أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المجهر السياسي 114

الأسلحة النووية وطموحات إيران العالمية – سيناريوهات مُقلِقة

آش جين

متاح أيضاً في English

25 آب/أغسطس 2011


ملخص تنفيذي

 

تشكل دوافع إيران ذات القدرة النووية موضوعاً يثير الكثير من التكهنات. لكن استناداً إلى أنشطة الجمهورية الإسلامية على الأرض وتصريحات مسؤولي النظام أنفسهم، من الممكن إعطاء بعض التقديرات المستنيرة حول طموحات إيران الاستراتيجية.

طموحات إيران العالمية. رغم الصراع على السلطة والنفوذ، يبدو أن آية الله علي خامنئي والرئيس محمود أحمدي نجاد يشاركان وجهة نظر عالمية ضمنية تحفز منهجهما المتبع في السياسة الخارجية. وتتميز هذه النظرة العالمية بثلاثة مواضيع رئيسية وهي: (1) أن الديمقراطية الليبرالية الغربية والرأسمالية هما مفهومان فاشلان يقدر لهما الانهيار؛ و(2) أن الولايات المتحدة هي نظام غير شرعي، يقوم على النزوات الإمبريالية والمادية التي ستؤدي إلى تدهورها في النهاية؛ و(3) أن مهمة إيران هي استبدال النظام الدولي الحالي بنموذج جديد يقوم على المثل العليا للثورة الإسلامية.

أهداف إيران الإقليمية. نظراً لنفوذ إيران العالمي المحدود نسبياً، فقد تبدو تطلعاتها بعيدة النطاق خيالية أو ربما حتى وهمية. بيد أن هذه الأهداف العالمية توفر مصدر إلهام لتوقعات السلطة الإيرانية داخل منطقتها، حيث نفوذ البلاد أكثر وضوحاً. ويبدو أن الجمهورية الإسلامية تركز بصفة أساسية على ثلاثة أهداف إقليمية هي: (1) بناء دعم عربي خليجي لمصالح إيران، (2) ودعم ظهور حكومات موالية لإيران في العراق ولبنان، و(3) تحدي وجود إسرائيل.

ورغم طموحاتها الكبرى، تواجه طهران قيوداً كبيرة. فعلى نطاق عالمي، تفتقر إيران إلى القدرة الاقتصادية والعسكرية لتحدي قوة الولايات المتحدة. وداخل منطقتها، هناك عقبات هائلة تعرقل جهود إيران لمواجهة نفوذ الولايات المتحدة الأمريكية. وعلى نطاق محلي أيضاً، لا يزال النظام الإيراني يواجه اضطرابات واسعة النطاق. وعلى الرغم من ذلك، وبسبب شعورها بالجرأة من قوة جيشها وجهازها الأمني واسترشادها بإحساس "القدر المتجلي"، لا تزال إيران عاقدة العزم على تحدي القيادة الأمريكية في جميع أنحاء العالم. إن امتلاك أسلحة نووية سوف يسمح لطهران تعزيز نفوذها بطرق مجدية وذات مغزى.

السيناريوهات النووية الإيرانية

• السيناريو 1: قيام إيران بالضغط على دول الخليج للحد من الوجود العسكري الأمريكي أو إنهائه. إن استحواذ إيران على الأسلحة النووية من المرجح أن يستحث دول الخليج إلى السعي إلى اتخاذ تدابير دفاعية أكثر قوة ضد إيران، وربما الحصول على الحماية في نطاق مظلة نووية أمريكية. وبدلاً من ذلك، قد تسعى بعض الدول -- بشكل مستقل أو تحت رعاية "مجلس التعاون الخليجي" -- إلى تطوير أسلحتها النووية الرادعة الخاصة بها. ورغم أن ذلك قد يكون فعالاً في ردع العدوان الإيراني المباشر، إلا أن مثل هذه التدابير قد تكون ذات قيمة محدودة في منع إيران من المشاركة في أنواع معينة من الأنشطة غير المتوازنة أو التخريبية. فعلى سبيل المثال، يمكن لإيران المحمية بقدراتها النووية أن تسعى إلى اختلاق نزاعات بشأن استخراج احتياطيات النفط والغاز وتوجيه المساعدات إلى المتطرفين الشيعة والمشاركة في هجمات إرهابية يمكن إنكارها لأسباب معقولة.

ويمكن أن تؤدي جهود [دول] الخليج لاحتواء إيران وردعها إلى تصعيد التوترات في المنطقة وزيادة مخاطر العنف والنزاع. وبمرور الوقت، قد تحاول دولة واحدة أو أكثر من دول الخليج الحد من التوترات من خلال السعي إلى طرق لاستيعاب طهران وإرضائها -- على الأقل حول المسائل التي لا تعتبر جوهرية لأمنها. وقد تشمل وسائل الاستيعاب الحد من الوجود العسكري الأمريكي أو منعه في بلادها، كما طالبت طهران منذ فترة طويلة، مما يجعل من الصعب على الولايات المتحدة أن توفر موقفاً رادعاً قوياً ضد إيران الأكثر حزماً وذات قدرة نووية. كما قد تشعر دول الخليج بأنها مضطرة إلى تخفيض دعمها للأطراف السياسية المعتدلة الفاعلة في المنطقة أو محاكاة موقف إيران فيما يتعلق بحصص إنتاجها النفطية من "منظمة الدول المصدرة للنفط" ("أوبك").

السيناريو 2: إقامة إيران شراكة دفاعية مع العراق. منذ سقوط صدام حسين حققت جهود إيران للتأثير على التطورات السياسية في العراق نتائج متباينة. ورغم ذلك، ومن خلال الاستفادة من المزايا النفسية المعززة التي من المرجح أن تحققها من [امتلاك] قدرات نووية، قد تكثف إيران جهودها الرامية لتعزيز ميل العراق نحو مواءمة طهران. إن حكومة عراقية مستقبلية -- واقعة تحت ضغط من إيران ذات القدرة النووية -- قد تشعر بأنها مضطرة على نحو متزايد إلى إرضاء طهران ليس فقط من خلال مطالبتها بسحب كافة القوات القتالية الأمريكية المتبقية، لكن أيضاً من خلال الحد من أي دور تدريبي مستقبلي للولايات المتحدة. كما أن العراق يمكن أن تخفض أو تُلغي خطط مشتريات الأسلحة من الولايات المتحدة، مما يحد من النفوذ السياسي الأمريكي بشكل أكبر.

وعلى نحو مماثل، تستطيع العراق، في ظل ضغوط متزايدة لمواءمة إيران، أن تنحاز بشكل وثيق مع طهران حول القضايا الإقليمية والدولية. وإذا نجحت الجماعات الشيعية المتطرفة، مثل "حركة الصدر"، في الحصول على قدر أكبر من السيطرة على الحكومات العراقية المستقبلية، فقد تجد العراق نفسها تحت ضغط لبذل جهود لإقامة تعاون أكبر في مجالي الأمن والدفاع، بما في ذلك على سبيل المثال، من خلال التدريبات العسكرية المشتركة والمبادرات الأخرى. وفي مرحلة ما، قد تضطر العراق إلى اللجوء إلى إيران -- وكذلك إلى موردين مثل روسيا والصين -- لشراء الأسلحة.

السيناريو 3: مدّ إيران مظلتها النووية لتشمل «حزب الله» و «حماس». قد يسعى قادة إيران -- مدعومين بقدرة بلادهم النووية -- إلى مدّ مظلتهم النووية الضمنية إلى «حزب الله» و «حماس». ومثل هذا الإجراء قد يعني إمكانية نشوب صراع عسكري بين إسرائيل وأي من الجماعتين وتصاعده إلى صراع مباشر مع إيران، مما يرغم إسرائيل على العمل بحذر أكبر فيما يتعلق باتخاذ مبادرة لشن هجمات استباقية أو انتقامية ضد أعدائها. ومن خلال الحماية التي يوفرها سلاح الردع النووي، قد تسعى إيران أو سوريا أيضاً إلى نقل أسلحتهما -- المتطورة بشكل متزايد -- إلى «حزب الله» أو «حماس»، وقد يشمل ذلك في مرحلة ما أجهزة الانتشار الإشعاعي (أو"القنابل القذرة") أو ربما حتى الأسلحة الكيميائية. إن التأثير النهائي لوضع تكون فيه إسرائيل مقيدة بشكل أكبر هو مواصلة «حزب الله» و «حماس» تعزيز قدرة وتطور ودقة ترساناتهما العسكرية، مما يُحتمل أن يقلل من الميزة العسكرية الساحقة التي تتمتع بها إسرائيل اليوم.

وفي حين أن الردع المتبادل بين إيران وإسرائيل قد يحول دون نشوب صراع لبعض الوقت، إلا أن الإسرائيليين قد يجدون أنفسهم على نحو متزايد في موقف دفاعي ضد عدو هو على استعداد لاستهداف المدنيين بشكل مباشر ويخاطر بوقوع خسائر مدنية أكبر على جانبه أثناء سعيه لتحقيق أهدافه الأيديولوجية -- مما يؤدي إلى نتائج أكثر دموية ودماراً في المرة القادمة التي تقرر فيها إيران أو وكلاؤها إثارة صراع. إن التأثير المحتمل الآخر لاستحواذ إيران على قدرة نووية هو تعزيز الجاذبية الشعبية لقضية المقاومة في العالم العربي. إن هذا التحول قد يسمح لـ «حزب الله» تعزيز قوته السياسية بشكل أكبر في لبنان فضلاً عن حصول «حماس» على المزيد من الدعم السياسي بين الفلسطينيين.

السيناريو 4: قيام إيران وفنزويلا بتوسيع نطاق تعاونهما الاستراتيجي. تسعى إيران إلى توسيع شبكتها المتنامية من النظم المناهضة للغرب في أجزاء مختلفة من العالم، وقد رسخت مؤخراً علاقاتها مع بلدان عدة في أمريكا اللاتينية، لا سيما فنزويلا. ورغم عدم وضوح طبيعة العلاقة بين إيران وفنزويلا، إلا أن البلدين قد أقاما شراكة استراتيجية تهدف إلى معارضة "الإمبريالية" الأمريكية ويبدو أنها تتجه نحو التعاون في المجال الأمني. ورغم حرصهما على إبراز جبهة مناهضة للولايات المتحدة، إلا أن الشراكة بين إيران وفنزويلا تبدو غريبة بعض الشيء. لكن إذا بقي التزامهما بالتعاون قوياً، فإن محور إيران وفنزويلا، المدعوم بأسلحة نووية إيرانية، قد يكون له عواقب خطيرة على الولايات المتحدة.

فعلى سبيل المثال، إن وجود قدرات أسلحة نووية قد يتيح لطهران تعزيز دعمها للإرهابيين، حيث تظهر فنزويلا كملاذ آمن للجماعات الإرهابية المدعومة من قبل إيران والساعية إلى تهديد الولايات المتحدة. وبالإضافة إلى ذلك، قد تكون لدى إيران الرغبة في المخاطرة بنقل نظم أسلحة أكثر فتكاً وتطوراً إلى فنزويلا، بما في ذلك صواريخ باليستية. ومن المحتمل كذلك أن تكون إيران مستعدة في يوم ما لنقل تقنية نووية حساسة، بل وحتى أسلحة نووية إلى فنزويلا، وإن كان هذا الاحتمال الأخير غير مرجح على المدى القصير. وإذا ما أصبحت فنزويلا أكثر جرأة، وتُدعم من قبل إيران ذات قدرة نووية، فإن ذلك قد يذكي عدم الاستقرار في أمريكا اللاتينية من خلال استخدام نفوذ كاراكاس السياسي والعسكري المكتشف حديثاً من أجل توسيع "ثورتها البوليفارية" والمساعدة على تعزيز التحالف المناهض للغرب.

السيناريو 5: تسهيل إيران للهجمات الإرهابية ضد الولايات المتحدة. تظل إيران "الدولة الراعية للإرهاب الأكثر نشاطاً" في العالم، كما أن قدراتها الإرهابية -- على كل من المستوي الإقليمي والعالمي -- هائلة. ورغم ذلك، تجنبت طهران في السنوات الأخيرة شن هجمات مباشرة ضد الولايات المتحدة، باستثناء في العراق وأفغانستان، وقد يخلص القادة الإيرانيون بشكل معقول إلى أن القدرات النووية قد تحمي الجمهورية الإسلامية من الانتقام العسكري المباشر، مما يتيح لها توسيع استخدامها للإرهاب. ويقيناً، من المرجح أن تؤدي الهجمات ضد المصالح الأمريكية الرئيسية والتي يمكن نسْبَها بشكل مباشر إلى إيران إلى إثارة شكل من أشكال الانتقام ضد المصالح الإيرانية. لكن الأسلحة النووية التي تكون في حوزة الأنظمة المارقة قد عملت في السابق كرادع عسكري فعال.

إن الهجمات الإرهابية التي تستهدف المصالح الأمريكية في الداخل أو في جميع أنحاء العالم قد لا تؤدي فقط إلى إصابة وقتل أعداد غفيرة من الأمريكيين، لكنها قد تقيد أيضاً حرية عمل الولايات المتحدة. فبعد ردع واشنطن عن استخدام قوتها العسكرية لمنع استحواذ طهران على الأسلحة النووية، قد تشعر إيران بأنها مخوّلة لاستخدام الإرهاب لردع إجراءات أمريكية أخرى تعارضها. وقد يشمل ذلك، على سبيل المثال، اعتراض السفن الإيرانية المشتبه قيامها بنقل مواد غير مشروعة؛ ومنع إمدادات الوقود إلى الطائرات الإيرانية؛ والمحافظة على المساعدات العسكرية لمصر أو إسرائيل أو دول الخليج، أو الانخراط في تدخل عسكري في مكان تعتبره إيران تدخلاً مرفوضاً. وحيث يواجه المسؤولون الأمريكيون تهديدات إرهابية إيرانية حقيقية، قد يضطر هؤلاء إلى إعادة النظر في المخاطر التي ينطوي عليها اتخاذ إجراء قد يثير رد فعل إيراني.

التداعيات السياسية

في الوقت الذي تكون فيه النتائج المبينة في هذه السيناريوهات غير مؤكدة على الإطلاق، أو ربما لا تكون حتى محتملة، إلا أنها تُظهر المخاطر وحالات عدم اليقين التي تواجه الولايات المتحدة في حالة تمكن إيران من الحصول على قدرات أسلحة نووية. وفي حالة تحقق أي من تلك النتائج، فإن ذلك قد يُعقد المصالح الأمريكية بشكل كبير.

ونظراً لطموحات الجمهورية الإسلامية البعيدة المدى، فإن قدرات الأسلحة النووية -- بالإضافة إلى الأصول القائمة لقوتها الخشنة والناعمة -- قد يكون لها تداعيات عميقة:

■■ لا يبدو أن إيران تسعى إلى الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة مع أعدائها -- وما لم يواجه النظام تهديداً وشيكاً يهدد بقاءه، فمن غير المرجح أن يهاجم عدواً باستخدام أسلحة نووية. وبدلاً من ذلك، من المرجح بشكل أكبر قيام إيران باستخدام قدراتها النووية بطريقة تتسق مع نمطها السلوكي القائم منذ مدة طويلة -- وهو إضعاف معنويات أعدائها من خلال التخويف الماهر واستعراض القوة.

■■ مع تصور إيران كقوة صاعدة مهيمنة في الشرق الأوسط، فباستطاعتها استخدام قدراتها النووية لتعزيز نفوذها السياسي على أعدائها في المنطقة. ونظراً لما قد تواجهه دول الخليج المجاورة لإيران، بما في ذلك العراق، من أشكال التخويف الحاذقة، فإنها قد تشعر على نحو متزايد بأنها مضطرة إلى إرضاء إيران ومواءمة مصالحها بطرق قد تكون مضرة للولايات المتحدة.

■■ إيران ذات قدرة نووية يمكن أن تساعد على تعزيز وتوسيع جبهة المقاومة التي تقودها الجمهورية الإسلامية في جميع أنحاء الشرق الأوسط -- مما يزيد من مكانتها الشعبية ويعزز القوة والنفوذ المتزايدين اللذين حصل عليهما حلفاء إيران في دول رئيسية، بما فيها لبنان والأراضي الفلسطينية والعراق.

■■ من خلال زيادة المخاطر والتكاليف المرتبطة بالهجمات الانتقامية المحتملة، فإن قدرات الأسلحة النووية الإيرانية قد تسمح لطهران بنقل نظم أسلحة أكثر تطوراً إلى حلفائها الإرهابيين في دول المشرق العربي -- بحيث تعزز القدرات غير المتماثلة لهؤلاء الحلفاء، كما قد تعمل بمرور الوقت على تآكل الميزة العسكرية الساحقة التي تتمتع بها إسرائيل حتى الآن. وقد تكون إيران مستعدة أيضاً لنقل صواريخ باليستية وتقنية نووية حساسة إلى نظم مارقة في جميع أنحاء العالم -- وخصوصاً في أمريكا اللاتينية -- التي تشاركها في وجهة النظر المناهضة للولايات المتحدة والمعادية للإمبريالية.

■■ إيران جاهزة نووياً قد تُحد من حرية عمل الولايات المتحدة بوسائل مجدية. فبمجرد تجاوز إيران للعتبة النووية، فعندئذ ستكون قد اكتسبت أداة تأثير قوية قد تعيق وبشكل دائم بعض الخيارات ا