أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المرصد السياسي 2261

الأردن والأزمة السورية: الحد من "المجهولين المعروفين"

أندرو جيه. تابلر

متاح أيضاً في English

30 أيار/مايو 2014


في 27 أيار/مايو طرد الأردن السفير السوري في عمان ورئيس استخبارات أمن الدولة السابق في نظام الأسد، بهجت سليمان، بسبب "إهانات وإساءات متكررة" ضد المملكة الهاشمية. وأتى هذا القرار بعد أن فرض سليمان وجوده في احتفال عيد الاستقلال في قصر رغدان الملكي ورداً على مشاركاته الدعائية على شبكات التواصل الاجتماعي. وفي الوقت نفسه، وقبل أسبوع من طرد سليمان، حصلت مواجهات بين القوات المسلحة الأردنية ومجموعة من اثني عشر مقاتلاً أردنيّاً وأجنبيّاً من «جبهة النصرة» - ذراع تنظيم «القاعدة» - كانوا يحاولون عبور الحدود إلى الأردن من منطقة درعا في جنوب سوريا. وتُسلط هذه الإجراءات المتخذة ضد قطبين متواجهين في الحرب السورية الضوء على الوضع الحرج الذي يجد فيه الأردن نفسه مع تصعيد الأزمة السورية، ما يرجح أن تكون له عواقب وخيمة مهما كان مسار الأمور.

التوترات في جنوب سوريا

ظهرت كلتا المجموعتين المتطرفتين، «جبهة النُصرة» و تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» [«داعش»]، في المناطق الشمالية والشرقية من البلاد حيث حصلتا على الدعم عبر الحدود التركية والعراقية وعبر قنوات التمويل من دول الخليج العربي. أما في الجنوب فتمكن الثوار المعتدلون من الإمساك بزمام الأمور حتى الخريف الماضي، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى الجهود التي يبذلها الأردن للسيطرة على حدوده وتقييد عمليات التمويل للمتطرفين داخل سوريا.

لكن بعد قرار إدارة أوباما بالتراجع عن تنفيذ سياسة الخط الأحمر حول استخدام النظام للأسلحة الكيميائية وتركيز الإدارة لاحقاً على استحضار قيادة المعارضة إلى محادثات السلام في جنيف 2 في كانون الثاني/يناير الماضي للتوصل إلى تسوية تفاوضية للأزمة، بدأت الفصائل الجهادية/السلفية تتحرك جنوباً. وينطبق ذلك خصوصاً على «جبهة النُصرة» التي كان نهجها أقل قسوة وأكثر تركيزاً على القضايا المحلية من جماعات أخرى مثل تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام»، وبالتالي أكثر قبولاً في المناطق القبلية في جنوب سوريا. في الوقت نفسه دخل أيضاً مقاتلون أردنيون - كانوا وما زالوا يحاربون بقوة منذ اندلاع الحرب ويصل عددهم حالياً إلى حوالي ألفي مقاتل - إلى المنطقة بأعداد أكبر.

وفيما رفض نظام الأسد مناقشة [إقتراح] مرحلة انتقالية في جنيف، مستجيباً عوضاً عن ذلك بموجة من البراميل المتفجرة التي زادت بشكل حاد من عدد القتلى المدنيين في ربيع هذا العام، بدأت الدول الغربية وحلفاؤها الإقليميين تقلق حيال الارتفاع الحاد في مستوى أنشطة «جبهة النُصرة» في جنوب سوريا. وللحد من تأثير الجماعة، أحكمت كلٌّ من الأردن وإسرائيل السيطرة على حدودهما وكثفتا مساعدتهما للجماعات المعارضة المعتدلة في المنطقة. ووفقاً لتقرير صحيفة "جوردن تايمز" من التاسع عشر من أيار/مايو، قامت القوات المسلحة الأردنية بتنفيذ عمليات على الحدود ضد المتطرفين، بما في ذلك شن غارات باستخدامها الطائرات ضد متشددين إسلاميين حاولوا عبور الحدود إلى الأردن. وقد أسفرت تلك العمليات عن مقتل أربعة عشر مسلحاً وإصابة ما لا يقل عن أربعة وعشرين آخرين بجراح منذ أواخر نيسان/أبريل.

من جهتها، بدأت جماعات المعارضة المعتدلة في جنوب سوريا تتبع موقفاً أكثر صرامة تجاه التابعين لـ «جبهة النُصرة»، على الأقل خطابياً. وأطلق قائد المجلس العسكري في درعا أحمد النعمة، الذي كان قد عبر لتوه إلى سوريا من الأردن كما أفادت التقارير، شريطاً مصوراً ينتقد فيه «جبهة النُصرة» ويثني على الكتائب المعتدلة في "الجيش السوري الحر" في جنوب البلاد. وفي 3 أيار/مايو، قبضت عليه «جبهة النُصرة» واتهمته بتسليم الناحية السورية الجنوبية خربة غزالة [التي تقع في الجهة الشمالية الشرقية من مركز محافظة درعا] إلى قوات النظام في عملية عسكرية تم القيام بها في وقت سابق من هذا العام. وفي السادس من أيار/مايو، أصدرت ستون مجموعة من الثوار المعتدلين بياناً طالبت فيه بإطلاق سراحه لتعود وتلغيه بعد مدة قصيرة وبشكل غامض. وعلى الرغم من المفاوضات المكثفة، لا يزال النعمة في عهدة «جبهة النُصرة» حتى بعد "اعتراف" مصور من المفترض أنه أقر فيه بأن الدول التي تدعم الثوار قد أمرته بالسماح لخربة غزالة بالسقوط في يد النظام. كما رفضت «جبهة النُصرة» تسليمه لمجلس الشريعة المحلي للتحكيم في قضيته.

وبعد إلقاء القبض على النعمة، أقفلت الأردن حدودها الغربية مع سوريا، مما أدى إلى توقف حركة عبور اللاجئين ولم تسمح سوى لسيارات الإسعاف بنقل الجرحى. ومنذ ذلك الحين، بات على اللاجئين السوريين أن يجتازوا مسافة نحو 200 كلم إلى الشرق قرابة الرويشد. ومع أن إقفال الحدود قد جاء بحجة حماية اللاجئين، إلا أن المسافة الإضافية التي عليهم اجتيازها الآن قد تتيح أيضاً إجراء المزيد من التدقيق الأمني على اللاجئين في موضوع استئصال المتطرفين.

نقاط الضعف التي يواجهها الأردن

حتى قبل أن تزداد حدة الحرب سوءاً في سوريا المجاورة، كانت الأردن تواجه اضطرابات داخلية وصعوبات اقتصادية، بالإضافة إلى سلسلة من المشاكل الناجمة عن الوضع في جنوب سوريا.

السوريون "المجهولون المعروفون" في الأردن. تستضيف الأردن حاليّاً ما يناهز 1.5 مليون لاجئ سوري كما يُعتقد، ولكن 600,000 لاجئ فقط سجلوا أنفسهم مع "مكتب المفوض السامي لشؤون اللاجئين" التابع للأمم المتحدة، و125,000  لاجئ فقط يعيشون في مخيمَيْن رئيسيَيْن للاجئين في المملكة (الزعتري و"مخيم الأزرق" الصحراوي الذي افتتح مؤخراً). وفيما تتفاوت التقديرات يظل وضع أكثر من 750 ألف لاجئ غير معروف إلى حد كبير؛ ويُعتقد أن معظمهم يمكث لدى أقاربهم أو أصدقائهم في الأردن. وتمثّل هذه الفئة من السكان الخاصرة اللينة للأردن، ومنها يستطيع بشار الأسد أو تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» شن هجمات إرهابية ضد المملكة. وحتى الأمر الأكثر إثارة للقلق هو حقيقة أن اللاجئين أخذوا يتدفقون الآن إلى الأردن من خارج منطقة درعا، بما في ذلك شرق سوريا، حيث يمتلك تنظيم «داعش» و «جبهة النُصرة» قبضة أقوى على الأرض.

الضغط من محافظة المفرق. مع أن حمص غربي سوريا قد تعتبر مركز الثورة، إلا أن درعا هي المدينة التي بدأ منها كل شيء، وبطبيعة الحال لجأ السكان إلى محافظة المفرق شمال الأردن منذ البداية. ويشكل مخيم الزعتري الذي يضم الآن نحو 100 ألف لاجئٍ عبئاً هائلاً على سكان مفرق الأصليين البالغ عددهم 80 ألف نسمة، باعتماده بشكل كبير على الموارد المحلية، وتلويثه المياه الجوفية بمياه الصرف الصحي في المنطقة. إلا أن السوريين خارج المخيم يشكلون عبئاً أكبر على الموارد، بما في ذلك التعليم والمياه وجمع القمامة. وقد بدأت برامج المعونات في المنطقة بمساعدة السكان المحليين على استيعاب العبء، ولكن نظراً للعدد الهائل من اللاجئين - ودَوْر المنطقة القوي نسبياً في النظام السياسي الذي يهيمن على الضفة الشرقية من الأردن - فإن التوترات آخذة في التصاعد.

التوتر مع السلفيين المحليين. توجّه عددٌ من السلفيين الأردنيين إلى جنوب سوريا للقتال، مما أثار مخاوف من أن يتمكنوا من العودة إلى بلدهم في النهاية لإثارة الاضطرابات في المملكة. وعلى الرغم من أنه قد تم الإبلاغ عن بعض أعمال الشغب المتعلقة بالسلفيين في معان والزرقاء والسلط، إلا أن السلطات الأردنية كانت قادرة على احتواء التوتر حتى الآن. ومع ذلك، ففي ربيع هذا العام تعهد زعيم سلفي في معان بالولاء لـ تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام»، ويحتمل أن يشير ذلك إلى اتجاه جديد مثير للقلق. وإذا تقدمت قوات الأسد إلى جنوب سوريا في الأشهر المقبلة - مما سيؤدي إلى تدفق آلاف اللاجئين الإضافيين عبر الحدود وإجبار العديد من المقاتلين الأردنيين الذين يحاربون المتطرفين حالياً إلى العودة إلى المملكة - فقد تنشأ قريباً موجة جديدة من التهديدات السياسية والأمنية في الأردن.

التداعيات

تأتي التدابير الأردنية الأخيرة ضد كل من السفير السوري والمتطرفين الإسلاميين على طول حدود المملكة نتيجةً للخسارة الحتمية التي تواجهها عمان حالياً. وإذا سمحت الأردن للأسد بالاستمرار باستعمال البراميل المتفجرة ضد المعارضة وبحملة المعلومات المضللة المرافقة لها (التي رسّخها بهجت سليمان عبر وسائل التواصل الاجتماعي على مدى السنوات الثلاث الماضية) وبفرض سيطرته مجدداً على الأراضي السورية وصولاً إلى الحدود، فإن تدفق اللاجئين الناتج عن ذلك سيزيد الوضع تعقيداً، علماً أن الوضع متوتر أصلاً في الأردن. ناهيك عن ذلك، لا يمتلك نظام الأسد العدد الكافي من الجنود لإحكام سيطرته على كامل الأراضي التي يستعيدها، مما يعني أن سوريا ستبقى غير مستقرة خلال السنوات القادمة. وإن لم تفعل الأردن شيئاً، سيتوسع عدد المتطرفين ونفوذهم في جنوب سوريا، وسيواجه الأردن انتقاداً داخليّاً لأنه لم يعمل شئ لمساعدة المعارضة السورية في وقت الشدة. وبدورها قد تؤجج هذه المشاعر الوضع بين الفصائل القبلية والسلفية في الأردن وتشجع على شن هجمات من قبل متطرفين محليين.

لكن في المقابل، إذا عملت عمان بصورة قوية ومكثفة ضد الأسد، فمن المرجح أن تلجأ دمشق إلى السوريين "غير المعروفين" في الأردن للقيام بهجمات إرهابية لتبدو وكأنها من عمل السلفيين الأردنيين، أو تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام»، أو كليهما. وعلى نطاق أوسع، طالما لم يحصل تغيرٌ كبير في سياسة الولايات المتحدة بشأن التدخل المباشر في سوريا، من غير المرجح أن تتمكن المعارضة من هزيمة النظام على المدى المنظور، مما سيؤدي إلى إدامة حالة الحرب وتوليد المزيد من التطرف.

توصيات سياسية

وفقاً لـ "خدمة أبحاث الكونغرس"، تتلقى الأردن حاليّاً 360 مليون دولار كمساعدات اقتصادية و300 مليون دولار كمساعدات عسكرية من الولايات المتحدة كل عام، بالإضافة إلى 340 مليون دولار ضمن الفصل الثامن من قانون التمويل (المعنون "عمليات الطوارئ في الخارج/ الحرب العالمية على الإرهاب") فضلاً عن "التمويل لمساعدة اللاجئين والهجرة" لمواجهة أزمة اللاجئين السوريين. ومع أن هذا الالتزام كبير، إلا أن عمان لا تزال تفتقر إلى الموارد الكافية لتستوفي الحاجات الكبيرة التي ولدتها الحرب في البلد المجاور.

إن الوضع الإنساني للسوريين في الأردن سيئ. ولم يتم استيفاء سوى 25 في المائة من المساعدة المطلوبة لتغطية ميزانية "المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين" في المملكة، ولن تنتهي هذه الحاجة الإنسانية في أي وقت قريب. وحتى لو انتهت الحرب غداً، فاحتمال أن يعود اللاجئون إلى ديارهم في المستقبل القريب ضئيل نظراً لسياسة الأرض المحروقة التي اتبعها نظام الأسد، بما في ذلك تدمير قسم كبير من المساكن في البلاد.

وتحتاج الأردن أيضاً إلى تعزيز أنشطتها الهادفة إلى المحافظة على أمن الحدود ومكافحة الإرهاب، لكن مواردها محدودة جدّاً لتقوم بذلك بمفردها. ويهدف "صندوق الشراكة لمكافحة الإرهاب" الذي يقدر بخمس مليارات دولار واستعرضه الرئيس أوباما في خطابه في ويست پوينت في 28 أيار/مايو، إلى توسيع تدريب وتجهيز الجيوش الأجنبية، وتعزيز إمكانيات مكافحة الإرهاب لدى الدول الحليفة، ودعم الجهود الرامية إلى مكافحة التطرف العنيف والفكر الإرهابي. وتبدو الأردن المرشح المنطقي لنيل حصة من هذا التمويل. لكن لا يزال من غير المعروف ما إذا كان من الممكن استعمال هذه الأموال لأنشطة عبر الحدود إلى جنوب سوريا، أو إذا كان يجب أن يأتي المال بموجب "قانون تفويض الدفاع الوطني" الذي تم إقراره مؤخراً، ويتيح للبنتاغون "توفير المعدات والتدريب واللوازم وخدمات الدفاع لمساعدة الأعضاء الخاضعين للتدقيق الأمني من المعارضة السورية".

وأياً كان الحال، سيبقى الأمن في الأردن هشّاً طالما يستمر نظام الأسد في هجماته الوحشية على المدنيين السوريين، والتي تؤدي بدورها إلى تدفق اللاجئين وجذب الجهاديين الأجانب، وتبرر التطرف كرد فعل انتقامي. ولعل أفضل وسيلة لمواجهة كل من نظام الأسد والمتطرفين في جنوب سوريا هي من خلال تحسين تدريب وتجهيز المعارضة المعتدلة المحلية. وسيشجع ذلك المعتدلين على العمل معاً لوضع حد للجهاديين. على الولايات المتحدة والأردن أن تجعلا الخيار واضحاً: فإما يُنظّم الثوار المعتدلون في الجنوب أنفسهم في وحدات متسقة ويتوقفون عن القتال إلى جانب أتباع تنظيم «القاعدة» للحصول على المساعدات من الولايات المتحدة والأردن، أم يستمرون في تكبد الهزائم على أيدي نظام الأسد.

وأخيراً، على واشنطن أن توسع تنسيقها مع الجهود الإسرائيلية والأردنية السرية في جنوب سوريا. فمن مصلحة الدول الثلاثة اقتلاع التطرف من جذوره هناك ودفع نظام الأسد إلى التفاوض على مرحلة انتقالية حقيقية تنهي الحرب، وليس على اتفاقيات محلية لوقف إطلاق النار تؤدي إلى استمرار "الجمود الديناميكي" وتهدد بتوليد المزيد من التطرف على مدى السنوات المقبلة.

 

أندرو جيه. تابلر هو زميل أقدم في معهد واشنطن ومؤلف الكتاب "في عرين الأسد: رواية شاهد عيان عن معركة واشنطن مع سوريا".