أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المرصد السياسي 1529

السلطة السياسية و‘المحافظية الاجتماعية‘ في تركيا

متاح أيضاً في English

8 يونيو 2009


"في 4 حزيران/يونيو 2009، ألقت الدكتورة بيناز توبراك، رئيسة قسم العلوم السياسية في جامعات Bahcesehir و بوغازيجي Boğaziçi في اسطنبول، كلمة على مأدبة غداء في المنتدى السياسي الخاص في معهد واشنطن، قدمت خلالها أحدث دراستها - التي قامت برعايتها جامعة بوغازيجي ومعهد المجتمع المفتوح - عن “المحافظية الاجتماعية” في تركيا. ويُلقي بحث الدكتورة توبراك الضوء على دور حزب العدالة والتنمية الحاكم في تدعيم وتعزيز “المحافظية الاجتماعية” عبر المنطقة الخلفية وراء ساحل الاناضول. وقد قام الدكتور سونر چاغاپتاي مدير برنامج البحث التركي في معهد واشنطن بإدارة المحادثة مع الدكتورة توبراك. فيما يلي موجز المقررة لملاحظاتها.

استمرار النظام السياسي العلماني

لسنوات عديدة كانت "قضية العلمانية مقابل الإسلام" موضوع هام ومثير للإنقسام من الناحية السياسية في تركيا. وبإمكان المرء تتبع هذه القضية ‘بالعودة‘ إلى القرن التاسع عشر عندما بدأت الإمبراطورية العثمانية بالقيام بإصلاحات ذات طابع غربي، مما أدى إلى [الإنتقال إلى] فترة كان فيها الجمهور منقسماً إلى إسلاميين وغربيين.

وقد أدى إنشاء الجمهورية التركية إلى إنهاء هذا الانقسام عندما وافقت [الحكومة] رسمياً على استيعاب الثقافة الغربية عن طريق سن سلسلة من الإصلاحات لعلمنة ليس فقط هيكل الدولة، وإنما أيضاً المجتمع ككل -- وهي [خطوة] أولى من نوعها في دولة مسلمة وانتكاسة مؤكدة للإسلاميين. ووفقاً للآباء المؤسسين للجمهورية التركية، مثّل الغرب العالم المتحضر. وبالرغم من أن أوائل التشريعات في "الجمهورية" كانت تميز ضد الإسلاميين، إلا أن هذا الموقف قد خف بعض الشيء مع التحول من سياسة الحزب الواحد في الخمسينات من القرن الماضي. وقد بدأت الأحزاب السياسية المختلفة بعد ذلك تُولي اهتماماً للحساسيات الإسلامية لناخبيها من أجل توسيع قاعدتها الانتخابية.

ومع ظهور الأحزاب السياسية الإسلامية في أوائل السبعينات من القرن الماضي، تعلم الإسلاميون والعلمانيون على حد سواء دروس قيمة. وبإدراكهم استحالة قيام دولة إسلامية في تركيا، تخلى الإسلاميون عن مطلبهم بفرض الشريعة. وعلى مر السنين، خففت الأحزاب الإسلامية من خطابها، واليوم تعترف حتى أكثر الجماعات الراديكالية بأن تركيا ستبقى علمانية.

مجتمع يواجه الأسلمة

إن المسألة الرئيسية اليوم هي أسلمة المجتمع التركي؛ وحتى وصول حزب العدالة والتنمية [الحاكم] إلى السلطة، اعتقد معظم العلمانيون الأتراك أن ذلك أمر غير وارد. وبالرغم من إبعاد الأحزاب الإسلامية عن السلطة السياسية لسنوات عديدة، بقي الدين يشكل جزءاً لا يتجزأ من الحياة في تركيا، بما في ذلك خلال الفترة الأكثر راديكالية في تاريخ الجمهورية التركية. فالعطلات الإسلامية، على سبيل المثال، كانت دائماً تراعى بوصفها أعياداً وطنية.

لقد قامت الدكتورة توبراك بإجراء دراسات في عامي 1999 و 2006، سألت فيها الأتراك عن العلاقة بين الدين والتمييز في المجتمع. وفي عام 1999، أفاد 47 في المائة [من الذين شملهم الاستطلاع عن وجود] شكل من أشكال التمييز، لعب فيه الحظر الرسمي على لبس الحجاب في الجامعات دوراً كبيراً في هذا التصور. وقد انخفض هذا الرقم إلى 17 في المائة في عام 2006. ويبدو أن صعود حزب العدالة والتنمية [إلى الخريطة السياسية التركية] أدى إلى تخفيض مستوى التمييز الذي شعر به الأتراك المتدينين والمحافظين.

وفي حين كانت الدكتورة توبراك قد جادلت في أعمالها السابقة بأن العلمانيين قاموا بعزل الجماعات الإسلامية عن التيار الرئيسي في المجتمع، أظهرت أحدث دراستها بأن العكس هو الصحيح؛ فازدياد “المحافظية الاجتماعية” يؤدي إلى خلق بيئة من التمييز ضد العلمانيين والليبراليين الأتراك، وخاصة النساء. وقد أجرت الدكتورة توبراك وفريق [باحثيها] مقابلات مع 401 شخصاً من اثني عشر مدناً مختلفة، بما فيهم أفراد من أحياء الطبقة المتوسطة-السفلى في اسطنبول حيث يتمتع حزب العدالة والتنمية بشعبية كبيرة (تم اختيار المدن وفقاً لمستوى تنميتهن وانتمائهن السياسي). وبالرغم من الصغر النسبي للمجموعة التي تم استطلاعها، وعدم تشكيلها بالضرورة عينة تمثيلية، عبّر أفراد من مناطق مختلفة عن قصص ونماذج متشابهة من [أشكال] التمييز. فعلى سبيل المثال، أفادت ممرضات وطبيبات غير محجبات من جميع أنحاء البلاد بأنهن كن قد عينن في نوبات ليلية، في حين تعملن زملائهن اللواتي ترتدين الحجاب في النوبات الصباحية.

وفي قضية مختلفة تتعلق [بممارسات] التمييز من قبل الحكومة، قال طبيب علاهي [ - من كلمة العلاهيين أو العلويين في تركيا - ] يعمل في مستشفى بأنه قبل مجئ حزب العدالة والتنمية إلى السلطة، كان هناك حوالي 178 طبيباً علاهياً يعملون في مستشفى معين؛ أما الآن [فقد انخفض ذلك] العدد إلى ثلاثة فقط. بالإضافة إلى ذلك، يقوم بعض المعلمين بالتشجيع على التحيز. فعلى سبيل المثال، قال طالب علاهي لفريق البحث بأنه عندما اقترب من أحد المدرسين للإستفسار عن سبب حصوله [على درجة] أقل مما كان يتوقع في امتحان معين، سخر منه المعلم أمام الصف -- ووصفه كـ "علاهي قذر" -- مضيفاً بأنه نظراً لخلفيته، يجب أن يكون سعيداً لمجرد حضوره في الصف.

ارتفاع “المحافظية الاجتماعية” والتعصب

إن [بحث] الدكتورة توبراك هو دراسة أصيلة لعدة أسباب. أولاً، لسنوات عديدة، كان الناس يعرّفون المحافظين الأتراك بأنهم تركيا الـ "أخرى"، وهي مجموعة تواجه التمييز. وتثبت هذه الدراسة بأن هناك تركيا "أخرى غيرها" تضم أتراك علمانيين وليبراليين خارج أحياء الطبقة المتوسطة في المدن الكبرى الذين يتعرضون حالياً للتمييز من قبل الموظفين والبيروقراطيين الحكوميين.

و ثانياً، يشير البحث بأن البيروقراطيين المعينين من قبل الحكومة يستخدمون علامات “المحافظية الاجتماعية”، مثل ارتداء العمامات والترفع عن شرب الكحول، كمعايير للقيام بالتعيينات والترقيات ومنح العقود الحكومية. ونظراً لعدم وجود ملاذ للأشخاص الذين يواجهون مثل هذا التمييز الحكومي، يشعر معظم الأتراك بأن عليهم التصرف كمحافظين لكي ينجحوا [في حياتهم العملية]. وبعبارة أخرى، ليس التدين هو الآخذ في الصعود في تركيا، وإنما “المحافظية الاجتماعية”.

علاوة على ذلك، فإن المشكلة ليست في حد ذاتها “المحافظية الاجتماعية”، وإنما “المحافظية الاجتماعية” المفروضة من قبل الحكومة، تلك الفكرة، التي - بين أمور أخرى - لا تتفق مع تركيا أوروبية. وفي هذا الصدد، هناك دلائل ظاهرية تشير بأن “المحافظية الاجتماعية” تكتسب المزيد من القوة، لأن كثيراً من الأتراك يشعرون بالحاجة إلى الإندماج مع المعايير الاجتماعية الجديدة في البلاد، واسترضاء المسؤولين الحكوميين.

ثالثاً، كانت لتركيا دائماً تقاليد قوية في “المحافظية الاجتماعية”. ولكن على الرغم من أن البيروقراطيين والمعلمين في وقت سابق، لم يكونوا ليعبّرون عن التحيز تجاه الليبراليين والنساء والمسلمين العلمانيين خوفاً من الإجراءات التأديبية، تتم الآن ممارسة التمييز بصورة علنية. وبناءاً على ذلك، وبسبب قيام بيروقراطية الدولة بفرض فكرتها على المجتمع التركي فيما يتعلق [بالخاصية] التي تشكل "مسلم جيد"، فإن التعصب آخذ في الازدياد.