أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المرصد السياسي 1449

الجماعات الجهادية في غزة: تهديد متنام

متاح أيضاً في English

5 يناير 2009


بالرغم من أنّ العمل العسكري الإسرائيلي الحالي موجّه ضد نظام «حماس» الذي يسيطر على قطاع غزة منذ انقلاب عام 2007، ظهرت على مدى العامين الماضيين ثلة من المنظمات الإسلامية المتشددة الأخرى في غزة. إن هذه الجماعات السلفية-الجهادية صغيرة الحجم وغير مرتبطة بعلاقات مباشرة مع تنظيم «القاعدة»، لكنها ازدادت قوة وتبدو أكثر فأكثر ميلاً إلى العمل بصورة مستقلة عن قيادة «حماس». وفي حين اتخذت «حماس» إجراءات صارمة لفرض النظام على هذه الجماعات مؤخراً، فإن من غير الواضح كيف سيؤثر الصراع الراهن على استعداد المنظمة وقدرتها على القيام بذلك في المستقبل. فإن تبين أن «حماس» غير مستعدة لمواصلة الإطباق على هذه الجماعات، فإنها قد تشكل تهديداً خطيراً في النهاية ليس فقط لحركة «حماس»، بل أيضاً للمصالح الإسرائيلية والغربية في المنطقة.

الخلفية والإيديولوجية

إن أشهر هذه الجماعات السلفية-الجهادية في غزة هو "جيش الإسلام" بقيادة الزعيم العشائري القوي "ممتاز دغمش"؛ و"فتح الإسلام" بقيادة "سليمان أبو لافي" و"رفيق أبو عكر"؛ و"جيش الأمة" الذي يسيطر عليه "إسماعيل حامد". وقد انشق هؤلاء القادة عن جماعات إسلامية أخرى رافضة [لعملية السلام] مثل «حماس» و"الجهاد الإسلامي الفلسطيني"، معتبرين إياها غير عنيفة بما فيه الكفاية في شن هجمات إرهابية. ومن الجماعات الأخرى التي تشاركها الرأي والتي تتخذ من غزة مقراً لها "جيش الله"، و"التكفير"، و"عرين الأسد للمجاهدين المقاتلين"، و"جلجلة" (قصف الرعد).

بإمكان كل من هذه الجماعات السلفية-الجهادية أن تتفاخر بأن ليس لديها أكثر من بضع عشرات من المتشددين، يعززها أحياناً بضع مقاتلين أجانب، ولا سيما من المصريين، الذين يزيدون كثيراً من القدرات المحدودة لهذه الجماعات. ولا يبدو أنّ لأي من هذه الجماعات صلات عملانية أو تنظيمية مع تنظيم «القاعدة» وقيادته – مما يدعو إلى الاستغراب، بالنظر إلى التركيز المنتظم والعلني لأسامة بن لادن وأيمن الظواهري على القضايا الفلسطينية.

وبالرغم من أن هذه الجماعات لا تتلقى توجيهاتها من تنظيم «القاعدة»، لكنها تتوافق معه حول الإيديولوجية السلفية-الجهادية وتخطط أساليبها واستراتيجيتها حسب نموذج ذلك التنظيم. وتتمثل الغاية الإيديولوجية لهذه الجماعات السلفية-الجهادية، كغيرها من الجماعات الإسلامية السنية المتطرفة، بإحياء أمجاد الإسلام القديمة (السلفية) وإقامة خلافة إسلامية عالمية تطبق الشريعة الإسلامية. وتقر هذه التنظيمات السلفية-الجهادية دينياً استخدام العنف (الجهاد) كأهم وسيلة لتحقيق هذه الرؤية. وعليه، فمن الجائز [في اعتقادها] استخدام القوة ضد غير المسلمين (الكفار) والأنظمة التي تعتبرها غير إسلامية بما فيه الكفاية وغيرها من الذين يعتبرون أعداء متصورين للإسلام.

وتتشاطر «حماس» وجماعات غزة الجهادية الرغبة في تدمير إسرائيل وفرض الشريعة الإسلامية، لكنّ «حماس» تركز على المصالح المحلية التي تقتصر على الساحة الفلسطينية، وبالتالي توجه طاقاتها إلى حد كبير ضد إسرائيل، بينما تستهدف تلك الجماعات الجهادية الأجانب أيضاً. وتتبنى الجماعات السلفية-الجهادية إيديولوجية "المقاومة الصرفة"، التي لا مكان فيها لوقف إطلاق النار أو الإيقاف المؤقت للهجمات على العدو. لذلك كان لبعض أعضائها دوافع خاصة لمواصلة الهجمات بعد موافقة «حماس» على التهدئة.

عمليات الجماعات الجهادية في غزة

وفي حين أن من المهم عدم المبالغة في تقييم القدرات الإرهابية لهذه الجماعات السلفية-الجهادية، لأن من المشكوك فيه أن لديها القدرة على القيام بعمليات رئيسية معقدة، فإنها مع ذلك، تزداد قوة. فقد عملت التنظيمات – كلاً على انفراد وبالتعاون فيما بينها أحياناً – على الترويج لهجمات إرهابية بارزة للحصول على اعتراف عالمي ودعم مادي من العناصر المتطرفة في العالم العربي، ولإثبات عزمها الجهادي على اجتذاب الشباب والاعتراف بها كعامل بحيث لا يمكن لـ«حماس» أن تتجاهلها.

فعلى سبيل المثال، خطط نشطاء من "جيش الإسلام" و"فتح الإسلام" معاً لمهاجمة المبعوث الخاص للجنة الرباعية الدولية للشرق الأوسط ورئيس الوزراء البريطاني السابق "توني بلير" أثناء زيارة كان يعتزم القيام بها لغزة في تموز/يوليو 2008. وقد شملت الخطة على استخدام قناصة ومتفجرات تستهدف "بلير" والوفد المرافق له. ولحسن الحظ، حصلت إسرائيل على معلومات استخبارية بدرجة عالية من الثقة عن المخطط ومررتها إلى بلير قبل أن يسافر إلى غزة. وفي أعقاب ذلك ألغى الزيارة، وتم إحباط الهجوم.

كذلك شنت الجماعات السلفية-الجهادية هجمات على مؤسسات مسيحية وغربية في القطاع، من ذلك اختطاف مراسل الـ بي. بي. سي. آلن جونستون عام 2006 وتفجير مكتبة جمعية الشبان المسيحيين في شباط/فبراير 2008 والهجوم على مدرسة تديرها الراهبات في تل الهوى في أيار/مايو 2008. كذلك استهدفت هذه التنظيمات مؤسسات [تجارية] في غزة تعتبرها "غير إسلامية،" مثل مقاهي الإنترنت ومتاجر الفيديو.

وحتى وقت قريب، كانت إسرائيل وحدها تصارع التهديد الجهادي في غزة. ولم يكن الإسرائيليون قلقين فقط من التهديد الذي تشكله هذه الجماعات على إسرائيل، ولكن أيضاً من احتمال تركها لوحدها، مما قد يؤدي إلى محاولتها تحويل غزة إلى "أرض خصبة" لكي تشن منها هجمات إقليمية. وفي المقابل، أحبطت إسرائيل عدة مخططات لـ"جيش الإسلام" لشن هجمات على إسرائيل نفسها وسرعان ما تمكنت من القضاء على عدد قليل من الخلايا الجهادية التي ظهرت في الضفة الغربية وفي أوساط العرب الإسرائيليين.

نظرة «حماس» إلى الجماعات السلفية

لسنوات عديدة سمحت «حماس» لهذه الجماعات بأن تنمو، لأنها اعتبرتها ظاهرة هامشية لا تشكل تهديداً لسلطتها ومكانتها في قطاع غزة، ولأنها تشارك «حماس» العداء تجاه إسرائيل. وفي الواقع تم شن أبرز هجوم لـ"جيش الإسلام"، - أي اختطاف الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط – بالتعاون مع «حماس».

وبما أن هذه الجماعات قد اكتسبت قوة، ويبدو أنها تميل إلى العمل بشكل مستقل، غيرت «حماس» نهجها تجاهها على مدى الأشهر القليلة الماضية. فانتقلت من التسامح والحوار إلى المواجهة. وبعد أن أطلق أحد منتسبي هذه الجماعات النار على شرطي من «حماس»، ردت الأخيرة عليها رداً موجعاً. ففي أيلول/سبتمبر 2008، حاصرت «حماس» مجمّع من المنازل يعود إلى عشيرة دغمش. ورغم علمها بوجود نساء وأطفال في المجمّع، أطلقت «حماس» ذخيرة حية عليه، أسفرت عن مقتل أحد عشر شخصاً وجرح عشرات آخرين. وفي أعقاب ذلك أمتنع "جيش الإسلام" عن اتخاذ أي عمل [عسكري] ضد «حماس». ومنذ ذلك الحين صادرت «حماس» أسلحة واعتقلت مجموعة من النشطاء لإظهار أنها لن تسمح بالتهجم على عناصرها.

المضامين

رغم أن هذه الجماعات لا تهدف إلى اغتصاب السلطة من «حماس» في غزة، فإنّ اتساع نفوذها وشعبيتها يشكل تحدياً إيديولوجياً وعملياً لحركة «حماس» ويؤكد الإنقسام في الحركة؛ فمن ناحية، تقف «حماس» كحركة مقاومة مع الكفاح الجهادي المستمر، وهي من ناحية أخرى سلطة ذات سيادة يتطلب منها التوصل إلى حل وسط في قضايا الحكم اليومية. وتخشى «حماس» من اتساع شعبية هذه الظاهرة في أوساط الجيل الشاب، لأنها تمثل "المقاومة الصرفة." [لذلك] فإنّ التصدي لهذه الظاهرة لا يهدد فحسب صورة «حماس» في الشارع، بل يرغم الحركة أيضاً على مواجهة أحد الأركان الأساسية لهويتها وهو: الالتزام العقائدي بالجهاد كوسيلة لتحقيق أهدافها. وقد يصل البعض إلى حد اعتبار هذه المعضلة بأنها السبب الذي جعل «حماس» تقوّض التهدئة؛ إذ تتيح لها الهجمات من حين لآخر، إظهار أنها ما تزال ملتزمة بنهج المقاومة.

وفي أعقاب الأزمة الراهنة، قد تختار «حماس» تخفيف حملتها ضد هذه الجماعات الجهادية، مما تسبب تداعيات خارج نطاق قطاع غزة. وقد ينتهي الأمر إلى أن تشكل الجماعات السلفية-الجهادية القوية في غزة تهديداً ليس لحركة «حماس» فحسب، بل كذلك لإسرائيل، وللمصالح الغربية أيضاً، كما تبيّن من المخططات والهجمات المختلفة التي أحبطت على مدى السنوات القليلة الماضية.

يورام كوهين

يورام كوهين زميل زائر حالياً في معهد واشنطن. وقد شغل في السابق مناصب شتى في جهاز الأمن الداخلي في إسرائيل (الشاباك)، وكان حتى وقت قريب نائب مدير الجهاز.