقة بسبب دورها كوسيط للسلام ونتيجة العلاقات التي طورتها مع كل من إسرائيل ومصر. وعلى نحو مماثل، عززت القاهرة من مكانتها الإقليمية على مر السنين بسبب علاقاتها مع إسرائيل والسلطة الفلسطينية وحركة «حماس»، فضلاً عن جهودها للوساطة في النزاعات بينها.

العامل الفلسطيني

كما أُشير أعلاه، سوف تتكبد مصر تكاليف ضخمة إذا ما ألغت معاهدة السلام مع إسرائيل، حيث ستتضخم ميزانيتها العسكرية على حساب التنمية الاقتصادية، وسيتعين عليها الاستغناء عن المساعدات العسكرية والاقتصادية الأمريكية التي تبلغ 1.5 مليار دولار سنوياً. ووفقاً لـ "صندوق النقد الدولي"، تبلغ احتياطات مصر من العملات الأجنبية 31 مليار دولار فقط، وهو مبلغ تافه نسبياً. إن نقض المعاهدة سيشكل أيضاً صفعة كبيرة للعلاقات العسكرية بين القاهرة والولايات المتحدة: فالقوات المسلحة المصرية تقدر تلك العلاقة، وسيؤدي قطعها إلى إضعاف تلك القوات. وعندما ينظر إلى الأمور بصورة واسعة، تبدو تكاليف إبطال المعاهدة مرتفعة للغاية بحيث لا تستطيع مصر تحملها.

بيد، هناك سمات عالية للغاية للسلام بين مصر وإسرائيل. فهو يقوم على اتفاقية بين حكومتين وليس بين شعبين، ويظل اتقائياً ويخلو من الثقة. وليس هناك أي تبادل ثقافي بين البلدين: وقد أدرجت القاهرة مواطنين في القائمة السوداء، مثل الكاتب علي سالم، لجرأتهم على زيارة إسرائيل، كما تعج وسائل الإعلام المصرية بصورة منتظمة بآراء فجة معادية للسامية. ولشرح افتقارها لبذل جهود للمصالحة بين الشعبين، تستشهد مصر منذ فترة طويلة بغياب السلام بين إسرائيل والفلسطينيين.

وفي الواقع، يبدو هذا الأمر الأخير أكثر بروزاً من مصادر أخرى محتملة للاحتكاكات طويلة الأجل، مثل الدعوات لقطع إمدادات الغاز المصرية عن إسرائيل أو طلب نور إعادة التفاوض على القيود العسكرية في سيناء. وتزداد الشرعية المصرية بين الدول العربية كلما يبدو أن القاهرة تتعاطف مع القضية الفلسطينية بشكل أكبر. لذلك، قد يخلق استمرار الجمود الإسرائيلي - الفلسطيني ضغطاً على مصر لتغيير سياستها تجاه غزة، حيث أن مصر لا تسمح حالياً لـ «حماس» باستخدام رفح كمعبر حدودي لسفر الأفراد، ناهيك عن التجارة. لكن أثناء خطاب ألقاه الشيخ يوسف القرضاوي أمام ما يقرب من مليون مصري في "ميدان التحرير" بعد فترة وجيزة من عودته إلى مصر بعد عقود في المنفى، لم يقتصر عالم الدين صاحب الشخصية المؤثرة والمقنعة على الإعلان بأن أدولف هتلر عاقب اليهود "بوجه حق"، بل تحدى أيضاً السياسة بشأن غزة مطالباً بفتح معبر رفح.

ويمكن أن تزداد المناقشات بين الجمهور المصري حول هذا الموضوع في سياق انتخابات رئاسية جديدة. إن الجاذبية الواسعة للقضية الفلسطينية قد تدفع نور وإثنين من المرشحين المحتملين الآخرين -- الأمين العام لـ "جامعة الدول العربية" عمرو موسى والمدير السابق لـ "الوكالة الدولية للطاقة الذرية" محمد البرادعي -- إلى التنافس بين بعضهما البعض من خلال المزايدة على تبني مواقف جريئة متباينة بشأن هذه القضية. ومع ذلك، ففي الوقت الراهن يقول كل من موسى والبرادعي إنهما سوف يبقيان على معاهدة السلام رغم انتقادهما المستمر والحاد لإسرائيل.

الخاتمة

لقد كانت فوائد السلام مع إسرائيل هائلة بالنسبة لمصر، ورغم أن المعاهدة مرتبطة بنظام بائد، إلا أن الدعوات لإلغائها كانت قليلة وضعيفة حتى الآن. ومع ذلك، فحتى في ظل انتقال سلمي ومنظم إلى سلطة مدنية غير إسلامية، من المرجح أن تتعرض جوانب من العلاقات الثنائية لضغوط غير مسبوقة، لا سيما في بيئة من الجمود الدبلوماسي بين الإسرائيليين والفلسطينيين. وتشمل هذه الضغوط مطالبات بنشر قوات عسكرية في سيناء ودعوات شعبية لتعليق مبيعات الغاز لإسرائيل، والأهم من ذلك كله، إحداث تغيير جوهري في السياسة تجاه غزة. إن كيفية تنقل قادة مصر الجدد بين الجاذبية الفاتنة للشعبية والاعتراف بالمصالح القومية المصرية سوف تحدد ما إذا كانت العناصر الرئيسية لهذه العلاقة الحيوية سوف تستمر فترة أطول من [حكم] حسني مبارك.

 

ديفيد ماكوفسكي هو زميل زيغلر المميز ومدير مشروع عملية السلام في الشرق الأوسط في معهد واشنطن.