أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المرصد السياسي 1408

إعادة النظر في حل الدولتين

و

متاح أيضاً في English

3 أكتوبر 2008


"في 23 أيلول/سبتمبر، 2008، ألقيت كلمتان من قبل اللواء المتقاعد جيورا آيلاند والسفير مارتن إنديك، في اجتماع غداء منتدى السياسة في معهد واشنطن. اللواء آيلاند رئيس سابق لمجلس الأمن القومي الإسرائيلي ويعمل حالياً أحد كبار الباحثين في معهد دراسات الأمن القومي التابع لجامعة تل أبيب. والسفير إنديك مدير مركز سابان لسياسة الشرق الأوسط في معهد بروكينغز. فيما يلي خلاصة المقرّر لملاحظاتهما".

جيورا آيلاند

في إطار الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني تكمن مفارقة. فبالرغم من أنّ حل الدولتين معروف جيداً ومقبول على نطاق واسع، وبالرغم من وجود إجماع دولي على الحاجة إليه، لم يحرز تقدم يذكر لتحقيق هذه الغاية. يعني هذا أن أياً من الطرفين لا يرغب في الحل وليس على استعداد لإتخاذ ما يلزم من مخاطر للمضي قدماً والتوصل إلى اتفاق. وفي نهاية المطاف، فإن أقصى ما تستطيع حكومة إسرائيل تقديمه للفلسطينيين – والبقاء سياسياً -- هو أقل بكثير مما يمكن أن تقبله أي قيادة فلسطينية. وعلى هذا النحو، هناك فجوة بين الجانبين تستمر في الإتساع على مر السنين.

في كثير من الجوانب، الوضع الحالي أسوأ مما كان عليه قبل ثمانية أعوام. في عام 2000، كان هناك ثلاثة زعماء مصممون وقادرون على التوصل إلى اتفاق: الرئيس الأمريكي بيل كلنتون، ورئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود باراك، والزعيم الفلسطيني ياسر عرفات. هذا النوع من القيادة مفقود اليوم. بالإضافة إلى ذلك، في حين تمتّع الجانبان بمستوى معقول من الأمن والتعاون والثقة في عام 2000، خلقت الانتفاضة بعد ذلك وضعاً مختلفاً تماماً على أرض الواقع كما نراه اليوم. كذلك يشكل صعود حركة حماس على الحلبة السياسية الفلسطينية تهديداً خطيراً لأي حل محتمل. ففي عام 2000، كانت حماس جماعة معارضة وكانت السلطة الفلسطينية قادرة على التصرف ضد إرادتها. أما اليوم، فيبدو أنه حتى لو فقدت حماس سيطرتها على غزة وفقدت أغلبيتها في المجلس التشريعي الفلسطيني، ستكون قوية سياسياً وعسكرياً بما فيه الكفاية لتقويض أي اتفاق سياسي. وأخيراً، هناك عدد متزايد من المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية وقد لا تكون الحكومة الإسرائيلية مستعدة أو حتى قادرة على إجلائهم.

فعلى أي أساس يمكن للمرء أن يعتقد بأنّ ما فشل قبل ثمانية أعوام في ظروف مثلى يمكن أن ينجح اليوم وقد أصبح الوضع أسوأ بكثير؟ لقد بات واضحاً اليوم أن الحل التقليدي القائم على دولتين -- أي إقامة دولتين مستقلتين بين نهر الأردن والبحر المتوسط -- ليس جذاباً بما فيه الكفاية لدفع أي من الطرفين للمضي قدماً في هذا السبيل. وهكذا، ولتجنب إطالة أمد الصراع، من الضروري تعديل حل الدولتين أملاً بإقناع كلا الطرفين لإتخاذ المزيد من المخاطر أو تقديم المزيد من التنازلات.

إحدى التغييرات المتصورة هي إعطاء الأردن المسؤولية الأمنية عن الضفة الغربية. سيكون من المفضل إعطاء هذا الدور إلى الأردن بدلاً من السلطة الفلسطينية لسبب رئيسي واحد: هو حماس. هناك قلق مشروع من أنه إذا أقيمت دولة فلسطينية في الضفة الغربية، فسوف تسيطر عليها حماس لا محالة. لذلك، فإن إيكال المسؤولية الأمنية إلى الأردن مع ضمان الإستقلال السياسي الفلسطيني يمكن أن يمنع التهديد الذي يشكله حماس على إسرائيل. وعلاوة على ذلك، في ضوء سيطرة حماس على غزة، قد يكون الفلسطينيون أكثر استعداداً للعيش تحت حكم الأردن من العيش في دولة حماس إذا تم إنشاء دولة في الضفة الغربية.

البديل الآخر هو حل إقليمي. إن الحل التقليدي القائم على دولتين يترك مشكلتين رئيسيتين دون حل: الاحتمال الرهيب لإجلاء نحو 100,000 إسرائيلي من الضفة الغربية، وافتقار غزة إلى الأراضي والموارد اللازمة لتكون جزءاً من دولة قابلة للحياة. وفي نهاية المطاف، ستكون هناك حاجة إلى المزيد من الأراضي -- وهذا الشيء الواحد الذي يستطيع العالم العربي أن يوفره. وهكذا، يمكن حل المشكلة بالمبادلة المتعددة الأطراف للأراضي تشمل مصر وإسرائيل والأراضي الفلسطينية. ففي استطاعة مصر التنازل عن مساحة متواضعة من الأرض تؤدي إلى زيادة كبيرة في حجم قطاع غزة. وتحتفظ إسرائيل بعد ذلك بقسم من الضفة الغربية يعادل ما تعطيه مصر لغزة من أرض. في المقابل، تمنح إسرائيل جزءاً معادلاً من الأرض من صحراء النقب إلى مصر وتخلق بذلك ممراً مباشراً من مصر إلى الأردن.

وبالرغم من أن العديد من القضايا المركزية في الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي صعبة الحل، فإنّ المثبطات الرئيسية لحل هذه القضايا هي الأرض والأمن. فقطعة الأرض التي نحن بصددها هي ببساطة صغيرة جداً وغير كافية لإرضاء كلا الجانبين، ويرجع الأمر إلى الدول المجاورة لتقدم إسهاماتها إذا كان لحل الدولتين أن ينجح. وإذا كان هذا الخيار لا يبدو ممكناً، من الضروري التوصل إلى قرارات بديلة لهذا الصراع. وسيكون سد الفجوة المتزايدة الاتساع بين الجانبين مستحيلاً إذا استمر هاجس الحل الواحد فقط قائماً. لقد حان الوقت لاستكشاف إمكانيات أخرى بدلاً من الإستمرار في النهج نفسه الذي فشل مراراً في الماضي. وإلا، فسيبقى هذا الحل يرواغنا – ولو أن الجميع يريد ذلك.

مارتن إنديك

بالرغم من أن جيورا آيلاند يقدم أفكاراً مثيرة للاهتمام، إلا أنها ليست خيارات قابلة للتطبيق. تحدّيه مهم لتوفير حلول بديلة، لكنه يتخذ نهجاً غربياً جوهرياً للوضع، ينجذب إليه الأمريكيون بدافع الاعتقاد أنّ لكل مشكلة حلاً، لكنّ في حلوله عيوب جوهرية.

بخصوص الخيار الأردني، في نهاية المطاف لن تكون هناك حكومة أردنية واحدة مستعدة لتولي مسؤولية الأمن من إسرائيل والقيام بمهام ضبط الفلسطينيين. فالفلسطينيون في الضفة الغربية يشكلون تهديداً ديموغرافياً للأردنيين. وعلاوة على ذلك، يمر آيلاند على قضية الهوية الفلسطينية بسرعة كبيرة جداً بإشارته بأن الفلسطينيين في الضفة الغربية سيكونون مستعدين لقبول الهوية الوطنية الأردنية. ومن المشكوك فيه جداً أن يوافق الفلسطينيون على ذلك بسهولة. أما بخصوص الخيار الإقليمي، فمن الناحية التاريخية لم تكن الدول العربية راغبة في الدخول في هذا النوع من الحل. ونظراً لإصرار مصر في ثمانينات القرن الماضي على رفع مسألة منطقة طابا الحدودية الصغيرة جداً في سيناء إلى التحكيم الدولي، من غير الواقعي أن نتوقع بأن يتخلّى المصريون عن طيب خاطر عن أي شبر من سيناء لمصلحة جيرانهم الفلسطينيين.

في هذه المرحلة، لا يبدو أن بإمكان الإسرائيليين والفلسطينيين تحقيق حل الدولتين وحدهما؛ ولابد من تدخل طرف ثالث لإقامة سلام دائم. مصر والأردن -- الجاران العربيان الأشد تأثراً بهذا الوضع مباشرة – يساهمان في تحقيق الحل، لكن ربما أقل مما تود واشنطن. ومع ذلك، لا ينبغي الإستهانة بمساهمتهما: من دور مصر في التفاوض على وقف إطلاق النار وضبط الحدود مع غزة، إلى إسهام الأردن في تدريب أجهزة الأمن الفلسطينية. فمشاركتهما تساعد على تهيئة الظروف التي يمكن أن تجعل حل الدولتين أكثر قابلية على الإستمرار في الحياة رغم ما يعانيه من صعوبات. يحب علينا أن نحاول دعم أولئك الذين يملكون الإرادة لتحقيق السلام وتعزيز قدراتهم. وقد ساعدنا الأردنيين في ذلك، لكن بالرغم من إحراز بعض التقدم، لم تكن تلك المساعدة كافية. فمشاركة بقية الدول العربية ضرورية لدفع العملية إلى الأمام.

ومع ذلك، فإنّ التقدم الذي أحرزته إسرائيل منذ أن وقعت على اتفاق سلام مع مصر يتغلّب على العقبات آنفة الذكر. كحد أدنى، تتمتع إسرائيل اليوم بالسلام مع مصر والأردن، وقد خطت الحكومات الإسرائيلية خطوات كبيرة في سبيل قبول الحل القائم على الدولتين. كذلك، بالرغم من صعود حركة حماس على الحلبة السياسية الفلسطينية، يمكن المرء أن يجادل بأنها بدأت تقبل تدريجياً الأمر الواقع حول حقيقة قيام إسرائيل، كما تبيّن في مفاوضاتها غير الرسمية مع إسرائيل على وقف إطلاق النار في غزة. وعلاوة على ذلك، فإنّ معظم المشكلات التي يطرحها آيلاند هي في الواقع قابلة للحلول، لكنها تتطلب إرادة سياسية من كلا الجانبين. فالعقبات مثل إجلاء جماعي للمستوطنين الإسرائيليين ومشكلة اللاجئين ليست مستعصية على الحل. إنها تتطلب قيادة شجاعة مستعدة لقول الحقيقة لشعبها.

وكلما زادت الشكوك المثارة وكلما زادت البدائل المطروحة، كان حل الدولتين أفضل. لقد أجرت الحكومتان الإسرائيلية والفلسطينية مفاوضات جادة في السنة الماضية ووصلتا إلى النقطة التي كانتا عليها في عام 2000 بعد تطوير معايير كلينتون. هذا التقدم يثبت صلاحية الأفكار الأساسية التي طرحها كلينتون قبل ثماني سنوات. وعلى المدى الطويل، ليست هذه هي اللحظة المناسبة للتخلي عن حل الدولتين: إنه وقت السعي لبذل المزيد من الجهود ولكن بإلحاح أكبر.