أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

صفحات رأي ومقالات

مفاوضات وسط تجميد الاستيطان

متاح أيضاً في English

فورين بوليسي.كوم

12 تشرين الأول/أكتوبر 2010


يشكل التمييز بين المواقف والمصالح أمراً جوهرياً في فنون التفاوض، حيث يمكن لأطراف ذات مصالح متباينة أن تتوحد وراء مواقف مشتركة، مثل معارضة مناصري حماية البيئة والاتحادات التجارية لـ "اتفاقية التجارة الحرة (نافتا)" [بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك] في التسعينات من القرن الماضي. وكما في كثير من الأحيان، تفشل أطراف ذات مواقف متعارضة في إدراك مصالحها المشتركة مثل والدين مطلقين يعميهما الحقد والكراهية حول ما هو أفضل لأبنائهما.

إن إهمال هذا التمييز الحيوي هو الذي جعل الولايات المتحدة تجاهد الآن من أجل إنقاذ محادثات السلام في الشرق الأوسط التي يهددها النزاع المنبعث من جديد حول النشاط الاستيطاني الإسرائيلي. وفي البداية، رأت إدارة أوباما قضية المستوطنات كـ "ثمرة قريبة المنال" -- حيث كان الفلسطينيون والدول العربية والرأي العام الدولي وبصراحة حتى الكثير من الإسرائيليين، ضد النشاط الاستيطاني، في حين أيدته قلة ظاهرية في اليمين الإسرائيلي. وهكذا، رأى البيت الأبيض أن الإصرار على تجميد الاستيطان هو وسيلة لاستعادة الثقة في نزاهة الولايات المتحدة، في الوقت الذي يتم فيه تحريك عملية السلام. وكما هو معروف الآن جيداً، فقد حدث عكس ذلك بالضبط -- حيث توترت العلاقات الأمريكية مع جميع الأطراف، ولا تزال عملية السلام تنتظر التقدم في رحلتها.

ولفهم الخطأ الذي حدث، يجب على المرء أن ينظر بعيداً عن مواقف الإسرائيليين والفلسطينيين بشأن المستوطنات، ويفهم كيف يحدد كل منهما مصالحه.

في خطاب ألقاه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في 14 حزيران/يونيو 2009، أظهر فطنة في معارضته لتجميد الاستيطان. ففي ملاحظاته أكد نتنياهو أن "الحقيقة الواضحة هي أن جذور الصراع كانت -- وما تزال -- تتمثل في رفض الاعتراف بحق الشعب اليهودي بدولة خاصة به في وطنه التاريخي". وحسب رؤيته، بدأت الجهود العربية للقضاء على إسرائيل في عام 1947 مع اقتراح الأمم المتحدة تقسيم فلسطين إلى دولتين واحدة يهودية والأخرى عربية، ومنذ ذلك الحين لم تنحسر تلك الجهود في الحقيقة رغم معاهدات السلام التي وقعتها إسرائيل مع مصر والأردن. وكون تلك الجهود قد بدأت قبل أن تسيطر إسرائيل على الضفة الغربية وقطاع غزة في عام 1967 وأن إطلاق الصواريخ من جنوب لبنان وغزة قد استمر بعد انسحاب القوات الإسرائيلية منهما، هي أدلة لنتنياهو وللكثير من الإسرائيليين بأن وجود القوات الإسرائيلية في الضفة الغربية ليس سبب العداء نحوهم.

إن هذه هي المصلحة -- المتمثلة بالدفاع عن الوجود المستمر للدولة اليهودية التي كانت عرضة للهجوم منذ إنشائها -- تؤدي ليس فقط إلى إصرار نتنياهو على أن يعترف الفلسطينيون صراحة بإسرائيل كدولة يهودية، ولكن أيضاً إلى رفضه تجميد الاستيطان. وإذا لم يستجب الفلسطينيون والعرب إلى [مطلبه] الأول حول الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية، سيعتبر نتنياهو وحلفاؤه [مطلبه] الثاني حول رفض تجميد الاستيطان بأنه عديم الجدوى في أحسن الأحوال، وعوناً خطراً لأولئك الذين يبغون نزع الشرعية عن إسرائيل على أسوأ تقدير. وفي حين لا يشارك العديد من الإسرائيليين موقف نتنياهو حول المستوطنات إلا أنهم يشاطرون مصلحته في الدفاع عن شرعية إسرائيل، وبالتالي كان رد فعلهم سلبياً إزاء ما يرونه كنهج قاس تتبناه واشنطن.

إن الرؤية الفلسطينية مختلفة تماماً. فبالنسبة للفلسطينيين شكلت أحداث عام 1948 كارثة أدت إلى تركهم مشتتين ومهجَّرين. ففي الدول التي استقبلتهم كانوا -- مع استثناءات قليلة -- لاجئين أو عمالاً ضيوف تمتعوا بالقليل من الحقوق والاحترام رغم الضريبة الكلامية التي قُدمت للقضية الفلسطينية. ولسنواتٍ، لم يكن للفلسطينيين أنفسهم صوت يذكر في تلك القضية، وكان هناك القليل من الدعم بين القادة في المنطقة أو خارجها تجاه [إنشاء] الدولة المستقلة المتوخاة في عام 1947.

وبالنسبة للفلسطينيين تحفز هاتين المصلحتين التوأمين -- العدالة للاجئين الذين بقوا مواطنين في المنطقة من الدرجة الثانية لفترة دامت ستين عاماً، وضمان توفر مقومات البقاء في الدولة الفلسطينية الناشئة -- قيام معارضة عميقة للنشاط الاستيطاني الإسرائيلي المستمر. وفي رأيهم، من غير المنطقي الدخول في مفاوضات هدفها تلبية تلك المصالح، والانصياع في الوقت نفسه إلى النشاط الذي يقوضها.

وفي يوم الاثنين الماضي، عرض نتنياهو تمديد تجميد الاستيطان الإسرائيلي إذا اعترف الفلسطينيون بإسرائيل كدولة يهودية، ولكن الفلسطينيين رفضوا ذلك على الفور. ونظراً للمصالح المذكورة أعلاه، يمكن للمرء أن يرى سبب قيام إسرائيل بتقديم هذا العرض، وسبب رفض الفلسطينيين له. إن إسرائيل مستعدة لتغيير موقفها حول تجميد الاستيطان إذا تم تحقيق مصالحها، لكن الفلسطينيين، بالمثل، يتمنون أيضاً رؤية تحقيق مصالحهم وليس مجرد قبول تنازلاتهم حول موقفهم إزاء تجميد الاستيطان. ولهذا السبب أصر الفلسطينيون من جانبهم على قيام إسرائيل والولايات المتحدة بالإعلان أن أساس المفاوضات حول حدود الدولة الفلسطينية ستكون "خطوط 1967" من أجل ضمان إمكانية إنشاء دولة فلسطينية تتوفر فيها مقومات البقاء.

وهكذا فإن المعركة على تجميد الاستيطان هي في الحقيقة نزاع بالوكالة على المصالح المتنافسة لكل طرف. ولكن بما أنه لن يتم تحقيق تلك المصالح إلا عن طريق المفاوضات وليس بتنازل الطرف الآخر عنها قبل [بدء] المحادثات، لا يمكن التوصل إلى حل توافقي مستدام ما دام التجميد باقياً كقضية. ولهذا السبب فإن تمديد التجميد بصورة مؤقتة -- وهو ما تسعى إليه الولايات المتحدة حسب ما أفادت التقارير -- يمكن فقط أن يؤجل الأزمة ليوم آخر، إذا حدث ذلك. وسيتطلب المضي قدماً اعتراف إدارة أوباما بأنها كانت مخطئة بتركيزها المبكر على المستوطنات، [وأن ذلك كان مطلوباً] من أجل إبعاد اللوم والغضب اللذين -- خلاف ذلك -- قد يتم توجيههما إلى نتنياهو ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس بسبب تغيير موقفيهما.

والخبر السار هنا هو أنه في الوقت الذي يبدو أنه لا يمكن التوفيق بين الموقفين الإسرائيلي والفلسطيني إزاء تجميد الاستيطان إلا أن المصالح الكامنة وراء موقفيهما هي ليست في وضع مشابه. وفي الواقع، تشير بيانات استطلاعات الرأي والأدلة الشاهدة [من الأحداث السابقة] بأن الشعبين على كلا الجانبين على استعداد للتوصل إلى حل الدولتين. وما هو أكثر من ذلك أن هناك مصالح أخرى للطرفين -- مثل الرغبة في السلام والهدوء لشعبيهما، وتنحية المتطرفين الذين ترعاهم إيران -- التي تعزز الحافز لكليهما لإيجاد أرضية مشتركة. وهنا بالذات يجب أن تلعب الوساطة الأمريكية دوراً لمساعدة الطرفين على النظر بعيداً عن مواقفهما المتعارضة وإدراك مصالحهما المشتركة.

مايكل سينغ هو زميل زائر في معهد واشنطن، ومدير أقدم سابق لشؤون الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي الأمريكي.