أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المرصد السياسي 1855

الأردن: هل يخيم الهدوء على الجبهة الشرقية؟

ديفيد شينكر

متاح أيضاً في English

4 أكتوبر 2011


 

"يساعد التقدم على الجبهتين الإقتصادية والسياسية على تحصين النظام الملكي ضد عدم الإستقرار الذي يجتاح المنطقة حالياً."

 

في الوقت الذي تُسلًط فيه الأضواء على طلب الفلسطينيين من الأمم المتحدة إقامة دولة وعلى مذبحة المتظاهرين المستمرة في سوريا، تم توجيه القليل من الاهتمام إلى الأردن حيث كان البرلمان يناقش ويصوت على اثنين وأربعين تغييراً مقترحاً لدستور المملكة من عام 1952. ومشروع الإصلاح هو محاولة من قبل الملك عبد الله لاستباق ذلك النوع من الاحتجاجات التي أسقطت نظامي الحكم في مصر وتونس. وبينما جاءت التعديلات الدستورية المقترحة من قبل القصر الملكي غير كافية حتى الآن لإنهاء الاحتجاجات الأسبوعية المستمرة إلا أن مزيجاً من تلك المبادرة الإصلاحية والمنافع المالية التي ستصاحب عضوية الأردن في "مجلس التعاون الخليجي" ربما سيساعد على استقرار المملكة وتعزيز النظام الهاشمي.

التعديلات المقترحة

في شباط/فبراير وآذار/مارس، شهدت الأردن مظاهرات حاشدة في مناطق تقطنها أغلبية من أبناء الضفة الشرقية أو مواطنون معروف عنهم تقليدياً بأنهم أكثر ولاءً للنظام الملكي. وبما أن المظاهرات أتت مباشرة في أعقاب الانتفاضتين التونسية والمصرية، كان رد الملك عبد الله سريعاً حيث أقال الحكومة واستبدل رئيس الوزراء من ذوي المهارات العالية والمقرب من رجال الأعمال سمير الرفاعي، باللواء الركن المتقاعد والدبلوماسي وصانع السلام معروف البخيت وهو مواطن من الضفة الشرقية ينحدر من قبيلة "عبادي" البارزة. وفي حزيران/يونيو، أعلن الملك عن "رؤيته الإصلاحية لأردن المستقبل" وهي الأجندة التي قال إنها ستشمل تغييرات دستورية وانتخابية. وقد أنشأ "اللجنة الملكية لمراجعة الدستور" وكلفها باقتراح تعديلات على الميثاق.

وفي 14 آب/أغسطس وافق الملك على التعديلات المقترحة. ومن بين التوصيات الأكثر أهمية هي تأسيس "محكمة دستورية" ولجنة انتخابات مستقلة. وقد شملت التعديلات المقترحة أيضاً تخفيض سن أعضاء البرلمان من ثلاثين إلى خمس وعشرين عاماً ونقل الرقابة الانتخابية من البرلمان إلى القضاء وحظر إصدار تشريع من قبل مجلس الوزراء (عند حل البرلمان، على سبيل المثال) وتقييد قدرة الملك على رفض التشريع. ومن المثير للاهتمام، أنه لو تم اعتماد تلك التغييرات، فإنها ستستثني المواطنين الأردنيين ذوي الجنسية المزدوجة من شغل مناصب في البرلمان أو الحكومة -- وهو التعديل الذي يمكن أن يكون له تأثير كبير على تشكيلة البرلمانات المستقبلية، ولا يؤثر بالضرورة على المواطنين الأردنيين ذوي الأصول الفلسطينية، بل على الأردنيين الذين يحملون جوازات سفر غربية.

وقد تميزت وثيقة الإصلاح ليس فقط بتوصياتها بل أيضاً بما أغفلته. فعلى سبيل المثال، لم تشمل التعديلات المقترحة حل محاكم أمن الدولة أو تقييد سلطة الملك في تعيين أعضاء مجلس النواب. وبالمثل، لم تنص على تشكيل الحكومات المقبلة بأغلبيات برلمانية بدلاً من الممارسة الحالية المتمثلة بالتعيين الملكي.

النقاد الإسلاميون

على الرغم من أن الإصلاحات مقيدة في مداها، فمع ذلك يراها غالبية الأردنيين على ما يبدو بأنها خطوة إيجابية إلى حد ما. وربما لم يكون مفاجئاً أن يكون الإسلاميون هم النقاد الأساسيون. فقد كانت المطالبة بأن تكون الأغلبيات البرلمانية هي التي تحدد شكل الحكومة قد تصدرت قائمة شكاواهم. وفي الواقع، ووفقاً للأمين العام لـ جماعة «الإخوان المسلمين» في الأردن حمزة منصور، فإن جميع التعديلات الأخرى سوف "تفقد قيمتها" إذا بقيت المادة 35 -- التي تحدد دور الملك في تعيين وإقالة الحكومات -- كما هي. أو كما قال رئيس "جبهة العمل الإسلامي" في جماعة «الإخوان» زكي بني ارشيد، "يجب أن تكون السلطة التنفيذية في أيدي الشعب، ويجب أن تتشكل الحكومات من خلال أغلبية برلمانية."

وقد كان الإسلاميون مستاؤون أيضاً من التوجه الذي يسير فيه "الحوار الوطني" الحالي الذي تقاطعه "جبهة العمل الإسلامي" التي عانت لما يقرب من عشرين عاماً وفقاً لقانون من عام 1993 (المعدل في عام 2010) الذي حوّل العملية الانتخابية في الأردن من صيغة "مقاعد عِدة وأصوات عِدة" إلى صيغة "مقاعد عِدة وصوت واحد"، وهو التغيير الذي أجبر المصوتين الأردنيين على الاختيار بين انتمائهم القبلي وآرائهم السياسية، مما أضعف بشدة أداء الإسلاميين في صناديق الإقتراع. ولتحسين فرصها تطالب "جبهة العمل الإسلامي" سن "قانون انتخابي حديث." ووفقاً لبيان صدر في 19 أيلول/سبتمبر، من شأن قانون كهذا أن يشمل انتخاب نصف البرلمان بقائمة وطنية والنصف الآخر بأغلبية بسيطة على مستوى المنطقة. وتدعو "جبهة العمل الإسلامي" كذلك إلى إعادة تقسيم المناطق بأكملها لتفادي تقسيمها عن طريق الغش لصالح جماعات معينة والذي أفاد تاريخياً سكان الضفة الشرقية على حساب الفلسطينيين والأردنيين الإسلاميين.

وبطبيعة الحال لن يتم إقرار جميع التعديلات، فقد رفض البرلمان بالفعل اقتراحاً بتخفيض الحد الأدنى لسن المُشرعين إلى خمسة وعشرين عاماً. وفي الوقت نفسه، من المؤكد أن يتجاهل النظام الملكي بعض الطلبات لإجراء إصلاحات انتخابية حقيقية في هذا الوقت.

استمرار التحديات الاقتصادية بغض النظر عن رد الفعل الإيجابي بصورة عامة على التعديلات، قد لا تكون أجندة الإصلاح السياسي للملك كافية لإرضاء -- وتهدئة -- المتظاهرين. ويعود ذلك إلى ارتباط الكثير من التهييج الشعبي الذي يحفز الاحتجاجات بعوامل اقتصادية وخاصة تفشي البطالة وارتفاع أسعار السلع الغذائية. ولم يكن الاقتصاد الأردني قط قوياً بشكل خاص، لكن تكلفة المزيج من الارتفاع الحاد في أسعار السلع وعدم الاستقرار في المنطقة الناجم عن الانتفاضات في بلدان أخرى، كانت باهظة. وفي الأشهر الخمسة الأولى من عام 2011 وحده شهدت المملكة انخفاضاً في معدلات الاستثمار بنسبة 60 بالمائة فضلاً عن انخفاض كبير في السياحة من الدول الغربية. ووفقاً لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية بلغ معدل البطالة غير الرسمي في الأردن 30 بالمائة حتى قبل كانون الثاني/يناير.

وبالإضافة إلى المُضي قدماً في الإصلاحات السياسية استجاب الملك لمظاهرات شباط/فبراير بإعلانه عن تخصيص مبلغ قدره 650 مليون دولار كنفقات طوارئ اجتماعية. وعلى الرغم من أن هذا العجز في المصروفات قد قلص من شدة الاحتجاجات إلى حد ما، إلا أنه ليس حلاً طويل المدى. ومَثَلهم مثل التونسيين والمصريين يجد الأردنيون أنفسهم في ظروف اقتصادية بائسة على نحو متزايد -- وهو الموقف الذي ظهر بصورة أكثر مأساوية في 10 أيلول/سبتمبر عندما قام بائع متجول في محافظة المفرق عمره 29 عاماً بتقليد التونسي محمد البوعزيزي، فأضرم النار في نفسه عندما أزالت الشرطة المنصة التي كان يبيع عليها الخضراوات.

ومع ذلك، فإن المشهد القاتم للاقتصاد الأردني قد لمع بعض الشئ في أيار/مايو عندما دُعيت المملكة لتصبح عضواً في "مجلس التعاون الخليجي" وهو التطور الذي يبشر بجلب إغاثة كبيرة لهذه الدولة المبتلاة. وبالفعل، قدمت السعودية منحة قدرها 400 مليون دولار. ووفقاً للصحيفة الأردنية اليومية "العرب اليوم"، تعهد "مجلس التعاون الخليجي" بمنح ملياري دولار كل عام خلال السنوات الخمس القادمة -- جاء ذلك خلال اجتماع وزراء خارجية الدول الأعضاء في "المجلس" في 11 أيلول/سبتمبر. وكما أوضح المعلق الأردني سلامة الديراوي مؤخراً، "لولا المنح المالية من المملكة العربية السعودية لما كان هناك أصلاً اقتصاد للأردن هذا العام." وعلاوة على ذلك، شهدت الأردن منذ كانون الثاني/يناير زيادة بنسبة 26 بالمائة في عدد السياح من دول "مجلس التعاون الخليجي". وربما الأهم من ذلك، تأمل عمان أن تساعد عضوية "مجلس التعاون الخليجي" على حصول المزيد من الأردنيين على فرص عمل في الخليج مما سيخفض من معدل البطالة في المملكة ويزيد التحويلات المالية التي تشكل حالياً 13 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي.

الخلاصة

ما يزال الأردن يواجه مجموعة واسعة من التحديات السياسية والإقتصادية. لكن من خلال نشاطه على جبهة الإصلاح السياسي وضع النظام الملكي نفسه -- حسب كلام الملك عبد الله -- "في معترك النشاط" في الوقت الراهن. ووفقاً لاستطلاع أجراه "مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية" في أيلول/سبتمبر، يَعتبر 72 بالمائة من الأردنيين الذين هم على دراية بالتعديلات الدستورية بأن هذه التعديلات تشكل خطوة إيجابية إلى الأمام. وسيكون علاج المحن الإقتصادية المُزمنة للمملكة أكثر صعوبة. ولو تم الوفاء بتعهدات "مجلس التعاون الخليجي" فسوف تساعد المساعدات المالية السخية أيضاً على التخفيف من حدة الأزمة.

إن إحدى النقاط السلبية المحتملة لهذا الانضمام الوشيك للأردن إلى "مجلس التعاون الخليجي" ربما تكون الضغط الذي سيلازم الملك عبد الله من أجل اتخاذ موقف أكثر تشدداً -- على الأقل خطابياً -- نحو إسرائيل بما يتوافق مع الموقف السعودي. وفي الواقع، إن الملاحظات اللاذعة على نحو غير معهود، التي أدلى بها الملك في الشهر الماضي ووجهها إلى إسرائيل ربما تعكس بالفعل هذا الحراك. ومع ذلك، فبغض النظر عن التغيير في النبرة، فإن الأردن ليست نسخة أخرى من مصر التي تبنت فيها السياسة الشعبوية خطاً يزدري معاهدة السلام مع إسرائيل منذ بداية الثورة. وما يزال الملك عبد الله ملتزماً علنياً بالمعاهدة الأردنية مع الدولة اليهودية.

وعموماً، يساعد التقدم على الصعيدين الإقتصادي والسياسي على تحصين النظام الملكي من عدم الإستقرار الذي يجتاح المنطقة حالياً. وبالطبع، إن تقدم الفلسطينيين للحصول على عضوية الأمم المتحدة ربما يستحث العنف عبر النهر في الضفة الغربية مع أصداء محتملة لهذا العنف في المملكة. ومع ذلك، يبدو أن الملك عبد الله قد توصل حالياً إلى صيغة لضمان الاستقرار وتأمين المملكة.

 

ديفيد شينكر هو مدير برنامج السياسات العربية في معهد واشنطن.