أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

صفحات رأي ومقالات

رسم صورة للجنرال كخريج ليس في ريعان شبابه

اريك تراجر

متاح أيضاً في English

فورين بوليسي

7 آب/أغسطس 2013


ما هو حقاً رأي الجنرال عبد الفتاح السيسي عن الديمقراطية في الشرق الأوسط؟ فمنذ اللحظة التي قام فيها الرئيس محمد مرسي بترقية السيسي لمنصب وزير الدفاع في مصر في آب/أغسطس 2012، سرت شائعات حول ميوله الإسلامية المفترضة. وقد قيل إن قائد الجيش رجل تقي جداً، وحقيقة أن مرسي تجاوز جنرالات أعلى منه رتبة عند اختياره عززت المزاعم بأن السيسي هو من المتعاطفين مع «الإخوان المسلمين». حتى بعد أن قام بعزل مرسي، تساءل المراقبون للسياسات المصرية عما إذا كان يأمل في استخدام سلطته الجديدة لتطبيق أجندة إسلامية.

وحظيت ورقة بحثية كتبها السيسي في عام 2006 أثناء التحاقه بكلية الحرب التابعة للجيش الأمريكي بعنوان "الديمقراطية في الشرق الأوسط" بالكثير من الاهتمام في هذا الصدد. ويقول محاضر في كلية الدراسات البحرية العليا البروفيسور روبرت سبرينجبورج في مقالة نُشرت في "فورين آفيرز" إن المستند "يبدو كميثاق أعدته جماعة «الإخوان»" و"يعتنق وجهة نظر أكثر راديكالية بشأن المكان المناسب للدين في الديمقراطية الإسلامية".

وقد تكون وجهة نظر السيسي كشخص إسلامي صحيحة، لأنه لا يُعرف سوى القليل عن الجنرال الذي يرتدي نظارة شمسية أنيقة والذي يعد قائد مصر الفعلي حالياً. لكن بعد فحص شامل لورقة السيسي - التي يمكنك تحميلها هنا باللغة الانكليزية (PDF) - وجدتُ القليل من الأدلة التي تثبت توجهه الإسلاموي. وغاية الأمر أن الورقة ليست سوى نصاً قياسياً يعكس خطاباً بلاغياً قومياً لمسؤولين مصريين في حقبة مبارك - وليس الخطاب الديني لجماعة «الإخوان».

كما أن الورقة ليست بياناً حاداً، لكنها تبدو كتلك الأبحاث التي يعدها طلاب الدراسات العليا بشكل روتيني عندما يحين موعد تقديم فرض من الفروض الدراسية. وتأتي الورقة البحثية في 11 صفحة غير منتظمة المسافات - أقل من نصف الدراسة التي كتبها نائبه صدقي صبحي لنفس الفرض الدراسي - وهي غير منظمة إلى حد كبير.

وقد كتب السيسي ورقته البحثية في ذروة "أجندة الحرية" التي وضعها الرئيس جورج دبليو بوش. فقد كان العام الذي سبق كتابتها قد شهد إجراء انتخابات ناجحة في العراق والسلطة الفلسطينية ولبنان، في الوقت الذي نجحت فيه واشنطن أيضاً في دفع حسني مبارك لإجراء أول انتخابات رئاسية متعددة المرشحين في مصر (على الرغم من أنها كانت صورية). لكن في عام 2006 شهد جُل ما تحقق من تقدم تداعيات عكسية. فقد أطاح العنف الذي شهدته حرب العراق بالآمال التي عُقدت بأن تبرز الدولة بسرعة كديمقراطية مستقرة، كما فازت «حماس» في الانتخابات البرلمانية الفلسطينية. وقد أبرز نظام مبارك تلك الإخفاقات لكي يقاوم المزيد من الضغوط للقيام بعملية التحرر، دافعاً بأن محاولات أمريكا لتطبيق الديمقراطية في الشرق الأوسط لا تعد فقط تدخلاً في الشأن الداخلي، وإنما تقوض أيضاً من الاستقرار الذي تتطلبه الديمقراطية.

إن ورقة السيسي تحاكي الحجج التي كان يروَّج لها في عهد مبارك. فهي تنحى باللائمة في الأساس فيما يتعلق باستمرار الاستبداد في الشرق الأوسط على القوى الخارجية. وقد كتب السيسي يقول "في ضوء احتياطيات النفط والغاز الطبيعي الهائلة فإن الشرق الأوسط يواجه ضغوطاً مستمرة لتلبية أجندات دول متعددة قد لا تتفق مع احتياجات أو متطلبات شعوب الشرق الأوسط".

ويقول السيسي إن الصراع العربي الإسرائيلي والحروب الأمريكية في العراق وأفغانستان تقوض كذلك من احتمالية ظهور ديمقراطية في المنطقة. ويضيف "يجب تسوية الصراع والتوترات الحالية قبل أن يمكن لشعوب المنطقة أن تقبل الديمقراطية" ويمضي السيسي قائلاً إن السياسة الخارجية الأمريكية لم تعمل سوى على تعزيز تشكك سكان الشرق الأوسط من الديمقراطية وذلك بسبب مخاوف من أن "الحرب العالمية ضد الإرهاب ما هي إلا قناع فعلي لتأسيس ديمقراطية غربية في الشرق الأوسط". كما يبرز الدعم الأمريكي للأنظمة غير الديمقراطية ويواصل سردها- وبالطبع، دون الإشارة إلى مصر تحت رئاسة مبارك.

ربما تتساءل، ما علاقة الحرب في العراق أو الصراع الإسرائيلي الفلسطيني بمسألة إجراء انتخابات حرة ونزيهة في مصر؟ لم يُجب السيسي على ذلك السؤال مطلقاً. وهو يحاول في مرحلة ما أن يربط هذه الصراعات بعوامل اجتماعية واقتصادية. ويقول "نتج الفقر في الشرق الأوسط بسبب عدد من العوامل من بينها، الصراع العربي الإسرائيلي، والحرب بين إيران والعراق، و نزاع الصحراء [الغربية ] في المغرب، وسوريا ولبنان، على سبيل المثال لا الحصر".

لكن السيسي لا يبيّن حقاً في أي تفاصيل المدى الذي أسهمت معه تلك الصراعات في زيادة الفقر في المنطقة. كما أن إدراج نزاع الصحراء الغربية والذي نادراً ما يذكر - كسبب للفقر الإقليمي ومن ثم الأوتوقراطية، وليس أقل من ذلك! - يشير إلى أن السيسي يحاول الوفاء بعدد كلمات الورقة البحثية، دون أن يعرض وجهة نظر مفيدة حول رؤيته الأيديولوجية. وعلاوة على ذلك، فإن فكرة أن الديمقراطية لا يمكن أن تتحقق إلا حين تسوية جميع النزاعات في المنطقة هي استراتيجية تقليدية لإثارة الحجج كانت تتسم بها حقبة مبارك.

ولا يركز السيسي فقط على الحرب والفقر - وإنما يسرد كذلك مجموعة من العوامل الداخلية التي تقوض الديمقراطية في الشرق الأوسط. ومن بينها عوامل تمثل أهمية خاصة في ضوء الأحداث الأخيرة: يقول السيسي على سبيل المثال "إن العديد من قوات الشرطة [وفقاً للمصدر] والقوات العسكرية موالية للحزب الحاكم وأنه لا توجد ضمانة [وفقاً للمصدر] بأن تتواءم قوات الشرطة والجيش مع الأحزاب الحاكمة الناشئة" في الديمقراطيات الوليدة. وهذا الجدل الأخير ربما يكون النقطة الوحيدة التي يمكن أن يتفق عليها السيسي وجماعة «الإخوان».

ولم يكن السيسي غافلاً عن إخفاقات حكومات الشرق الأوسط. وذكر أن الاقتصاديات الضعيفة ترغم الناس أن "يفعلوا ما يلزم القيام به للاستمرار" مما يحفز الفساد و"يخلق سلوكاً ثقافياً يتناقض مع القيم التي تقوم عليها الديمقراطية". ويعترف بأن "جداول الوظائف العامة المتضخمة تخنق المبادرات الفردية ويغلب [وفقاً للمصدر] أن تعزز قاعدة السلطة للأحزاب الحاكمة".

لكن في أغلب الأحوال، يستند السيسي إلى الحديث المُستهلك الذي كان سائداً في عهد مبارك بأن سكان الشرق الأوسط ليسوا مستعدين للديمقراطية. ويقول "إن تغيير الثقافة السياسية أمر ينطوي على صعوبات بصورة دائمة. فشيء واحد أن تقول إن الديمقراطية هي الأسلوب المفضل للحكم، وشيء آخر تماماً أن تتكيف مع متطلباتها وأن تقبل بعض المخاطر المصاحبة لها".

ويذكر أن الديمقراطية سوف تؤثر على النظم الإقتصادية والدينية والإعلامية والقانونية للمنطقة - وأن التكيف مع تلك التغييرات "سوف يستغرق وقتاً". ويحذر من محاولة التحرك أكثر من اللازم على أي من هذه الجبهات: إن التغيير السريع "يمكن أن يؤثر على استقرار المنطقة حيث قد يُنظر إلى الدوافع الأمريكية على أنها ترتكز على الذات ولا تدعم أسلوب الحياة لسكان الشرق الأوسط"، كما حذر.

وفي سياق الإعلان بأن منطقة الشرق الأوسط غير جاهزة للديمقراطية يقول السيسي إن الإسلام يتعارض مع الديمقراطية الغربية. ويضيف "الديمقراطية، ككيان علماني، يرجح ألا تلقى قبولاً بين الأغلبية الساحقة من سكان الشرق الأوسط الذين يتلزمون التزاماً قوياً بالدين الإسلامي".

ويقول سيسي إن شعوب الشرق الأوسط تنظر فقط إلى الديمقراطية باعتبارها "مسعى إيجابي طالما أنها تبني الدولة وتعزز القاعدة الدينية في مقابل إلغاء قيم الدين وخلق حالة من عدم الاستقرار". ولهذا السبب فإن ديمقراطية الشرق الأوسط "لن تتطور بالضرورة وفق النموذج الغربي". وتلك طريقة غير منظمة للتعبير عما دأب المسؤولون المصريون أن يخبروا به الغربيين في ظل حكم مبارك: إذا ضغطتم من أجل الديمقراطية، فسوف ترى شعوبنا ذلك كإهانة. فدعونا نعرّف الديمقراطية بأنفسنا - عندما نصبح جاهزين لها.

وهنا يبدو السيسي كما لو كان إسلاموياً. يقول "لا يمكن فهم الديمقراطية في الشرق الأوسط بدون فهم مفهوم الخلافة"، في إشارة إلى الحقبة التاريخية التي غطت العقود الأربعة الأولى بعد ظهور الإسلام (إلا أنه يكتب، وبشكل غير صحيح، "سبعون عاماً"). فتلك الفترة، بحسب قوله، تعكس قيم "الإنصاف والعدالة والمساواة والإحسان".

ثم يقول السيسي إن استعادة المثل العليا لتلك الفترة "تأتي دائماً في طليعة متطلبات مجتمعات الشرق الأوسط" ويقترح مفهومَيْن إسلامييْن يمكن، برأيه، أن يوجدا التوافق بين الإسلام والديمقراطية. الأول هو البيعة، التي يعرّفها بشكل غير صحيح بأنها "عملية الانتخابات" لاختيار الخليفة - وفي الواقع، هي عملية يقسم فيها الشخص بالولاء للخليفة. والمفهوم الثاني هو الشورى، ويعرِّف ذلك المصطلح بأنه "هيئة استشارية ورقابية" للخليفة.

لكن هذا القسم يعكس الكسل النمطي لطالب في الدراسات العليا أكثر من أن يكون ميثاقاً إسلامياً. فالسيسي لم يشرح مطلقاً كيف يمكن دمج البيعة والشورى في الديمقراطية، بترجمته هذين المفهومين بعدم دقة ملحوظة (فهو يستخدم أداة التعريف مرتين) ويستشهد لهذا القسم بأكمله من مصدر واحد - وهو كتاب ألفه سلفي بارز اسمه الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق، والذي أخفق عن ذكره في الحواشي.

وفي غضون ذلك، لم يُعثر على العبارات والأفكار القياسية التي ترد في الخطابات الإسلامية الحقيقية. على سبيل المثال، لا يتحدث السيسي مطلقاً عن تطبيق الشريعة، أو مرجعية الشريعة. كما لا يوجد أي صدى لشعار «الإخوان» "الإسلام هو الحل".

وبمعنى آخر، لا تعكس ورقة السيسي هوسه الإسلامي بإنشاء دولة إسلامية - وإنما تعكس هوس مبارك بمنع الضغوط الغربية لإضفاء الطابع الديمقراطي. والأمر بالنسبة للسيسي لا يتعلق بإمكانية تعايش الإسلام والديمقراطية، وإنما فيما إذا كانت "دول العالم الأخرى ستكون قادرة على قبول ديمقراطية في الشرق الأوسط تقوم على المعتقدات الإسلامية".

وتلك جملة تبعث على السخرية في الوقت الحالي. ففي جميع الأحوال، كان المجتمع الدولي مستعداً لقبول دولة في مصر "قائمة على المعتقدات الإسلامية". في حين لم يكن السيسي والملايين من زملائه المصريين مستعدين لذلك.

 

إريك تراجر هو زميل واغنر في معهد واشنطن.