أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المرصد السياسي 1989

نتنياهو يدعو إلى إجراء انتخابات جديدة

ديفيد ماكوفسكي

متاح أيضاً في English

11 تشرين الأول/أكتوبر 2012


"يُعد غياب منافس واضح واحداً من العديد من الأسباب التي دعت نتنياهو الواثق من نفسه إلى الدعوة لإجراء انتخابات مبكرة."

 

استشهاداً بعدم قدرته على تمرير ما يطلق عليه بـ "ميزانية مسؤولة" في الكنيست، أعلن رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو الثلاثاء عن دعوته لعقد انتخابات مبكرة. ولم يكن من المقرر أن يذهب الناخبين إلى صناديق الاقتراع قبل شهر تشرين الأول/أكتوبر المقبل، ولكن نتنياهو حث على إجراء الانتخابات في أقرب وقت ممكن. ويوم الخميس أعلن مكتب رئيس الوزراء أن الانتخابات ستُجرى في 22 كانون الثاني/يناير.

الأساس المنطقي لإجراء انتخابات مبكرة

جاء إعلان نتنياهو من المنطلق الأكثر مباشرة نتيجة عجزه عن ضمان دعم شركائه المتشددين في الائتلاف حزبا "شاس" و"يهَدوت هتورا"، لميزانية تتضمن تخفيضاً للنفقات بنحو 4 مليار دولار. فمعدلات المواليد بين أعضاء هذه الأحزاب هي الأعلى في إسرائيل ومن ثم فهم يرفضون جوهر التخفيضات المقترحة - المتمثل في إجراء تخفيضات كبيرة في مخصصات الأطفال.

وبمعنى أوسع، غالباً ما تتعثر الحكومات الإسرائيلية بشأن المسائل المالية. فالإخفاق في الموافقة على الميزانية عادة ما يمكِّن الأحزاب الصغيرة من تعزيز وضعها بشكل جيد أمام الناخبين في الفترة التي تسبق عام الانتخابات. وبموجب القانون الإسرائيلي، يجب على الحكومة أن تتنحى إذا لم تتمكن من الاتفاق على الميزانية خلال ثلاثة أشهر من السنة التقويمية الجديدة، وإذا استمر الجمود، سيكون الأمر مسألة وقت فقط قبل الدعوة لإجراء انتخابات مبكرة.

ومع ذلك، من المفيد لنتنياهو أن يقول إن القرار قد فُرض عليه، حيث ينظر الإسرائيليون إلى الانتخابات المبكرة بشيء من التوجس. وعلى وجه الخصوص، عندما يُقبِل رئيس وزراء حالي يحظى بتصنيفات عالية في استطلاعات الرأي على مثل هذه الخطوة، يعتبر الناخبون أن ذلك يرجع إلى حسابات ماكرة وقد يصل بهم الأمر إلى السعي لإسقاطه.

والواقع أن نتنياهو يرى الانتخابات المبكرة بمثابة ميزة سياسية. فلو كانت الميزانية هي المشكلة الوحيدة الحالية، فربما كان بوسعه تقديم تنازلات، مثلما فعل عندما [قررت حكومته] زيادة الضرائب خلال العام الماضي. والائتلاف الحالي هو إحدى الإئتلافات الأقل انقساماً في تاريخ إسرائيل، حيث لم تكن لدى المعارضة - بمفردها - أي فرصة لاسقاط الحكومة. وإذا كانت سهولة الموافقة على الميزانيات تعد مؤشراً موثوقاً على إذعان الائتلاف، فقد كان نتنياهو أول زعيم إسرائيلي على الإطلاق ينجح في تمرير ميزانية لمدة عامين.

وبعيداً عن المشاكل المالية، يسعى نتنياهو إلى إجراء انتخابات مبكرة للعديد من الأسباب. أولاً، تضاءل كثيراً الخوف من أن تقوم إسرائيل بشكل أحادي بمهاجمة إيران قبل تشرين الثاني/نوفمبر. ويبدو أن حليف نتنياهو الرئيسي، وزير الدفاع ايهود باراك، بدأ يفكر ثانية في هذا الموضوع، معتقداً أن القيام بهجوم قد يكون مكلفاً لإسرائيل من الناحية السياسية في حال القيام به بصورة متحدية لموقف واشنطن عشية الانتخابات الأمريكية. ويشير خطاب نتنياهو مؤخراً أمام الأمم المتحدة إلى أن المسألة قد أرجئت لمدة ستة إلى تسعة أشهر أخرى. وإذا كان احتمال توجيه ضربة قبل تشرين الثاني/نوفمبر هو ما أبعد الانتخابات المبكرة، فبإمكان رئيس الوزراء الإسرائيلي الآن السعي إلى وضع أجندة لموسم الحملة الانتخابية القادم، مع إبراز مركزية المسألة الإيرانية في حين تركز بعض الأحزاب الأخرى على القضايا الاجتماعية والاقتصادية.

ثانياً، يبدو أن نتنياهو يؤمن بأن الوقت قد لا يكون في صالحه، ومن الأفضل أن يؤمِّن وضعه الانتخابي القوي مبكراً بدلاً من المخاطرة لاحقاً. وبالنظر إلى احتمالية انزلاق أوروبا - الشريك التجاري الأكبر لإسرائيل - نحو كساد اقتصادي خلال العام المقبل، فسوف يبدأ الاقتصاد الإسرائيلي أيضاً في مواجهة بعض الصعوبات. ومن ثم، فإن إجراء الانتخابات في أواخر 2013 لن يكون في مصلحة نتنياهو. وعلاوة على ذلك، لا تزال التداعيات المحتملة للانتخابات الأمريكية غير مؤكدة. ويخشى مستشارو نتنياهو أن يكون أوباما خلال فترته الثانية أكثر مواجهة معه - وهي مخاطرة سياسية نظراً لأن الإسرائيليين يتوقعون من قادتهم إيجاد التوازن المناسب في التعامل مع واشنطن، مع تجنب الرضوخ الكامل أو التحدي الكامل وإدارة العلاقات بطريقة مثمرة وبناءة. وتعظِّم الانتخابات المبكرة من فرص نتنياهو في تحقيق مكاسب على الأرض في صناديق الاقتراع مع الحد من احتمالات ظهور مشاكل سياسية مع الولايات المتحدة.

ثالثاً، من الواضح أن فكرة إجراء انتخابات مبكرة تروق لنتنياهو لأنها تجعل من الصعب على منافسيه التنظيم. بيد أن الخريطة السياسية تبدو مختلفة اليوم عما كانت عليه عندما خاض الانتخابات السابقة في أوائل 2009. فحينها كان حزب "كاديما" المنافس هو الحاكم وكان قد فاز على حزب "الليكود" بفارق 28 مقابل 27 مقعداً في الكنيست المكون من 120 مقعداً، إلا انه لم يتمكن من جمع الواحد وستين مقعداً المطلوبة للحكم إلا بعد جهود مكثفة لبناء تحالف. بيد أن حزب "كاديما" منقسم اليوم، ولذلك يعتبر نتنياهو هو المفضَّل بشكل كبير. ووفقاً لاستطلاع للرأي أجرته صحيفة "هآرتس"، إذا أجريت الانتخابات اليوم سيحافظ ائتلاف نتنياهو الحالي على ريادته البرلمانية الواسعة بهامش 68-52.

ويمكن أن يعزى تراجع حزب "كاديما" إلى صعوبة الحفاظ على وحدة الحزب: فالمعارضة لا تمتلك أي حقائب وزارية لتخصيصها من أجل ضمان دعم الحزب، بل تفتقر إلى قيادة مؤثرة ومقنعة؛ كما أن قضيتها الرئيسية - وهي عملية السلام الفلسطينية - قد أصبحت مهمشة بشكل متزايد. ويحصل حزب "كاديما" الآن على أرقام هزيلة في استطلاعات الرأي، كما أن شخصياته الرئيسية وأنصاره أصبحوا مشتتين. وقد دعا زعيمه الحالي - رئيس أركان الجيش السابق شاؤول موفاز - إلى مدّ فترة التجنيد الإلزامي ليشمل اليهود المتشددين ["الطائفة الحريدية"]، وهي مسألة أدت إلى تفتيت ائتلاف قصير الأجل مع نتنياهو - مكوّن من 94 عضو - هذا الصيف. كما أن زعيمته السابقة، وزيرة الخارجية السابقة تسيبي ليفني، قد تشكل حزباً جديداً يكرس جل اهتمامه على إحياء عملية السلام. بالإضافة إلى ذلك أعلنت شخصية رئيسية أخرى - كاتب العمود يائير لابيد - عن تشكيل حزب جديد يركز على التعليم والطبقة الوسطى.

وفي غضون ذلك، يبدو أن بعض ناخبي "كاديما" قد انتقلوا إلى "حزب العمل"، الذي تركز رئيسته - المضيفة الحوارية شيلي يحيموفيتش - على المساواة في الدخل وارتفاع التكاليف التي تحدق بالعزاب والفرديين والأسر الشابة من الإسرائيليين. وقد بدأ الدعم الذي يحصل عليه الحزب في التزايد عقب الحركة الاحتجاجية الاجتماعية التي شهدها صيف عام 2011 التي أخرجت مئات الآلاف من الإسرائيليين إلى الشوارع.

ويرى النقاد أن الشخصية الوحيدة في إسرائيل القادرة على حشد معارضة موحدة وقوية لنتنياهو هو سابقه، إيهود أولمرت، الذي يفكر في العودة إلى العمل السياسي. ويبدو أن نتنياهو يؤمن بأن الانتخابات المبكرة تضعف بقوة من احتمالات تلك العودة. ورغم تبرئة ساحة أولمرت في اتهامين بالفساد هذا الصيف، إلا أنه أُدين في التهمة الأقل حدة وهي "خيانة الأمانة"، وهناك تهمة أخرى من المتوقع أن يصدر حكم بشأنها خلال الأشهر المقبلة. وبغض النظر عن النتيجة فقد أعلنت يحيموفيتش بالفعل أن حزب العمل لن يندمج تحت قيادة أولمرت.

المستجدات المتوقعة

مع اقتراب الموسم السياسي الإسرائيلي الجديد هناك عدد من التطورات التي يجدر تتبعها:

أولاً، إلى أي مدى سيشير نتنياهو إلى رغبته في تشكيل حكومة ذات قاعدة أوسع من الحكومة الحالية التي تضم الأحزاب المتشددة والمهاجرين الروس؟ إن مثل هذا التحالف يجب أن يتضمن عدداً كبيراً من معارضيه من أجل التعامل مع التحديات الكثيرة التي تواجهها إسرائيل في الشرق الأوسط الثائر. هل سيخبر دوائر حزب "الليكود" بأنه يريد تفويضاً لتشكيل حكومة ذات قاعدة عريضة؟

ثانياً، أي نوع من قائمة برلمانية سيتم تشكيلها عقب انتخابات "الليكود" الأولية؟ فغالباً ما يستشهد نتنياهو بخطابه من عام 2009 الذي دعا فيه إلى حل يقوم على دولتين مع الفلسطينيين، لكن من غير المؤكد كم هم عدد المرشحين من حزب "الليكود" الذين يؤيدون هذه الرؤية ويفوزون في انتخابات الحزب الأولية ليتم ضمهم في القائمة الانتخابية - إذ تشير بعض التقارير إلى أن المعتدلين السياسيين يمكن تنحيتهم أثناء الانتخابات الأولية.

ثالثاً، هل سيكتسب "حزب الاستقلال" بقيادة باراك قوة دافعة، أم هل سيتبخر سياسياً كما يتوقع البعض؟ إن باراك هو المهندس الرئيسي وراء مفهوم مهاجمة إيران، ورغم أنه لم يعد زعيماً لـ "حزب العمل"، إلا أنه يؤمن بأن القاعدة السياسية المتقلصة سوف تمنحه بعض القوة لشغل حقيبة الدفاع بعد الانتخابات المبكرة. وبدون ذلك، سوف يواجه نتنياهو صعوبة أكبر في إعادة تعيينه في منصبه الحالي.

رابعاً، هل سيحدث انقسام في حزب "شاس" المتشدد - الذي يشكل قاعدة نتنياهو الرئيسية منذ منتصف التسعينيات؟ إن مثل هذا التطور يقوم على فكرة أنه من الخطأ لحركة متشددة أن تضع كل البيض في نفس سلة حكومة نتنياهو الحالية.

خامساً، كيف سيتم تحديد الأجندة للانتخابات القادمة؟ إذا أصبحت إيران القضية الأساسية، ستكون أمام نتنياهو فرصة أفضل لتحقيق فوز ساحق، لكن إذا ظهرت القضايا الاجتماعية والاقتصادية في المقدمة، فإنها سوف تُضر به. ومن غير الواضح ما إذا كانت المشكلة التي كثيراً ما تُغفل والمتعلقة بالاضطرابات الإقليمية سوف تؤثر على نتائج الانتخابات. ويرجح أن نتنياهو يرى الصعود الأخير للإسلاميين في دول عديدة كمؤشر على أن تشككه العميق في التزام العرب بالسلام له ما يبرره، وأنه يجب على إسرائيل توخي الحذر. وبالإضافة إلى ذلك، ربما سيستشهد بهذه التطورات الإقليمية في محاولة لإضفاء الطابع الشخصي على الانتخابات، بقوله أنه لا يوجد بديل عن الخبرة في التحرك والتنقل في المياه الضحلة الصعبة في الشرق الأوسط. بيد أن معارضيه سوف يدعون أن إسرائيل فقدت زمام المبادرة في القضية الفلسطينية تحت قيادته، وأن الوضع الإقليمي للبلاد سوف يشهد مزيداً من التدهور في حالة إعادة انتخابه.

وأخيراً، كيف ستؤثر نتيجة الانتخابات الأمريكية على عملية الاقتراع الإسرائيلية؟ يرجح أن نتنياهو يرى أن انتصار المرشح الجمهوري ميت رومني سيكون بمثابة هدية لإعادة كسب أصوات ناخبي "الليكود" الذين يدعمون الآن حزب "كاديما" - ومثل هذا التطور سيخفف من حدة الاتهام الموجه إليه بأنه المسؤول عن تردي العلاقات مع واشنطن، مما يجعل من السهل عودة هؤلاء الناخبين. وفي المقابل، يمكن أن يؤدي فوز أوباما إلى نتائج مختلطة، حيث سيدفع بعض الناخبين إلى تجنب نتنياهو للحيلولة دون وقوع أي احتكاك بينما سيدفع آخرين إلى الاعتماد على احتمالية أن يستجيب رئيس الوزراء الإسرائيلي بطريقة مماثلة إذا اختارت واشنطن مساراً أكثر مواجهة.

 

ديفيد ماكوفسكي هو زميل زيغلر المميز ومدير مشروع عملية السلام في الشرق الأوسط في معهد واشنطن.