أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المرصد السياسي 1832

كيف يمكن لواشنطن العمل مع تركيا حول سوريا؟

سونر چاغاپتاي و أندرو جيه. تابلر

متاح أيضاً في English

14 يوليو 2011


 

"ينبغي للولايات المتحدة العمل مع تركيا وحلفاء آخرين لوقف عنف نظام الأسد، وتجنب الفوضى في حال انهيار النظام والاستعداد لمرحلة ما بعد الأسد."

على الرغم من المشاكل الأخيرة في العلاقات الأمريكية التركية، لدى واشنطن حليف في أنقرة فيما يتعلق الأمر بمخاوف من الانتفاضة الدموية في سوريا. وعلى الرغم من أن العلاقات التركية السورية قد تحسنت على مدى العقد الماضي إلا أن القمع الوحشي الذي يرتكبه نظام الأسد قد خيب أمل أنقرة وقربها بصورة أكثر من الولايات المتحدة حول التفكير في كيفية التعامل مع الاضطرابات.

سياسة تركيا المتغيرة تجاه سوريا

في رد فعلها على الاضطرابات في سوريا كان رد أنقرة التلقائي هو تجنب الصراع. ومنذ عام 2002، تتبع حكومة «حزب العدالة والتنمية» سياسة "تصفير المشاكل مع الجيران" التي شملت التقارب مع سوريا. ومنذ بضعة أشهر على سبيل المثال، كانت الدولتان تعقدان اجتماعات مشتركة بين مجلسي وزراء البلدين. وقد بدأت العلاقات الثنائية في التحسن في أوائل عام 1998 عندما أوقفت دمشق السماح لـ «حزب العمال الكردستاني» بشن هجمات من الأراضي السورية بعد أن هددت تركيا بغزو [سوريا]. ومنذ ذلك الحين أصبح الأتراك لا يرون أن سوريا تشكل تهديداً أو مصدراً لعدم الاستقرار بينما يرى السوريون تركيا كقوة تجارية إقليمية ومتشككة على نحو متزايد من سياسة الغرب تجاه الشرق الأوسط.

ومع ذلك، فإن الاضطرابات في الآونة الأخيرة على طول أطول حدود برية لتركيا واحتمالية نزوح ملايين اللاجئين قد أضرمت من جديد إدراك أنقرة للتهديد القادم من سوريا. كما أن «حزب العدالة والتنمية» قلق بشكل خاص مما سيحدث فيما لو أمر الرئيس بشار الأسد باتخاذ اجراءات قمعية دموية في حلب -- المدينة السورية ذات الثلاثة ملايين نسمة التي تقع على مسافة ستة وعشرين ميلاً فقط من الحدود التركية. إن تدفقات اللاجئين الناجمة عن ذلك يمكن أن تضع الملايين من النازحين في رعاية أنقرة، وربما تسمح لأعضاء من تنظيم «القاعدة» و«حزب العمال الكردستاني» بالتسلل إلى تركيا. كما أن انهيار القانون والنظام في سوريا سوف يضر تركيا اقتصادياً نظراً للنشاط الاقتصادي المتزايد في جنوب شرق سوريا بسبب الارتفاع الأخير في الصادرات والاستثمارات التركية في سوريا.

وفي ضوء هذه القضايا -- إلى جانب حقيقة أن تركيا كانت أكثر انتقاداً للحملة القمعية التي يشنها الأسد من جيران سوريا الآخرين -- ينبغي على واشنطن أن تتوقع اضطلاع أنقرة بدور نشط في دفع الأمور إلى الأمام. وحالياً يدرس صناع السياسة الأتراك العديد من الإجراءات المحتملة لممارسة النفوذ على سوريا، كما مبيناً أدناه في ترتيب تنازلي حسب الاحتمالات:

• الاتصال بالمعارضة. في 13 تموز/يوليو سمحت أنقرة لرموز المعارضة السورية المنفيين بالاجتماع في تركيا. ومن المقرر عقد جلسة أخرى في 16 تموز/يوليو. وتأتي هذه اللقاءات بعد اجتماع بارز عُقد في أنطاليا بتركيا في 19 أيار/مايو، فضلاً عن عقد اجتماعات منتظمة -- من قبل "اللجنة التنفيذية لمؤتمر أنطاليا" -- في إسطنبول. وفي الوقت نفسه، ما تزال أنقرة تتعاطى مع الأسد في حين يقوم رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان بالإفشاء علناً (وأحياناً بصورة مثيرة) عن جوانب الخلاف الرئيسية.

ويبدو أن الغرض من هذا المنهج هو تصعيد نقاط ضعف الأسد وانعدام شعوره بالأمان وإجباره على القيام بتنازلات أكبر مع تقليل الثمن الذي كان يمكن أن يطلبه في المقابل. وفي حين تأخذ سلطته في الانحلال، فإن استراتيجية أنقرة ذات المسارين هي أيضاً وسيلة للإظهار للسكان السوريين بأن تركيا تسعى لإقامة علاقة دائمة مع سوريا الدولة، وليس فقط النظام.

• منطقة عازلة داخل سوريا. إذا تمدد العنف إلى خارج نطاق السيطرة، ستحاول تركيا على الأرجح تجنب التدخل العسكري وستقيم بدلاً من ذلك منطقة عازلة داخل سوريا لتقديم الغوث للناس هناك. إن تجنب العمل العسكري من شأنه أن يساعد «حزب العدالة والتنمية» على الحفاظ على القوة الناعمة المتنامية التي بناها في العالم العربي منذ عام 2002.

لقد أنشأت تركيا منطقة مشابهة في العراق في عام 1991 عندما شن صدام حسين حملة عنف ضد السكان الأكراد في البلاد. وفي غضون أسابيع هرب حوالي 1.5 مليون كردي إلى المنطقة. وفي نيسان/أبريل من ذلك العام شنت الولايات المتحدة "عملية توفير الراحة" بإقامتها قواعد في تركيا لتقديم المساعدات الإنسانية للاجئين وإرسال قوة من قوات التحالف إلى داخل شمال العراق لإقامة منطقة منزوعة السلاح وبناء مناطق سكنية لإعادة توطين اللاجئين. وربما تقيم تركيا مثل هذه المنطقة داخل سوريا لو توفر لها دعم دولي (على سبيل المثال، مشروع قرار من قبل الأمم المتحدة). ومع ذلك، وبخلاف ما كان في عام 1991، من المرجح أن تطلب أنقرة أن تكون هناك سلطة تركية على المنطقة.

• عقوبات اقتصادية. كان جزء من سياسة "تصفير المشاكل" التي يتبعها «حزب العدالة والتنمية» يعتمد على التجارة. ففي كانون الثاني/يناير 2004، وقّعت أنقرة ودمشق اتفاقية تجارة حرة لتعزيز تنازل سوريا غير المكتوب عن "هتاي" -- منطقة متنازع عليها على الحدود والتي تم تسليمها إلى تركيا في أعقاب استفتاء جرى في عام 1939. وحالما تم العمل بالاتفاقية التجارية في عام 2007 رفعت تركيا كافة الرسوم الجمركية عن المنتجات السورية بينما وافقت سوريا -- التي لديها صناعات أقل كفاءة بكثير-- على تخفيض جماركها على البضائع التركية بشكل تدريجي لفترة تمتد إلى اثني عشر عاماً. وعلى الرغم من هذا التفاوت أغرقت البضائع التركية السوق السورية مما سبب تقلصاً صناعياً سورياً بلغ 15 بالمائة، وذلك في السنوات القليلة الأولى من الاتفاقية. وللتعويض عن ذلك أقام عدد من رجال الأعمال الأتراك مصانع في حلب على طول الحدود مع تركيا.

ونظراً لهذه القوة الناعمة والأزمة الاقتصادية العميقة في سوريا فإن تركيا -- على افتراض وجود دعم من قبل الأمم المتحدة أو أي هيئة دولية أخرى-- يمكن أن تقيد أو تقطع التجارة كوسيلة لإقناع النظام بوقف حملته القمعية. وبالنظر إلى التفاوت في الرسوم الجمركية المستمر حالياً، فلن يكون لدى أنقرة ما تخشى منه لو ردت دمشق بالمثل بفرضها عقوبات تجارية من جانبها. وبالإضافة إلى التأثير المباشر للعقوبات على النظام، فإنها أيضاً ستزيل البضائع التركية من السوق السورية مما سيدفع سوريين كثيرين من الطبقة المتوسطة والعليا إلى إعادة النظر في دعمهم المتواصل للأسد. وعلاوة على ذلك، إن أي غلق مؤقت للمصانع التي يمولها الأتراك في سوريا سيكون له ضرر أكبر على الطبقات العاملة مما يخلق توتراً معهم ويسبب صداعاً أكبر للنظام بسبب البطالة.

• الردع العسكري. لو أصبح تدفق اللاجئين أكبر مما تستوعبه المنطقة العازلة أو إذا استمر الأسد في تنفيذ مذابح في مدن كبيرة مثل حلب، فربما يجد «حزب العدالة والتنمية» بأنه من المستحيل تجاهل التعاطف الشعبي من قبل الأتراك تجاه إخوانهم المسلمين المضطهدين المجاورين لهم. ويمكن أن تؤدي هذه التطورات إلى قيام أنقرة بالتهديد بالتدخل العسكري كوسيلة لردع الأسد عن تنفيذ المزيد من أعمال القمع. ويستند هذا المنهج على أساس في التاريخ -- فكما ذُكر سابقاً، كانت تركيا قد أجبرت دمشق على كبح هجمات «حزب العمال الكردستاني»، كما أُفيد بحشد الجنود الأتراك على الحدود في عام 1998. وربما تلجأ أنقرة إلى اتباع سياسة الردع مرة ثانية إذا وصلت إلى مرحلة الاعتقاد بأن العمل العسكري هو الخيار الحيوي الوحيد.

• التدخل العسكري. إذا لم تؤت سياسة الردع ثمارها أو إذا انهارت سوريا في حالة من الفوضى فإن تركيا ربما تفكر في القيام بتدخل عسكري محدود. وفي هذا السيناريو من المرجح أن تحاول أنقرة إبقاء منظمة حلف شمال الأطلسي ("الناتو") والولايات المتحدة بعيداً عن المهمة. لقد تغيرت الفكرة الرئيسية للسياسة الخارجية التركية خلال العقد الماضي، ولا تريد أنقرة أن يُنظر إليها على أنها "رجل الغرب" في المنطقة. غير أن علاقة الرئيس أوباما برئيس الوزراء أردوغان يمكن أن تساعد على تجنب مثل هذا الاستثناء. فعلى سبيل المثال، خلال اتصالات جرت مؤخراً بين الزعيمين والتي يقال أنها كانت ودية، أقنع أوباما أردوغان بوقف معارضة السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط فيما يتعلق بليبيا.

الخلاصة

ما تزال روسيا والصين والهند تعارض موقف مجلس الأمن تجاه سوريا بينما تبقى الجامعة العربية مترددة تجاه القمع الذي يمارسه نظام الأسد. ووفقاً لذلك، ستلعب تركيا دوراً رئيسياً في منهج واشنطن تجاه الأزمة. وبغض النظر عن الخيار الذي ستفضله تركيا، ستسمر الولايات المتحدة باتخاذ إجراءات خاصة بها بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي. وسيكون التحدي هو التنسيق بين واشنطن وبروكسل وأنقرة لدفع الأسد [لمواجهة] معضلات رئيسية، بهدف وقف القمع الدموي وتسهيل انتقال سوريا إلى حكم ديمقراطي.

ولأجل هذه الغاية يمكن لأنقرة استخدام الإجراءات التي لخصتها هذه المقالة بشكل فردي أو ترادفي. فعلى سبيل المثال، يمكنها إقامة منطقة عازلة في تركيا في الوقت الذي تتبع فيه سياسة الردع العسكري، أو مواصلة اتصالاتها مع المعارضة بينما تقوم بتنفيذ عقوبات اقتصادية. وأياً كان المنهج يجب على جميع الأطراف أن تضع في حساباتها أن ميول الأسد تقتضي استخدام محاورين متعددين، الأمر الذي يساعده على إحداث انقسام بين خصومه. إن تبادل الآراء عن قرب والحفاظ على نظام دبلوماسي محكم هي فقط أمور ابإمكانها أن توفر الأمل لواشنطن وأنقرة بحدوث تغيير في أساليب الأسد.

 

سونر چاغاپتاي هو مدير برنامج الأبحاث التركية في معهد واشنطن. أندرو جيه. تابلر هو زميل الجيل القادم في برنامج السياسات العربية في المعهد ومؤلف الكتاب الذي سيصدر قريباً: "في عرين الأسد: رواية شاهد عيان لمعركة واشنطن مع سوريا."