أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المرصد السياسي 1532

الانتخابات المغربية ... من غير المرجح أن تعكر صفو الوضع الراهن

متاح أيضاً في English

11 يونيو 2009


بالرغم من أن أنظار العالم كانت تركز على الأوضاع السياسية المثيرة في لبنان وإيران، سوف تجري في المغرب هذا الأسبوع أول انتخابات بلدية منذ عام 2003. ومن المتوقع أن تكون نسبة المشاركة أكبر من مثيلتها في الانتخابات التشريعية عام 2007، وإذا ما حدث هذا على أرض الواقع، فسوف يعزى ذلك إلى وجود المحسوبية أكثر من كونه تطور في البيئة الديمقراطية. وفي حين سيسعى أكبر عدد من النساء للفوز بمقاعد بلدية، تكمن "القصة" الحقيقية لهذه الانتخابات، على الأرجح، في استمرار الاتجاهات المعتادة في السياسة المغربية – وهو أمر مثير للدهشة حتى بالنسبة للإسلاميين المتورطين في الفضائح، الذين انضموا حالياً إلى أحزاب أخرى سعياً منهم وراء "سياسة كالمعتاد".

الانتخابات

يتنافس أكثر من ثلاثين حزباً على27795 مقعداً في 1503 بلدية. وقد شهدت الانتخابات البلدية عام 2003 فوز حزب الاستقلال - الذي يعود تشكيله إلى فترة الاستقلال - بمعظم المقاعد، فيما جاء حزب العدالة والتنمية الإسلامي في المرتبة الثالثة. وسوف لن تغير الانتخابات القادمة بصورة جوهرية في الاتجاه العام الذي تتخذه السياسة المغربية، لا سيما وأن تحالفات ما بعد الانتخابات هي التي تقرر، غالباً، من يحصل على الأصوات. ومع ذلك، سوف توفر الفرصة لحدوث تغيير وزاري في المستقبل القريب.

ومن المرجح أن تزيد نسبة المشاركة في هذه الانتخابات عن 37 بالمائة، وهي النسبة التي تمخضت عنها الانتخابات التشريعية لعام 2007. وخلافاً للانتخابات السابقة، فإن الغالبية العظمى من المواطنين اليوم، وخصوصاً في المناطق الريفية، سوف يدلون بأصواتهم لصالح مرشحين يعرفونهم شخصياً. ولم تتضح بعد أمكانية اقتراب نسبة المشاركة في هذه الانتخابات من النسبة التي كانت في عام 2003 والتي بلغت 54 بالمائة.

ويبدو أن الهدف الذي يسعى إليه كل من الملك و "المخزن" -- وهي تلك المجموعة التي تتمتع بالنفوذ الاقتصادي والسياسي وتحيط بسلطة القصر – يتمثل في شقين: أولهما؛ تجنب الحرج الذي حدث جراء لا مبالاة المصوّتين في انتخابات عام 2007، وثانيهما؛ الحد من تقدم الإسلاميين في البلاد.

الأحزاب والمشاركة

على الرغم من احتمال وجود نسبة مشاركة أكبر في هذه الانتخابات عن سابقاتها، إلا أنه لا تزال هناك حالة سائدة من الإحباط [الشعبي] تجاه السياسة. وعلى وجه العموم، تعاني معظم الأحزاب من الفساد فضلاً عن كونها لا تطبّق إلا مقداراً ضئيلاً من الديمقراطية في داخلها، وأن برامجها غير واضحة المعالم بل وحتى عاجزة عن شرح كيفية تحقيق وعود الإصلاح والتطوير. كذلك، من النادر اقتراح المشاريع التي من شأنها أن تثير الخلافات، وحتى فكرة "الاتحاد الاشتراكي للقوى الشعبية" الخاصة بإصلاح الدستور المغربي لا تعيد ترتيب ميزان القوى التقليدي.

إن إحدى الدلائل الواضحة عن [المحاباة] والمحسوبية هي وجود ظاهرة الترحال السياسي – حيث ينتقل المرشحون من حزب إلى آخر بغض النظر عن الميول الأيديولوجية المزعومة. ففي المناطق الريفية، على وجه التحديد، لا تُعرف الانتخابات بالمرشح الذي يحقق فيها فوزاً ملحوظاً، بل بالحزب الذي يمثله ذلك المرشح الفائز. وكنتيجة لذلك، تنتشر الانتقادات تجاه السياسيين المحليين على نطاق واسع، كما تمثلت في افتتاحية "لا نوفيل ترييون" التي رثت أولئك "الطامعين في [الوصول إلى] السلطة و [الحصول على] الاعتراف عن طريق الاقتراع العام".

وخشية تكرار ما حدث عام 2007، قامت الدولة بتطبيق عدد من الأساليب التي من شأنها زيادة نسبة المشاركة بين المصوّتين، أو على الأقل جعل الصورة تبدو كذلك ظاهرياً. ويعتبر أحد أكثر تلك الأساليب وضوحاً هو شطب 1.4 مليون مصوّت من قائمة المؤهّلين للتصويت – ويقلل هذا الرقم عدد المصوتين بنسبة 11 بالمائة عما كان في انتخابات عام 2007 – على أمل الإيحاء بوجود نسبة مشاركة تصويتية أعلى. وقد اقترن ذلك بإحدى مبادرات وزارة الداخلية لتوفير الدعم المالي اللازم لتغطية نفقات الحملات الانتخابية التي تقوم بها الأحزاب.

هل هي حياة ديمقراطية جديدة؟

من بين المخططات الأخرى التي قامت بها سلطة القصر والتي من شأنها رفع نسبة المشاركة الانتخابية وإعادة بث الروح إلى الحياة السياسية هو ظهور حزب الأصالة والمعاصرة برئاسة نائب وزير الداخلية السابق فؤاد عالي الهمة. وقد قام الهمّة - وهو أحد أصدقاء الملك المقرّبين - بتأسيس هذا الحزب في آب/أغسطس عام 2008، بعد الحصول على موافقة ملكية دون شك. ويتسم تاريخ حزب الأصالة والمعاصرة بالغموض، لكن ظهوره بعد انتخابات عام 2007 يوحي بأنه يهدف إلى الحث على المشاركة السياسية ويكون بمثابة حصن إضافي أمام حزب العدالة والتنمية.

وقد انسحب حزب الأصالة والمعاصرة مؤخراً من الإئتلاف الحاكم بعد خلاف بشأن تنفيذ قانون جديد يهدف إلى الحد من ظاهرة الترحال السياسي، التي يعد حزب الأصالة والمعاصرة أحد أمثلتها الصارخة. وعلى الرغم من عدم توقيع عقوبات على الحزب، فمع ذلك أعلن أنه "يضم نفسه إلى جبهة المعارضة". وبالرغم من احتجاجاته، قد يكون هذا الخلاف متعمداً، وتم الإيعاز به من قبل النظام الملكي لكي يتيح للهمّة [جواً مواتياً] يستطيع فيه إظهار مصداقيته فيما يتعلق بالديمقراطية. وفي الوقت ذاته، ومن خلال إثارة قضية الترحال السياسي، تشير سلطة القصر بأنها على استعداد لتقييد الطموح السياسي للهمّة.

يزعم حزب الأصالة والمعاصرة، كما ورد نصاً على لسان الأمين العام السابق للحزب، بأنه يسعى لخلق "مغرب ديمقراطي يضرب بجذوره [بعيداً في أعماق] المعاصرة". ومع ذلك يبدو أن أهدافه السياسية ليست أكثر إثارة للجدل من مثيلاتها في بعض الأحزاب الأخرى، حيث يمتنع الحزب عن توجيه النقد لكل من الملك وموقف الحكومة من الصحراء الغربية ودور الإسلام في المغرب. علاوة على ذلك، تضم قاعدة أعضاء الحزب العديد من العناصر التقليدية في الحياة السياسية في المغرب. وخلاصة القول، لم يضف حزب الأصالة والمعاصرة الكثير إلى [الساحة السياسية]، الذي يمكن اعتباره جديداً.

الإسلاميون يتعرفون على الوضع الراهن

تشير هذه الانتخابات بأن كل شئ كالمعتاد في المغرب، بما في ذلك [المواضيع] المتعلقة بحزب العدالة والتنمية الذي يقترب من خوض غمار تلك الانتخابات وهو لا يختلف كثيراً عن أي من الأحزاب الكبيرة الأخرى. في عام 2003، تم تأجيل الانتخابات البلدية خشية فوز الإسلاميين بأغلبية ساحقة، وكان يُنظر لحزب العدالة والتنمية على أنه قوة هائلة وغير معروفة لكنه لم يكن فعالاً بصورة كبيرة لكي يتجنب حملة أمنية ضده. لكن أسطورة قوته الانتخابية ما لبثت أن تلاشت في أعقاب عدم نجاح الحزب [بصورة مرضية] خلال الانتخابات التشريعية عام 2007. [وعلاوة على ذلك]، تورط الحزب، كجميع الأحزاب الأخرى، في فضيحة فساد. ففي بداية هذا العام، اتهم أبو بكر بلكورة، الرئيس السابق لبلدية مكناس الملكية، بـ "سوء إدارة الاعتمادات المالية البلدية" ومن ثم عُزل عن منصبه وهو تطور رافقه الكثير من التوتر الداخلي في صفوف حزب العدالة والتنمية.

وقد أدى توقيت هذه القضية إلى افتراض الكثيرين بأن ثمة تكتيكات ملكيّة قيد التنفيذ. وقد كان عزل بلكورة إحدى الوسائل التي من شأنها إضعاف شعبية حزب العدالة والتنمية وإقناع الشخصيات البارزة بالعدول عن مؤازرة الحزب. وفي عام 2003، استخدم مخطط سياسي مماثل حين تم اعتماد نظام التمثيل النسبي في مناطق كبيرة لتقويض دعم الإسلاميين في الانتخابات.

توقعات الانتخابات

منذ ظهور نظام التعدد الحزبي في المغرب، كانت رغبة القصر تتمثل في وجود نوع من التجزئة السياسية لكي يستطيع الملك الاحتفاظ بالسيطرة على مجريات السياسة الوطنية. ومن المرجح أن تسير هذه الانتخابات على هذا المسار، على الرغم من أنه لا يمكن التنبؤ [حالياً] بما يمكن أن تتمخض عنه من نتائج بشكل دقيق. ففي المجالس البلدية، لا تعتبر هذه التجزئة السياسية نتيجة للاستراتيجية التي يتبناها القصر فحسب، وإنما بسبب الحاجة أيضاً إلى وجود شبكات مكثفة لتغطية المناطق الريفية والتي لا تتوفر لدى معظم الأحزاب.

سوف تتم مراقبة هذه الانتخابات عن كثب للوقوف على كيفية أداء حزبي الأصالة والمعاصرة والعدالة والتنمية. ومن المتوقع أن يظهر أداء حزب الأصالة والمعاصرة بشكل جيد نسبياً بعد تعافيه من هزيمته الثانوية في الانتخابات الفرعية لعام 2008 وترشيحه، بشكل مثير، أكبر عدد من النواب مقارنة بحزب الاستقلال. إن التوقعات [حول النتائج التي قد يحصل عليها] حزب العدالة والتنمية ليست عالية بصفة خاصة؛ فقد عانى الحزب من فضائح الفساد والمكائد الانتخابية فضلاً عن اهتزاز صورته كثيراً بسبب فشله في عام 2007. وعلاوة على ذلك، أمرت حليفته السابقة، حركة العدل والإحسان الغير قانونية، لأتباعها بمقاطعة الانتخابات. وفي الوقت ذاته، فإن محاولات حزب العدالة والتنمية خلع عباءة التطرف، جعلته يظهر في صورة اعتدالية مفرطة في أعين الناخبين المتطرفين. ومع ذلك، فمن المرجح أن يحقق الحزب نتائج طيبة [من خلال قاعدته] في المناطق الحضرية مدعوماً بوجود نظام انضباط داخلي وحملة انتخابية قوية.

دور المرأة

يعد دور المرأة المتزايد أحد التغيرات الهامة [في هذه الانتخابات]. فقد تم وضع نسبة تمثيل ثابتة للنساء بلغت 12 بالمائة من عدد المرشحين في قوائم الانتخابات، تماشياً مع الاستراتيجية الملكية التي تهتم بتعزيز حقوق المرأة. وعلى الرغم من وجود بعض الملاحظات من قبل المراقبين حول وجود صعوبة في إيجاد الكوادر النسائية المؤهلة للترشيح، إلا أنه لم يكن ثمة جدل كبير بشأن هذا القرار. وقد يؤدي هذا أيضاً إلى إعادة إحياء الحياة السياسية المغربية في المستقبل من خلال دخول بعض الوجوه الجديدة (على الرغم من أن بعض المرشحين لا يزالون يرتبطون بالأحزاب التقليدية والأُسر). ولم يتضح بعد التأثير النهائي لهذا القرار، بسبب ندرة وجود الديمقراطية داخل الأحزاب. وكما علق أحد الصحفيين المشككين، " يمكن أن يكون هذا [القرار] بمثابة الترامبولين لإدماج المرأة في الحياة السياسية. . . ما دام الآخرون لا يقررون خلاف ذلك".

النتائج

لن يتأثر استقرار المغرب بما ستتمخض عنه هذه الانتخابات من نتائج. وبالرغم من أن الأداء الاقتصادي للمغرب كان جيداً، إلا أن البلاد تعاني من اقتصاد موسمي في ظل تزايد عدد الشباب. كما أن المغرب معرضة أيضاً لحالات الجفاف الدورية، مما يؤثر على قطاع الزراعة الذي يغذي 40 بالمائة من سكان البلاد. ومن الممكن أن تتأثر السياحة أيضاً بالأزمة المالية العالمية. وبإمكان الإصلاح السياسي الحقيقي أن يساعد على عزل النظام الملكي عن أوقات مضطربة محتملة الحدوث، ويُصلح من اللامبالاة السياسية المنتشرة حالياً على نطاق واسع.

ويعد هذا أمراً مهماً بشكل خاص، لا سيما وأن الجهاديين المغربيين قاموا باستهداف من المغرب من ناحية، كما حدث في انفجارات الدار البيضاء في 2003، والأهداف الدولية من ناحية أخرى، كما حدث في مدريد عام 2004. وعلى الرغم من أنه لم تحدث أية هجمات كبيرة داخل المغرب في السنوات الأخيرة، إلا أن خلايا جهادية صغيرة، مثل شبكة "بيليراج" الواسعة الانتشار، استمرت في العمل وتشكل تهديداً على السياحة بشكل خاص.

لقد أشادت إدارة أوباما بالمغرب كإحدى أقدم حلفاء واشنطن في الشرق الأوسط. ومع ذلك فقد قدم خطاب الرئيس في القاهرة اقتراحات بشأن بعض الخطط المحددة لتعزيز الإصلاح والتطوير الديمقراطي في المنطقة. وتوحي الصورة العامة للانتخابات البلدية بأنه على الرغم من وجود منظور إقليمي داعم فضلاً عن التزايد الذي تشهده حقوق المرأة إلا أنه، من وجهة النظر الإصلاحية، لا يزال أمام المغرب الكثير من العمل. وفي أعقاب الانتخابات، ينبغي أن تعمل واشنطن على الاستفادة من السنوات الثلاث قبل موعد الانتخابات التشريعية عام 2012 لمساعدة المغرب في بناء صورة إيجابية للحياة السياسية في المملكة.

دانا موس

دانا موس زميلة الجيل القادم في معهد واشنطن.