أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

مذكرات سياسية 22

ترسانة الصواريخ الإيرانية والمحادثات النووية

فرزين نديمي

متاح أيضاً في English

كانون الأول/ديسمبر 2014


في أواخر تشرين الثاني/ نوفمبر 2014 وافقت إيران ومحاوريها في «مجموعة الخمسة زائد واحد» (بريطانيا والصين وفرنسا وروسيا والولايات المتحدة، إضافة إلى ألمانيا) على تمديد المحادثات النووية لسبعة أشهر. وفيما يستمر الطرفان في المضي قدماً نحو التوصل إلى اتفاق شامل، تبقى مسألة حاسمة عالقة تشمل قدرة الصواريخ الباليستية الإيرانية والمقاربات الواقعية الموجودة لمعالجتها من دون  نسف المحادثات.

تمتلك إيران بالفعل أكبر ترسانة من الصواريخ الباليستية والصواريخ في منطقة الشرق الأوسط، كما أن الجمهورية الإسلامية طوّرت القدرة الوحيدة في المنطقة على إطلاق الأقمار الصناعية إلى جانب إسرائيل. يُذكر أن برنامج الصواريخ الإيرانية متقدم نسبياً وفي طور التقدم، ويشمل كادراً من المهندسين والفنيين الماهرين الذين يعملون في إطار "منظمة الصناعات الجوية الفضائية" بوزارة الدفاع الإيرانية القوية سياسياً، والتي لديها أكثر من عشرين شركة تابعة لها، منذ عام 1993. ويُعرف «الحرس الثوري الإسلامي» الإيراني بأنه فرع المنظمة الأكثر نشاطاً في مجال التطوير وأكبر المستخدمين النهائيين، وخاصة منذ ثماني سنوات عندما أنشأ مركز أبحاث للصواريخ والفضاء الخاص به لتعزيز أنشطة الصواريخ. وقام «الحرس الثوري الإسلامي» بعد ذلك بدمج المركز مع منظمة "جهاد الاكتفاء الذاتي" الخاصة به. بالإضافة إلى ذلك، تُوفر أربع وعشرين جامعة على الأقل في إيران دورات دراسية في هندسة الطيران المتقدمة. وفي الواقع، ووفقاً لنظام تصنيفات المجلات العلمية، كتب الإيرانيون في عام 2013 مقالات أكاديمية حول هندسة الطيران أكثر من الروس، على الرغم من حكم إيران الذي يمنع الباحثين العاملين في المشاريع العسكرية من نشر مقالات في المجلات الدولية.

وتعتمد إيران، بقوتها الجوية المنحطة وقدراتها البحرية الرمزية في المياه، بشكل كبير على الصواريخ الباليستية في قدرتها على تحقيق الضربات طويلة المدى. لذا، لم يكن من المفاجئ أن يقوم وزير الدفاع الإيراني حسين دهقان في أيار/مايو الماضي باستبعاد قيام أي مفاوضات حول ترسانة الصواريخ الإيرانية "الدفاعية والتقليدية والرادعة"، وهو موقف اتخذه مراراً وتكراراً قادة «الحرس الثوري الإسلامي» الآخرين.

ونظراً إلى هذه العوامل الأساسية، سيكون من غير الواقعي أن نتوقع من إيران أن توقف وحدها برنامج صواريخها أو أن تفككك ترسانتها، إلا أن الإيرانيين ربما لا يزالون يحظون بالتشجيع على اتخاذ تدابير للشفافية والالتزام ببعض آليات التسقيف أو حتى إنهم قد يكونون مضطرين إلى ذلك. فالعمل على تحقيق مثل هذه الأهداف قد يتطلب النظر في قضايا مهمة مثل المدى والحمولة، والدقة، والاختبار، وقدرات التنمية التقنية المحلية المرتبطة بالصواريخ الإيرانية.

المدى

في أعقاب "حرب الخليج" في عام 1991، حظر قرار مجلس الأمن رقم 687 على العراق إنتاج واستخدام صواريخ أرض-أرض يتعدى مداها 150 كلم. يُذكر أن المنهجية التي اتُبعت تجاه العراق تطلبت برنامج رصد تدخلي واسع النطاق لن تقبل به إيران ببساطة، ولكن من دون وجود آلية مراقبة معقدة، لن تُجدي هذه المنهجية نفعاً بالنسبة إلى إيران. كما وأنه لا يمكن للقيود التي توضع على المدى فقط أن تخفف من التهديد المتصور للصواريخ الإيرانية، حيث أن دول الخليج الجنوبية والقوات الأمريكية المتمركزة حول إيران قريبة جغرافياً من مواقع محتملة لإطلاق الصواريخ، والعديد منها ضمن مساحة 150 كيلومتراً من الشواطئ أو الجزر الإيرانية. إلى جانب ذلك، يمكن لإيران الاحتفاظ بالمعرفة التقنية والمعدات اللازمة لتوسيع مدى الصواريخ الموجودة أو تصنيع نماذج جديدة بعيدة المدى فور فشل أحد أنظمة الحظر.

وفي هذا الإطار، أعلنت إيران عن أن سقف قدرات صواريخها أرض- أرض يبلغ 2,000 كلم، ويفترض أن ذلك جاء بأمر من المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي. غير أن هذا يتخطى بكثير الـمدى اللازم للوصول إلى إسرائيل من الحدود الإيرانية والذي يبلغ 1200 كلم. وقد نفى قادة إيران البارزين بصراحة أي مصلحة في تطوير صواريخ بعيدة المدى، بما في ذلك الصواريخ الباليستية العابرة للقارات التي يمكن أن تصل إلى مدى 5,500 كلم وما يتعدى ذلك، على أساس أن هذه الصواريخ لا تندرج في إطار العقيدة الدفاعية العسكرية الإيرانية. ومع هذا، تبرز أدلة تشير إلى عكس ذلك. إذ إن قائد "القوات الجوية الفضائية" في «الحرس الثوري الإسلامي» (مع إضافة مصطلح "الفضائية" ظاهرياً للدلالة على الدور الموسع للقوات)، العميد أمير علي حاجي زاده أعلن مؤخراً عن أن إيران لم تتوقف عند مدى 2,000 كلم، واستمرت في تطوير صواريخ ذات مدى أطول "من دون أي قيود". كما وتفاخر في مناسبة أخرى بأن "القوات الجوية الفضائية" سترد على أي عدوان ضد إيران، وذلك ليس فقط من خلال تدمير المدن الكبرى في إسرائيل ولكن عبر نقل الحرب إلى "داخل حدود الولايات المتحدة".

وبشكل منفصل، فإن شقيق الجنرال حسن طهراني مقدم - الذي ترأس سابقاً برامج إطلاق الصواريخ والصواريخ الفضائية الإيرانية وقتل خلال اختبار فاشل لصاروخ يستخدم الوقود الصلب في تشرين الثاني/نوفمبر 2011 - قام بالتلميح بشكل غير مقصود إلى برنامج متقدم لتطوير صواريخ باليستية عابرة للقارات تحت إدارة شقيقه المتوفي، إلا أنه سريعاً ما تمت إزالة تصريحاته هذه من وكالات الأنباء الإيرانية. وفي السياق نفسه، فإن بعض التصريحات الأخيرة التي أدلى بها ضباط «الحرس الثوري الإسلامي»، بمن فيهم فتح الله أمي المستشار العلمي للرئيس حسن روحاني وزميل سابق للجنرال مقدم، إشارت إلى أن المشروع الذي كان يعمل عليه مقدم قد اكتمل الآن، في شكل "الرادع البالغ السرية وهو صاروخ قائم ذي أربعة مراحل يعمل بالوقود الصلب وقادر [أيضاً] على رفع قمر صناعي إلى مسافة تصل إلى 1,000 كلم من مدار الأرض". ويبدو أن استخدام المستشار أمي لهذه التعابير الغامضة كان متعمداً، ولا بد للمرء من أن يلاحظ الغرابة في اعتبار مركبة إطلاق فضائية على أنها "رادع". وفي الواقع، إن تحقق ذلك، يمكن أن يشكل خطوة مؤقتة كان "المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية" قد قدّر أنه من غير المحتمل أن تحققها إيران قبل عام 2018 ضمن مسيرتها نحو انتاج الصواريخ الباليستية العابرة للقارات.

يمكن القول إن استخدام مركبة إطلاق فضائية كـ "رادع" سيتطلب أكثر من مجرد تبديل الحمولة، ولكن نظراً إلى أن برنامج إيران السري الخاص بمركبات الإطلاق الفضائية يشمل طاقم عمل تابع بأكمله للمؤسسة العسكرية وأن البرنامج نفسه تحت إدارة المؤسسة العسكرية، التي أعلنت مؤخراً عن اتخاذ المزيد من الخطوات للوصول إلى مدارات أعلى مع حمولات أكثر ثقلاً، ثمة مساحة كبيرة للشك في هذا الإطار. ولا توجد العديد من الاختلافات الأساسية بين مركبة إطلاق فضائية وصاروخ، إذ لا يفصل بينهما سوى المتطلبات التشغيلية بعد إنشاء مسار تنموي مشترك. يُذكر أن إيران أعلنت عن خطط طموحة متعلقة بمركبات الإطلاق الفضائية، بما في ذلك إطلاق مهمة شبه مدارية تشمل عناصر بشرية بحلول عام 2016 وبدء انتاج مركبات إطلاق فضائية قادرة على وضع أقمار صناعية في المدار الأرضي الجغرافي المتزامن على بعد 36,000 كلم، إلا أن إيران تتمتع أيضاً بتاريخ حافل من الإعلان عن أهداف لإطلاق الأقمار الصناعية والفشل في النهاية في تحقيقها.

قد تكون إيران قد طورت، أو حتى كانت قادرة على تطوير، التقنية لتحويل مركبات إطلاق فضائية إلى صواريخ باليستية عابرة للقارات مؤقتة، إلا أن زيادة براعة هذه الصواريخ الباليستية العابرة للقارات من خلال تصميم أكثر احكاماً للصواريخ، ونظام دفع سائل جديد، أو درجة أعلى وأكثر كفاءة من الوقود الصلب، كلها أمور قد تكون أكثر صعوبة.

الحمولة

يريد العالم أن يتأكد من أن الجمهورية الإسلامية لا تقوم بتسليح صاروخ أو أي منصة أخرى برأس حربي نووي بأي شكل من الشكال أو بأي نوع. ولم تتمكن "الوكالة الدولية للطاقة الذرية" و«مجموعة الخمسة زائد واحد» حتى الآن من توضيح التقارير حول جهود التسليح الإيرانية، بما في ذلك تصميم رأس حربي نووي صغير بما يكفي ليتناسب مع الصواريخ الباليستية، وإن تطوير إيران لمثل هذه الرؤوس الحربية يقوم على أساس التخمين والأدلة غير المؤكدة. وللحصول على مثل هذه القدرة، ستحتاج إيران إلى اختبار عدة تصاميم لرؤوس حربية وزنها 1,000 كلغم على الأقل وتتمتع بأبعاد مناسبة لتنقل عبر الصواريخ. وتشكل هذه مهمة هائلة دفعت بتكهنات حول إمكانية تخلي إيران عن إطلاق الصواريخ بشكل تام واستخدامها بدلاً من ذلك وسائل أخرى لإيصال سلاحها النووي المستقبلي.

الدقة

تشكل الدقة نقطة خلاف أخرى. فوفقاً للمعلومات غير السرية، من غير المعروف بشكل رسمي الخطأ الدائري المحتمل للصواريخ الإيرانية متوسطة المدى، ولكن يُعتقد أن دقة صاروخ "شهاب 3" أكبر بكثير من الدقة التي تتوقعها مصادر غربية والتي تبلغ 2,500 متر، وهي في الواقع أقرب إلى 250 متراً. ومع الأخذ بعين الاعتبار تاريخ إيران الطويل من التصريحات التي لم يتم التحقق منها حول أجهزتها العسكرية، أعلنت إيران عن إحراز تقدم ملحوظ في أنظمة التوجيه والتحكم من خلال الجمع بين أنظمة الملاحة بالقصور الذاتي مع تقنية الملاحة الفضائية بنظام غلوناس/نظام التموضع العالمي والجيروسكوبات المضبوطة بشكل دينامي. كما وتزعم إيران أنها صممت ونفذت أنماط مختلفة من أنظمة التوجيه النهائي لمجموعة الصواريخ الخاصة بها من "فاتح 110 دي" ومجموعة خليج فارس /هرمز، والتي من الممكن أن تتوصل إلى خطأ دائري محتمل يقل عن 10 أمتار. أما حول ما إذا كانت إيران قد حققت بالفعل هذا التقدم الذي أعلنت عنه أم لا، فإن مثل هذه المزاعم تعكس طموحات البلاد. ومن غير المرجح أن توافق إيران على وضع قيود على قدرتها على تحسين دقة تصاميمها الصاروخية، وحتى لو قبلت بذلك، فإن الإشراف على الامتثال بهذه القيود سيشكل تحدياً كبيراً.

الاختبار

على الرغم من أنه يُعتقد بشكل عام أن إيران لم تُظهر عن امتلاكها لهذا النوع من برامج الطيران الاختباري الضرورية لإنتاج الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، إلا أنه لا بد للمرء أن يتذكر أن إيران أطلقت بنجاح مركبات فضائية بمرحلتين في ثلاث مناسبات على مدى السنوات الست الماضية، كما برهنت عن بعض الكفاءة في مجال التكنولوجيا على غرار ما يخص تكامل المحرك، وتعدد المراحل، والفصل المداري، وإعادة الدخول الجوي. ومن أجل تحقيق تطوير كامل لتصميم صاروخ كبير متعدد المراحل ومعقد ومصمم لأغراض عسكرية، ستحتاج إيران، وفق المبدأ الأساسي الذي يحدده الخبراء، إلى إجراء ما لا يقل عن أربعين اختباراً لإطلاق الصواريخ على مدى عقد من الزمن. إلا أنه يجوز القول أنه يمكن تقليص هذا العدد من خلال الاستخدام المكثف لعمليات محاكاة الحاسوب، واستخدام صواريخ ذات تنمية متخصصة مدمجة في برامج أخرى، فضلاً عن إجراء اختبارات واسعة النطاق على الأرض. ويبدو أن الجمهورية الإسلامية كانت قد تبنت هذه الخيارات. هذا وتتعاون إيران بشكل وثيق مع كوريا الشمالية في مجال تقنية الصواريخ، ويمكن أن نتوقع أن تستعين بكوريا الشمالية لإجراء تجاربها الصاروخية إن لزم الأمر. لذا، فإن تنفيذ حظر ناجح على تجارب الصواريخ التي يتعدى مداها مدىً معيناً سيشكل هو الآخر تحدياً كبيراً أيضاً.

التقنية المحلية

تفترض أجهزة الاستخبارات الأمريكية أن إيران تتلقى مساعدة من روسيا أو كوريا الشمالية عند تقييم قدرة الجمهورية الإسلامية في مجال الصواريخ الباليستية العابرة للقارات. بيد أنه من المرجح أن إيران قد وصلت بالفعل إلى مستوى كوريا الشمالية من حيث التقنية أو حتى تخطته، وذلك انطلاقاً من المقارنة بين عمليات إطلاق الأقمار الصناعية الناجحة التي قامت بها الدولتان. ومن غير المرجح إلى حد بعيد أن تقدم روسيا، أو الصين في هذا الصدد، لإيران أي تكنولوجيا حاسمة لازمة لإتمام الصواريخ الباليستية العابرة للقارات.

لقد احتفلت طهران مؤخراً ببرنامج صواريخها الذي أصبح الآن "محلياً بشكل كامل" وذلك من خلال مؤتمر دام عشرة أيام. وفي حين تدور نقاشات حول مستوى خبرة إيران التكنولوجية فيما يتعلق بالصواريخ الباليستية، فإن تاريخ التشكيك الغربي بالقدرات الإيرانية جدير بالذكر. وتشمل الأمثلة على ذلك استبعاد قدرة الجمهورية الإسلامية على تشغيل أنظمة الأسلحة الحديثة الأمريكية الصنع وصيانتها بعد ثورة عام 1979؛ واستبعاد عملية إطلاق أول قمر صناعي محلي إيراني باعتبارها عملية فاشلة؛ والاستخفاف بقدرة إيران على تصنيع أعداد كبيرة من أجهزة الطرد المركزي وإنتاج كميات كبيرة من اليورانيوم المنخفض التخصيب. إن مجرد حقيقة أن إيران تبني صاروخاً يبلغ مداه 2,200 كلم، إلى جانب إرسال تشكيلة من مركبات الإطلاق الفضائية الناجحة وكبسولات إعادة الدخول الجوي، تظهر أن البلاد أحرزت تقدماً كبيراً.

وفي الوقت نفسه، يمكن استنتاج نوايا إيران من حلقة "شكفال" (the Shkval episode)، حيث كشفت وثائق إيرانية تم تسريبها على شبكة الانترنت عن وجود خطة مع روسيا يعود تاريخها إلى عام 2004 لاختبار إطلاق طوربيد "شكفال" الصاروخي الفتاك ذو السرعة العالية والتجويف الكبير في مياه الخليج العربي. كما كشفت الوثائق بالتفصيل عن خطة إيرانية وضعت في عام 2009 تدرس بموجبها "منظمة الصناعات الجوية الفضائية" بوزارة الدفاع الإيرانية هذا السلاح المتطور وتعكس هندسته في النهاية. يُذكر أنه ليس هناك أي دليل واضح يشير إلى أن إيران قد حققت هذه الطموحات، ولكن هذه الوثائق نفسها تظهر الأهداف الإيرانية.

يجب أن تستند جميع هذه النقاشات على فهم صناعة الصواريخ الباليستية الإيرانية، والتي بدأت في أواخر الثمانينات مع استيراد خطوط تجميع صواريخ "سكود بي" و "سكود سي" من كوريا الشمالية والصين. وفي الوقت نفسه، أطلق الإيرانيون برنامج الهندسة العكسية لاستحواذ التكنولوجيا والعمليات المرتبطة بها. وقد استمر هذا المسار مع تطوير صواريخ "شهاب 3" الباليستية متوسطة المدى التي تعمل على الوقود السائل لكنه تباين مع قرار الجنرال مقدم على التركيز بدلاً من ذلك على الصواريخ المتعددة المراحل التي تعمل بالوقود الصلب.

وانطوى هذا القرار على مخاطر ولكن يبدو أنه قد أدى إلى أكثر المشاريع الواعدة في إيران، وهي صواريخ "سجيل" و "فاتح". وبعدما تم تصميم أول مركبات لإطلاق صواريخها من طراز "سفير" و "سيمرغ" بعد صواريخ "شهاب" الأصلية التي تعمل بالوقود السائل، يبدو الآن أن إيران عادت لتتبع رؤية الجنرال مقدم باستخدام تصميم يعمل بالوقود الصلب لأحدث مركبة لإطلاق صواريخ "قائم". وعلى الأقل حتى الحادث المميت الذي وقع في عام 2011، والذي قُتل فيه كبار مسؤولين آخرين إلى جانب الجنرال مقدم، تمتع البرنامج الإيراني بما يقارب ثلاثة عقود من القيادة المستقرة. وإذا أضفنا إلى ذلك الاستخدام الإيراني الفعال للعناصر التكنولوجية ذات الاستخدام المزدوج، والتي يمكن الحصول عليها بسهولة أكبر في هذه الأيام، نكون نشهد بالتالي برنامجاً عسكرياً قوياً سيكون من الصعب أن يخضع لتدابير الرقابة.

الخيارات السياسية

قد تحتاج إيران إلى سنوات لتطوير صواريخ أكثر تهديداً لكن يبدو أنّ قيادتها تكرّس نفسها لمتابعة هذه الإمكانيات وهذا لا يبشر باستقرار المنطقة. وعليه فقد أصبح من الأساسي معالجة هذه القضية.

ليس هناك شك في أنّ المسألة النووية هي في صلب مفاوضات «مجموعة الخمسة زائد واحد»، إلا أنّ السعي سرّاً إلى إبرام صفقة سلاح "جانبية" في هذا الإطار قد يكون أمراً مفيداً. ونظراً إلى سيطرة الجمهوريين على مجلس الشيوخ الأمريكي، قد يتمّ قريباً التدقيق وإمعان النظر بالنشاط المزعوم المتعلّق بالصواريخ وبالتالي فإنّه يمكن إقناع الإيرانيين بالعمل الآن - على الملف النووي الأوسع وعلى الصواريخ بشكل خاص - طالما أن المناخ يبدو متعاطف نسبياً.

في عام 2010، أصدر مجلس الأمن الدولي القرار رقم 1929 طالب فيه إيران بشكل عام بتعليق أي تطوير واختبار متصل بالصواريخ الباليستية "القادرة على إيصال أسلحة نووية". وعلى الرغم من أن إيران رفضت حتى الآن هذا القرار وقرارات أخرى مماثلة، لا يزال من الممكن استخدام القرار رقم 1929 كمنطلق أساسي لإقناع الجمهورية الإسلامية الإيرانية بإعادة النظر في إفتراضاتها الأساسية وأهدافها من تطوير صواريخ بعيدة المدى. وقد يكون من بين الخطوات الفعّالة في هذا المجال، إقناع إيران بوضع برنامجها لمركبات الإطلاق الفضائية تحت السيطرة والإشراف المدني بشكل كامل وقابل للتحقق - بعيداً عن الأنشطة العسكرية. ويمكن أن يحقق مثل هذا التعهد مستوى معيّن على الأقل من الشفافية في البرنامج؛ وفي المقابل، يمكن تقديم مساعدة لإيران في مجالات معينة من الاستكشاف السلمي للفضاء.

وتشمل المسائل الأخرى الجديرة بالدراسة الأولية، ترسيخ التزام إيران المعلن بسقف 2,000 كلم في نطاقات الصواريخ، بالإضافة إلى وضع بعض القيود على عملية الاختبار. وقد تجنبت إيران خلال العام الماضي اختبار علناً إطلاق صاروخ جديد أو محدّث متوسط إلى طويل المدى ، وتشير تقارير غير مؤكدة إلى أن الرئيس روحاني قد فرض حظراً في هذه الفترة على عمليات الإطلاق الفضائي البارزة، ربما لتفادي حدوث أي تشويش على المفاوضات النووية، أو حتى ربما لأسباب فنية. وقد يكون من المفيد إقناع إيران بمتابعة هذا المسار، والإتفاق على عدم القيام بعمليات إختبار في كوريا الشمالية أو أي مكان آخر. ويجب أن تفهم إيران أن أياً من هذه الإتفاقيات سينطبق على كافة أنحاء النظام الحاكم في البلاد حيث يمكن لعناصر من «الحرس الثوري الإسلامي» الإيراني أن ترغب في متابعة برنامج مخفي عن أنظار أعضاء معينين في القيادة المدنية. وقد يشبه مثل هذا النهج ما قام به المسؤولين في السلاح الجوي الأرجنتيني، الذين أخفوا في عام 1980 تطوير صاروخ "كوندور" البالستي عن أعضاء آخرين في القيادة.

وبالإضافة إلى ذلك، يمكن للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي الضغط من أجل تكليف هيئة من الأمم المتحدة على غرار "مكتب الأمم المتحدة لشؤون نزع السلاح" بمواصلة المفاوضات مع الجمهورية الإسلامية في ظل تفويض منفصل، بما في ذلك التوصّل إلى معاهدة إقليمية حول تقييد الصواريخ. كما يمكن تشجيع إيران على الدخول في اتفاقية "الحد من انتشار الصواريخ الباليستية" في لاهاي والدخول في شراكة مع "نظام مراقبة تكنولوجيا القذائف".

ينبغي أن ينصبّ التركيز الدولي الآن على إنشاء نظام قابل للتطبيق لمراقبة جهود الصواريخ الإيرانية. ونظراً لأنه بإمكان الإيرانيين تطوير صواريخ باليستية متوسطة المدى وصواريخ عابرة للقارات بحلول العقد المقبل، فإن مثل هذه الخطوة قد تكون أكثر فعالية من مجرد الحد من الوصول الإيراني إلى المكونات والمواد المتاحة على الصعيد الدولي، والذي من شأنه أن يؤخّر البرنامج ليس إلا. ومع انخفاض أسعار النفط، آن الأوان للقول أنه بدلاً من تكبد مخاطر هائلة تتعلّق بتطوير الصواريخ العابرة للقارات، يمكن أن تستفيد إيران من الاستثمار في البنية التحتية والمجالات الاجتماعية والبيئية التي من الواضح أنها متخلفة في البلاد.

 

فرزين نديمي هو محلل متخصص في الشؤون الأمنية والدفاعية المتعلقة بإيران ومنطقة الخليج العربي ومقره في واشنطن. وقد سبق أن كتب مقالات لمعهد واشنطن بشأن استراتيجية الحرب البحرية لطهران، وهو مؤلف "المجهر السياسي 87" حرب إيران البحرية غير المتناسقة، الذي صدر باللغة الإنكليزية تحت اسم فاريبورز هاغشناس.