أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المرصد السياسي 1904

التدخل غير المباشر في سوريا: صياغة رد فعّال للأزمة

جيفري وايت

متاح أيضاً في English

21 فبراير 2012


 

"تقل احتمالية نجاح التدخل غير المباشر في سوريا عن التدخل المباشر، لكنه قد يكون أكثر قابلة للتحقيق على نحو يمنح أبناء الشعب ما يحتاجونه من الوقت والمساعدة لتحرير أنفسهم."

 

قد يكون للتدخل العسكري الدولي المباشر تأثير حاسم على الوضع في سوريا، مثلما كان الحال في ليبيا، لكن يبدو أن الولايات المتحدة والمجتمع الدولي قد استبعدا ذلك الخيار لأسباب عديدة، من بينها قدرة قوات النظام على الرد، وافتقار المعارضة إلى التنظيم والخوف من نفوذ السلفيين وقدرتهم على مفاقمة العنف وغياب الإرادة السياسية. إن التدخل غير المباشر - وهو توفير المساعدات العسكرية والسياسية لمعارضي النظام المسلحين وغير المسلحين - يوفر خياراً بديلاً يمكن أن يحقق النجاح بتكلفة ومخاطر أقل.

وقد يتطلب هذا النوع من التدخل حملة، سواء علنية أو سرية، لتزويد المعارضة السورية بوسائل لمقاومة النظام وإحداث اضطراب في عملياته العسكرية وإضعاف إرادته للقتال وإعاقة قدرة الدولة على العمل. وقد تم استخدام وسائل لتحقيق هذه الغايات ضد ليبيا في ظل حكم معمر القذافي وكان لها تأثير كبير، وكذلك في أفغانستان ضد السوفيت، وضد قوات الاحتلال الألمانية والمتعاونين معها خلال الحرب العالمية الثانية. وتشمل تلك الأساليب والوسائل - المقاومة المسلحة والتخريب والحرب السياسية والمقاومة المدنية. وبالفعل يستخدم الشعب السوري هذه الأساليب، لكن ليس بطريقة مُنسّقة أو مُنظّمة أو مدعومة بشكل جيد. وباستطاعة الولايات المتحدة والبلدان الأخرى أن تقدم للمعارضة المساعدة التي تحتاجها لتدشين جهود مقاومة وطنية يمكن أن تُسقط النظام.

الأسباب المنطقية وراء التدخل غير المباشر

يتعين أن يكون نطاق وطبيعة التدخل ملائمين للنزاع، ولنقاط القوة والضعف لدى النظام، ولقدرات المعارضة واحتياجاتها. إن الوضع في سوريا هو عصيان مسلح - انتفاضة شعبية ضد الحكومة - يحظى بدعم عريض، وإن كان غير عالمي. وتتواصل عناصر المقاومة داخل سوريا - المسلحة وغير المسلحة - على المستوى المحلي وتتعاون فيما بينها، لكنها غير متكاملة تماماً ولا تستجيب لقيادة سياسية أو عسكرية واحدة أو متناسقة. كما أن عناصر المقاومة خارج سوريا ضعيفة ومنقسمة، حيث لا تحظى سوى بنفوذ محدود على الوضع داخل البلاد.

ورغم أن النظام يواجه ضغطاً متزايداً من داخل سوريا وخارجها، إلا أنه ما يزال متماسكاً بدون أي تشققات قاتلة حتى الآن. فهو متمسك "بالحل الأمني" - من أجل كسر المعارضة المسلحة وغير المسلحة بقوة ساحقة. وبقيامها بذلك، تعتمد دمشق على الدعم السياسي والدبلوماسي والعسكري والاقتصادي من بعض الحلفاء، وهم تحديداً روسيا وإيران و«حزب الله». وفي ظل إعطاء وعود بالإصلاح، فإن الموافقة على السماح للجامعة العربية بالقيام بأعمال المراقبة ووقف إطلاق النار المحلي بين الحين والآخر ما هي إلا مناورات هزلية لكسب الوقت من أجل سحق المعارضة والتلاعب بمنتقدي النظام. وبالنسبة للرئيس بشار الأسد ودائرته الداخلية، فإن هذا هو صراع حياة أو موت ينوون الفوز فيه. نقاط القوة والضعف لدى النظام لكي ينجح التدخل غير المباشر يتعين مهاجمة نقاط القوة لدى النظام واستغلال نقاط الضعف لديه. وتشمل نقاط القوة الرئيسية لدى النظام ما يلي:

• عزم وتماسك دائرته الداخلية

• ولاء الأقليات (العلويين والمسيحيين والدروز)

• دعم القطاعات الاقتصادية الرئيسية (مثل مجتمع الأعمال)

• اختراق المجتمع السوري من قبل أجهزة الأمن والاستخبارات

• الحجم والتسليح الثقيل للجيش وقوات الأمن و"الشبيحة" (ميليشيات النظام)

• القدرة على تخطيط وتنسيق العمليات على نطاق واسع (عبر العديد من الألوية والفرق)

• بنية لوجستية ضخمة تدعم قواته

• بنية اتصالات هائلة تتيح القيادة والسيطرة الفعالة على قواته

ورغم أن حكومة القذافي كانت تتمتع بالعديد من نفس نقاط القوة التي تحظى بها القيادة السورية الحالية، إلا أنها خرجت من السلطة. ويمكن مهاجمة جميع نقاط القوة هذه بطريقة أو بأخرى، وبعض تلك النقاط معرّض للهجوم في سوريا فعلياً.

وتشمل نقاط الضعف لدى نظام الأسد ما يلي:

• سكان ذو أغلبية سنية والقدرة على تعبئتهم

• التصدعات في الجيش بين السنة والعلويين

• النطاق الجغرافي للمعارضة (المسلحة وغير المسلحة)

• طبيعة القتال التي هي مدنية إلى حد كبير

• طبيعة المعارضة (الانتشار/عدم المركزية)

• تعرض خطوط الاتصال وبنية الاتصالات التحتية للتعطيل عن طريق الهجوم أو التخريب أو أعمال المقاومة الشعبية

إن الهجوم على أي من نقاط القوة أو الضعف هذه أو استغلالها وحدها سوف لن يُسقط النظام، لكن التعامل معها كمجموعة لديه الإمكانية لتحقيق نتيجة كهذه.

وبالفعل، أظهرت المقاومة قدرات هائلة للانخراط في أعمال المعارضة المسلحة وغير المسلحة. فقد أفرزت قوات قتالية في ما لا يقل عن سبع من محافظات سوريا الأربعة عشر، يتراوح فيها عدد المقاتلين من سبعة إلى عشرة آلاف - كما يحتمل توافر آخرين عديدين في حالة تزويدهم بالأسلحة. ومن جانبها، أظهرت المعارضة غير المسلحة مرونة لا تُصدق خلال أحد عشر شهراً من الصراع المستمر مع النظام. وبإمكانها تنظيم مئات المظاهرات التي تشمل عشرات الآلاف من الأشخاص في جميع أنحاء البلاد في أي يوم من الأيام، كما تُجري حملات إعلامية نشطة تفضح الإجراءات العنيفة من جانب النظام. وهناك قدرات يمكن البناء عليها. ورغم ذلك، ولكي تبقى المعارضة قوية وتُسقط النظام في النهاية، فإنها سوف تحتاج إلى مساعدة كبيرة في مجالات العمليات العسكرية والتخريب والحرب السياسية والمقاومة المدنية.

إن الولايات المتحدة وآخرين ممن يعدون أنفسهم "أصدقاء سوريا" قادرون على توفير هذه الأنواع من المساعدة. وكلما تحرك هؤلاء "الأصدقاء" بسرعة، كلما كان الوضع أفضل حيث يتخذ نظام الأسد تدابير عنيفة لإنهاء التمرد.

تعزيز أساليب المقاومة

تم استخدام مجموعة كبيرة من الأساليب غير المباشرة في الماضي لتقويض الأنظمة غير الشعبية، وجميعها يتطلب موارد تقل بشكل كبير عن تلك التي يتطلبها التدخل العسكري المباشر. وتقع هذه الأساليب غير المباشرة تقريباً ضمن أربع فئات:

1. بناء قوات قتالية فعالة. تُشكل القوات القتالية القوية الجانب الأكثر أهمية من المقاومة المسلحة. ومن خلال التدخل غير المباشر، تستطيع الولايات المتحدة وآخرون توفير الأسلحة والتدريب لمقاتلي المقاومة فضلاً عن إعطاء المشورة والمعلومات الاستخباراتية الاستهدافية والمساعدة في تنسيق العمليات بما يتجاوز المستوى المحلي. كما أن توفير الأسلحة الصغيرة الإضافية سوف يتيح تسليح المزيد من الأفراد وتشكيل المزيد من مجموعات المقاومة وإرغام النظام على نشر قواته - الواقعة بالفعل تحت الضغط - على مساحات أكبر لتصبح أكثر ضعفاً. وسوف تُساعد الأسلحة المقاوِمة للدبابات وقذائف الهاون على الحد من ميزة النظام المتمثلة في الأسلحة الثقيلة. وبشكل إجمالي، فإن القوات القتالية الأكثر قوة سوف تتيح للمعارضة اعتراض عمليات النظام بمزيد من الفعالية مما سيدفع حدوث المزيد من الاستنزاف في قوات النظام وإضعاف معنويات من يبقى منهم في ميدان المعركة، والسماح بتنفيذ هجمات موسعة على قيادة النظام وتحكمه وبنيته التحتية اللوجستية. وبالفعل تنخرط قوات المقاومة القتالية في هذه الأنواع من الإجراءات وتُحدِث بعض التأثيرات. ويمكنها القيام بالمزيد في حالة حصولها على المساعدات.

2. بناء قدرات معززة لتنفيذ عمليات التخريب. سوف تُوجه مثل هذه العمليات ضد قدرات النظام الهامة، بما في ذلك الجيش والأمن والأهداف الاقتصادية، وكذلك الأرصدة الشخصية لمناصري النظام (الشركات والمنازل والسيارات). وهناك بداية لحملة تخريب بالفعل. فقد تم نشر توجيهات "تعليمية" على مواقع الإعلام الاجتماعي السورية حول سد الطرق ومهاجمة المركبات اللوجستية - بما في ذلك ناقلات الدبابات وشاحنات الوقود - مع قطع كابلات الاتصال المحورية التي تخدم المطارات الجوية وتدمير أبراج الاتصالات السلكية واللاسلكية وتخريب محركات المركبات القتالية وغيرها من المركبات التي تستخدمها القوات الحكومية (عن طريق "تحلية" خزانات الوقود) والهجوم على السكك الحديدية وخطوط الأنابيب. وهناك أدلة تشير إلى أنه يجري تنفيذ هذه التعليمات. ويمكن أن تكون الأعمال التخريبية أكثر فعالية من خلال التخطيط الأفضل والتنسيق وزرع العبوات الناسفة والاستهداف واتباع الأساليب المختلفة. كما يمكن توفير المساعدة في كل من هذه المجالات من جانب أي عدد من أجهزة المخابرات ووحدات القوات الخاصة. ويؤدي التخريب إلى إلحاق الضرر بالنظام وإعاقة قدرته على الحكم وإرغامه على مد خطوط قوته بشكل أكبر.

3. دعم حملة للحرب السياسية. سوف تستهدف مثل هذه الحملة التقويض بصورة أكثر من قدرات النظام على الحكم. ويمكن أن تشمل الإجراءات معلومات وعمليات نفسية تستهدف النظام والتشويش على اتصالات الحكومة السورية (الإذاعة والتلفزيون والجيش) وتقويض الولاء للنظام من خلال منح حوافز أمنية مالية أو شخصية (على سبيل المثال، الإعفاء من المحاكمة وإعطاء التأشيرات ومنح عروض اللجوء).

4. بناء مقاومة مدنية (غير مسلحة) أكثر فاعلية. حالياً، تشترك المعارضة المدنية على الأغلب في نشاط إعلامي ومظاهرات. لكن تنسيق حملة مقاومة مدنية منسقة قد يكون له نطاق أكبر وأوسع تأثيراً. وكما هو الحال مع أعمال التخريب، فإن حملة مقاومة من هذا القبيل يوجد لها بالفعل أساس في سوريا، وتشمل هجمات عامة ومحلية وأنشطة إعلامية للمعارضة ومظاهرات واسعة النطاق. ففي 17 شباط/ فبراير 2012، أحصت منظمة "لجان التنسيق المحلية" في سوريا قيام أكثر من ستمائة مظاهرة ضد النظام في ذلك اليوم. يجب دعم المنظمات المسؤولة عن هذا النشاط بالتمويل ووسائل الاتصال الآمن والموثوق وأي أدوات أخرى قد تكون مفيدة. وبالإضافة إلى ذلك، يمكن تحفيز جماعات أخرى وأفراد في المجال الاقتصادي في سوريا لتنظيم عمليات إبطاء في الإنتاج والقيام بإضرابات، أو تعطيل الآليات المالية وزعزعة استقرار العملة وإعاقة حرك الطرق والسكك الحديدية. وقد تم بالفعل نشر توجيهات على الجمهور حول كيفية المشاركة في هذه الانواع من الإجراءات، وذلك من قبل أشخاص مجهولين عبر الإعلام الاجتماعي السوري، لكن من الممكن القيام بالمزيد.

إن الهدف من هذه الأساليب هو شن حملة منسقة وقوية تخلق تأثيرات متلاحقة تعزز بعضها البعض، مما يجعل النظام في وضع متزايد الصعوبة ويؤدي إلى انهياره في النهاية.

الاحتمالات

حتى في حال شن مثل هذه الحملة، فإنه لا يمكن ضمان النتائج المرجوة. فالتدخل غير المباشر، على النحو المبين هنا، سوف يستغرق بعض الوقت لكي يؤتي ثماره وسوف يواجه بدون شك بعض الانتكاسات. يتعين إعطاء التحذيرات المعتادة حول التبعات غير المقصودة، بما في ذلك احتمالية تفاقم الوضع في سوريا، وهو ما قد يتدهور إلى حالة من الجمود تكون طويلة ودموية وتفضي في النهاية إلى اندلاع حرب أهلية. كما أن أولئك المتدخلين قد يواجهون مخاطر هائلة: مثل التعرض لعمليات واختراق الأنشطة وخسائر في الأفراد والمواد، وخسائر مصاحبة في صفوف المدنيين.

إلا أن التقاعس عن العمل له أيضاً تكاليفه. فالحرب تدور رحاها في سوريا ضد الشعب. ويقاتل النظام وحلفاؤه من أجل الفوز - وسحق المعارضة المسلحة وغير المسلحة بغض النظر عن الخسائر البشرية والمادية. ولا يجب على المجتمع الدولي أن يسمح للخوف من النتائج المحتملة بالحيلولة دون اتخاذ إجراء الآن، بالنظر إلى الوضع المزري.

إن احتمالية نجاح حملة التدخل غير المباشر تقل بالتأكيد عن احتمالية نجاح التدخل المباشر، لكن ربما تكون أكثر قابلية للتحقيق. ومن المحتمل أن تكون أيضاً أكثر بُطءاً في تحقيق النتائج من التدخل المباشر، لكنها ستمكِّن السوريين الذين يقاتلون النظام من تحرير أنفسهم في النهاية. إن هذا النوع من الحملات سوف يسمح للولايات المتحدة وشركائها بتجسيد نتيجة الصراع، وليس تقريرها. كما سيساعد في تمهيد الوضع للتدخل المباشر إذا قرر المجتمع الدولي بأنه من الضروري التحرك في مثل هذا المسار. وفي الحالة الأسوأ على الإطلاق، إذا بقي النظام في الحكم، فإن التدخل غير المباشر قد يوفر سبلاً لمواصلة النضال بعد ذلك.

 

جيفري وايت هو ضابط استخبارات كبير سابق، وزميل للشؤون الدفاعية في معهد واشنطن ومتخصص في الشؤون العسكرية والأمنية لبلدان المشرق العربي وإيران