أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المرصد السياسي 1445

خيارات إسرائيل السياسية في معركة غزة

ديفيد ماكوفسكي

متاح أيضاً في English

31 ديسمبر 2008


تخيّم اليوم على عمليات إسرائيل العسكرية في غزة ظلال حرب الأربع وثلاثين يوماً غير الحاسمة بين إسرائيل وحزب الله في عام 2006، التي اعتقدت إسرائيل أنها فقدت فيها ما كانت تملك من ردع، وينبغي اعتبار حملة إسرائيل الراهنة على «حماس» محاولة منها لاستعادة ذلك الردع المفقود. ويعتقد مسؤولون عسكريون إسرائيليون أنّ «حماس» سوف لن تطلق الصواريخ على البلدات الإسرائيلية إن كانت تخشى إسرائيل، بل ستجدد وقف إطلاق النار لمدة ستة أشهر أخرى.

ومع ذلك يقترب الصراع الراهن من النقطة التي يتعين فيها على صناع السياسة الإسرائيليين اتخاذ قرار حول ما إذا كان تصعيد الصراع سيعزز قدرته على الردع أم سيضعفها. ومن الدروس المستخلصة من حرب عام 2006 هو أنّ الحكم على الصراع يكون بما ينتهي إليه لا بكيفية خوضه. وعلى هذا النحو، لا ينبغي النظر إلى الخيارات السياسية الإسرائيلية الراهنة في ظل فراغ [سياسي]. وتحديداً، تفيد تقارير عديدة صادرة من إسرائيل أنّ وزير الدفاع إيهود باراك سعى لوضع نهاية مبكرة لهذا الصراع في 30 كانون الأول/ديسمبر، اعتقاداً منه بأن الهجوم المباغت يوم السبت الـ 27 من كانون الأول/ديسمبر كان كافياً لإظهار القوة. ومع ذلك، يمكن تمديد العملية المحدودة لأن إسرائيل لا تريد لـ«حماس» أن تحصل على نقاط كثيرة في النهاية. هذا، وقد أطلقت «حماس» اليوم صاروخاً على بئر السبع، التي تبعد حوالي أربعة وعشرين ميلاً عن غزة، وهو أعمق هجوم قامت به «حماس» داخل إسرائيل منذ بدء الحرب.

وباختصار، سيحاول صناع السياسة الإسرائيليون تعريف نهاية مثلى للصراع جنباً إلى جنب مع تعزيز الردع. لكنّ ما يزيد الوضع تعقيداً هو الاحتمال الوارد بأن تفسّر «حماس» أن مجرد قابليتها على الصمود والبقاء [كحركة مقاتلة] يعتبر نجاحاً، كما فعل ذلك حزب الله في عام 2006. وعليه، فقد تود حركة المقاومة الإسلامية جرّ إسرائيل إلى شرك صراع متطاول ينظر إليه كنزاع غير محسوم. وفي هذه الحالة، ستسعى «حماس» لمواصلة إطلاق الصواريخ بطريقة عشوائية، دون أن تقيّدها الحاجة إلى إيجاد أهداف عسكرية، قائلة إنها تقاتل من أجل المواجهة [رداً على العدوان].

أوجه الشبه بين 2006 و 2008

تجدر الإشارة، أولاً، إلى بعض الخصائص المشتركة المهمة بين الحربين. ففي حرب عام 2006 والحرب الحالية على حد سواء، أنحى المسؤولون العرب باللائمة على حدوث الصراع على لاعبين ليسوا دولاً يتصرفون بناءاً على أمر من إيران. وفي مستهل صراع 2006، حمّلت دول كمصر والعربية السعودية حزب الله مسؤولية اندلاع الأعمال العدائية ولم تعتبر حزب الله الطرف المظلوم، كما كانت تأمل الجماعة.

كذلك، دعم الجمهور الإسرائيلي من جميع ألوان الطيف السياسي كلا الحربين منذ البداية؛ وكان الاعتقاد السائد في كل حالة أنّ لإسرائيل الحق في ضرب الأطراف الفاعلة من غير الدول - كحزب الله و«حماس» - دفاعاً عن النفس، لأنّ هاتين الجماعتين تعملان عبر الحدود الدولية وتطلقان النار من وسط تجمعات سكانية كثيفة، وخاصة منذ انسحاب إسرائيل من لبنان عام 2000 ومن قطاع غزة عام 2005. ولا يرى الرأي العام الإسرائيلي لأي من الجماعتين مظالم مشروعة في ضوء هذين الانسحابين.

كما أن الخلافات الأساسية بين الصراعين هي أيضاً واضحة. إذا تظهر الدلائل الأولية أنّ إسرائيل استفادت من دروس عام 2006 التي خلصت إليها لجنة ڤينوغراد، التي درست أخطاء الحرب. فلم تقم إسرائيل بالرد هذه المرة بشكل انعكاسي كما فعلت عام 2006، بل خططت ردها بعناية حتى أنها حققت عنصر المفاجأة. وإذا كان رئيس الحكومة الإسرائيلية إيهود أولمرت قد رفع سقف التوقعات عام 2006 عندما أخبر الكنيست أن إسرائيل ستسحق حزب الله، يحاول المسؤولون الإسرائيليون اليوم خفض سقف التوقعات بالقول إنّ إسرائيل تسعى لإعادة الهدوء في البلدات والمدن الإسرائيلية القريبة من غزة.

إذا كانت حرب عام 2006 هي الدليل لما ينبغي القيام به وما يتعين تجنبه، فإنّ إسرائيل اليوم تقترب بسرعة من مفترق طرق بشأن توسيع نطاق العملية – وهي نقطة ظهرت حولها مدرستان فكريتان متباينتان في إسرائيل في عام 2006. رأت المدرسة المتطرفة أنّ فشل إسرائيل في تلك الحرب مردّه نقص الكفاءة العملانية لجيش الدفاع الإسرائيلي، الذي ترأسه آنذاك وزير الدفاع الطري العود عمير بيريتس، ولو كانت هناك تكتيكات أفضل لكان بالإمكان تدمير حزب الله. أما المدرسة المعتدلة فرأت أنّ إسرائيل وصلت إلى نقطة المردود المتناقص في الحرب وأنّ مواصلة العمل العسكري من شأنها تقويض الردع الإسرائيلي، حيث لم تكن لدى إسرائيل وسائل تستطيع بها تحقيق نصر حاسم عندما تكون هناك جماعة مقيمة بين ظهراني سكان مدنيين.

لقد كان كل من وزيرة الخارجية تسيپي ليڤني ووزير الدفاع إيهود باراك، الذي لم يكن عضواً في الحكومة الإسرائيلية في عام 2006، من أتباع المدرسة المعتدلة في ذلك الوقت. فقد رأى كلاهما أنّ عدم وجود استراتيجية للخروج من الصراع مكّن حزب الله من أن يعلن نفسه المنتصر بعد أكثر من شهر من القتال. فقد شعرا أنهما كانا على حق عندما أدى اندفاع حزب الله وتغير المشاعر في الدول العربية إلى إجبار إسرائيل على القبول بقوة حفظ سلام دولية تحت مظلة قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701. وبالرغم من أن هذا القرار منع حدوث موجة جديدة من أعمال العنف، فقد مكّن حزب الله من إعادة تسليح نفسه إلى مستويات أرفع بكثير مما كان عليه قبل الحرب.

خيارات إسرائيل السياسية

من الواضح يجب أن تكون إجراءات إسرائيل العسكرية تابعة لأهدافها السياسية. لكن ما هي هذه الأهداف اليوم وما مدى صلة الإجراءات العسكرية بها؟ يبدو أن الخيارات اليوم [31/12] هي التالية:

"مواصلة القصف الجوي". تم أختيار هذا النهج لإجبار «حماس» على قبول تجديد [اتفاق] وقف إطلاق النار حسب شروط الأشهر الستة الماضية.

"قبول اقتراح دولي لوقف إطلاق النار". تشير تقارير متعددة في إسرائيل إلى أن إيهود باراك فضل قبول الاقتراح الفرنسي القاضي بوقف إطلاق النار لمدة 48 ساعة لأسباب إنسانية. لكن، بعد قصف بئر السبع، رفضت الحكومة الإسرائيلية هذا الاقتراح. لقد كان في وسع الخطة الفرنسية المحافظة على عداء النظام العربي لحركة «حماس» وتجنب إطالة أمد الصراع الذي قد يخدم أهداف الحركة.

"فتح معبر رفح بين قطاع غزة ومصر وإغلاق المعابر الأخرى المؤدية إلى إسرائيل". من شأن هذا الرأي أن يعزز موقف الذين يقولون بأن لإسرائيل مصلحة استراتيجية في الربط بين غزة ومصر، مما يتيح لإسرائيل نفض يدها من غزة. الجانب السلبي لهذا الاتجاه هي النتيجة التي سيؤول إليها والمتمثل في توتر العلاقات الإسرائيلية-المصرية، لأن مصر ستفعل قصارى جهدها لتجنب تحمل المسؤولية عن غزة وستصوّر هذا الرأي على أنه خطوة لتقسيم الشعب الفلسطيني. وعلاوة عل ذلك، سيؤكد منتقدي إسرائيل في الأمم المتحدة وغيرها من المحافل الدولية بوجوب بقاء إسرائيل مسؤولة عن قطاع غزة لأنها ستواصل السيطرة على مجاله الجوي وخطه الساحلي. أخيراً، ستخشى المؤسسة العسكرية الإسرائيلية أن يؤدي فتح معبر رفح إلى زيادة فرص تدفق الأسلحة إلى داخل غزة.

"شن هجوم بري في جنوب قطاع غزة" لتدمير الأنفاق التي تستخدم كممرات لتهريب الصواريخ الأكثر تطوراً كقذائف الكاتيوشا أو صواريخ غراد الأبعد مدى، و/أو شن هجوم بري شمالي القطاع على منصات إطلاق الصواريخ الفلسطينية. وفي حين أنّ هدف الهجوم البري في جنوبي القطاع سيكون وقف تدفق الأسلحة، فإن هذا التكتيك يحمل في طياته أيضاً خطر تحول الجنود الإسرائيليين إلى أهداف في حرب مدن تتسم بالفوضى. وعلاوة على ذلك، سيسمح لـ«حماس» استغلال نتائج إصابة المدنيين بصورة عرضية – مما يجلب لها التعاطف على شاشات المحطات الفضائية العربية – وذلك للتأثير على الحكومات العربية لكتم معارضتها لـ«حماس». وإذا كانت إسرائيل تريد فعلاً السيطرة على المنطقة الحدودية بين مصر وغزة، فعليها أن تفكر ملياً - من هي [القوة] التي تراها مسؤولة عن ضبط المنطقة بعد انتهاء القتال. هل ستكون إسرائيل؟ أم السلطة الفلسطينية برئاسة محمود عباس؟ أم قوة مسلمة يقودها جيش مجرّب له علاقات مع إسرائيل كتركيا؟

"شن هجوم بري واسع النطاق على غزة لطرد «حماس» منها". يقول مسؤولون أمنيون إسرائيليون إنّ إعادة احتلال قطاع غزة قد تستغرق فترة تصل إلى عام كامل. ويرى كثيرون أنه إذا اتبعت إسرائيل هذا المسار فستفقد العديد من جنودها في حرب المدن، وربما تواجه معارضة دولية لا قبل لها بها، وتهدي طهران نصراً محتملاً بتوحيد العرب ضد إسرائيل. ويقول آخرون إنّ الهدف يستحق المخاطرة أياً كان الثمن.

غزة وإدارة أوباما

إنّ عدد المتغيرات [في المعادلة] أكبر من أن يسمح بالتنبؤ الدقيق بكيفية تأثير الصراع على الإدارة الأمريكية الجديدة. ومن المعقول الاعتقاد بأنّ إسرائيل سترى بأنّ هناك الكثير من المزالق لهذا العملية إذا تم الإستمرار بها حتى موعد تنصيب الرئيس الأمريكي المنتخب باراك أوباما؛ فقد يكون المشهد مختلفاً جداً في 20 كانون ثاني/يناير عما هو الآن. وإذا وضعت تفصيلات العملية جانباً، لا بد لواشنطن من أن تفكر جدياً في كيفية التعامل مع الطبيعة المتغيرة للحرب ومدى تأثير هذه الحرب على حل النزاع. لقد حل محل الحروب [التقليدية] بين الدول التي سادت الصراع العربي-الإسرائيلي منذ عام 1948 حتى عام 1973، لاعبين ليسوا دولاً يقومون بإطلاق النار بصورة عشوائية - من مناطق انسحبت منها إسرائيل – في الوقت الذي يقيمون فيه بين ظهراني سكان مدنيين، ثم توقعهم الحصانة من الانتقام.

لا بد من معالجة هذه الطبيعة المتغيرة للحرب ضد المدنيين بصورة مباشرة، إذا كان ذلك يتعلق بالانتفاضة الفلسطينية بين عامي 2000 و2004 أم حرب حزب الله في عام 2006 أم معركة غزة في عام 2008. إن عدم القيام بذلك سيضمن عملياً استمرار إسرائيل في نهجها السياسي - حول موضوع التخلي عن أراضي في الضفة الغربية - بصورة اكثر تشدداً، مما يدحض أية آمال لتحقيق تسوية قائمة على حل الدولتين.